الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



جذور وأعلام الفكر الإصلاحي بتونس

الشيخ العلامة سالم بوحاجب رائد الاصلاح وملهم الاصلاحيين (1)


الحلقة 4 (ج2)

الخطط والمهام التي تولاها

تولى الشيخ سالم بوحاجب عديد الخطط العلمية والشرعية إلى جانب المهام السياسية التي كلف بها خاصة من قبل الوزير الأكبر «خير الدين التونسي» ومنها التدريس بالجامع الأعظم ثمّ إنه تولى الفتيا بعد ان رفض ذلك مرارا كثيرة ولم يقبل إلا بعدما أقسم الملك « محمد الهادي باي» بألاّ يضع خاتمه على تسمية رجل آخر وهو تماما ما حدث للإمام سحنون مع الأمير الأغلبي ... « زيادة الله»...

ثمّ تولى كذلك خطة كبير أهل الشورى المالكيّة سنة 1919 أما خطة الإفتاء فقد تولاها سنة 1905، وقد اشتهر بأختامه التي كان يلقيها في النصف الأخير من شهر رمضان المعظم إثر صلاة العصر من كل يوم بجامع «سبحان الله» وبالمدرسة «المستنصريّة» وكان يحضر بعض هذه الدروس ملك البلاد وكلّ هذه الأختام مكتوبة. وله أيضا خطب منبريّة مكتوبة أيضا واعتنى بطيعها شيخ الصحافة التونسيّة المرحوم «عبد الرحمان الصنادلي» مدير جريدة «الزهرة» ولا يزال كثير من الخطباء يقتبسون منها.

أدبه وشعره

وكان إلى جانب مكانته العلميّة ودوره الديني أديبا لامعا وشاعرا مجيدا، وكان برغم أعماله ومهماته يزور مسقط رأسه «بنبلة» ويهتم بأرضه وزياتينه ولامه البعض على ذلك فردّ عليهم بقوله :

علينا عباد الله خدمة أرضنا

فما هي في الحقيقة إلا أمنا

فنشأنا منها ومنها معاشنا

وإن عافنا الزمان فهي تضمنا.

ومن شعره موصيا أبناءه :

أبنيّ لا تبكو لفقد أبيكم

فرضاه يكفل بالمنى المستقبلة

ما مات من أبقى رجالا مثلكم

فحياتكم لحياته كالتكملة

أوصيكم بالإتحاد وإن تروا

إخوانكم في البر منّي مبدلة

علاقته بالشيخ محمود قبادو :

جدير بنا أن نذكر الصلة الوطيدة للشيخ سالم بوحاجب بالشيخ المصلح «محمود قبادو» الذي كان أول مدرس إختاره خير الدين بعد تأسيس المدرسة «الصادقيّة» سنة 1875، هذه العلاقة تعود إلى سنة 1848م / 1264 هـ حيث تعارفا في حلقات الدرس على الشيخ محمد بيرم الرابع وفي مجالسه الخاصة. وكان الشيخ بيرم صديقا للإثنين ومقربا لهما وقد أدرك الشيخ قبادو ما يتمتع به الشيخ بوحاجب فلازمه وأصبح يتصل به سواء في مجلس الشيخ بيرم أو في مجلسه الخاص في بيته. وأصبح الشيخ قبادو سندا للشيخ بوحاجب وهو يخطو خطواته الأولى نحو العلا والمجد وأخذ عنه أدبه وفكره وتطلعاته الإصلاحيّة الجديدة. ويمكن اعتبار الشيخ قبادو القدوة الوحيدة والمثل الأعلى للشيخ بوحاجب ومنهجه المستقبلي. وكان ثالثهما الجنرال حسين المصلح سند خير الدين في كل معاركه ومشاريعه، وكان هؤلاء الثلاثة الحلقة القويّة التي وقفت إلى جانب المصلح والوزير الأكبر خير الدين. وكان الجنرال حسين قد أوصى بثلث ثروته لأبناء الشيخ سالم بوحاجب لعلمه بحاجة صديقه إلى المال الذي كان لا يبخل به عليه. لم يكترث الشيخ سالم بالمال ولم يسع له بل سعى للعلم والإجتهاد فكان قطب زمانه. وكان من الخالدين والخلود ليس لذوي المال ولكنه لأولي العلم. والفرق بين العلم والجهل هو الفرق بين الحياة و الموت.

ورحم الله « البطليوسي» حيث قال :

أخ العلم حي خالد بعد موته

وأوصاله في التراب رميم

وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى

يظنّ من الاحياء وهو عديم.

عاش الشيخ سالم بوحاجب حياة نشيطة فاعلة. وكان نجما ساطعا يعم بنوره الكون فيبدد الظلمات مصلحا لقومه ومجددا لدينه وموحدا لبلاده حول أسس العدل والحق والمناعة. وكانت خطبته الجمعيّة فريدة في جرأتها ودقتها و يرفع بها الهمم ويدفع بها إلى التحرر من رواسب الجمود والرجعيّة ويحثها على الأخذ بأسباب العزة والهمة والمثل العليا والجمع بين مصالح الدارين التي جاءت بها الشريعة الإسلامية تحقيقا لسعادة الدنيا والآخرة عملا بقوله تعالى : « ولاتنسى نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الناس إليك». ودعا الشيخ سالم بوحاجب إلى رفض البطالة ونبذ التواكل وإلى التعلم والتزود بالمعرفة وكان أول من أصدع من فوق المنبر بأهميّة الفلاحة والفلاحين وكان ذلك أمرا غريبا في ذلك الوقت كما تعرض إلى مختلف أنواع المهن والصنائع الأخرى وعالج مشاكلها في تطور ملفت وفريد بدور المنبر ورسالته الإجتماعية والإصلاحية. وبفضل هذه الكفاءة وهذا العلم الغزير وبسبب هذه الروح الفياضة المتطلعة إلى الإصلاح والتطوير قربه خير الدين وكان أبرز مساعديه. وكان الشيخ سالم بوحاجب من المساهمين المباشرين لكل الأعمال الإصلاحية التي أنجزت مثل تأسيس «المدرسة الصادقيّة» وإصلاح التعليم الزيتوني سنة 1875 وكذلك تأسيس جمعيّة الأوقاف وتأسيس جريدة ومطبعة «الرائد». ولذلك كان الشيخ سالم بوحاجب محل إجماع كلّ الدوائر العلميّة والعامة على ريادته ورياسته للعلم والإصلاح.

ولم يكن من الصدفة توليه إلقاء أول محاضرة على منبر الجمعيّة الخلدونيّة بعد تأسيسها سنة 1901 والتي أسست لنشر العلوم وتطوير المعارف وعلى منبر الجمعيّة التي أسسها الصادقيون الذين لم يجدوا أفضل من الشيخ سالم بوحاجب لكي يؤكد على أهميّة العلم مبرزا أن الإنسان لم يستحق الخلافة في الأرض إلا بالعلوم مستدلا بقوله تعالى: «وعلم آدم الأسماء كلها ثمّ عرضهم على الملائكة...» إلخ ...

وقد أكد الشيخ سالم بوحاجب في هذه المحاضرة أن زهد الأمة الإسلامية في العلوم التطبيقيّة نتج عنه الوهن ولما أهملنا هذا الواجب كان جزاؤنا التأخر الفادح. ذلك هو الفكر المستنير والعقل الاستشرافي لدى الشيخ سالم بوحاجب الذي قضى عمرا مديدا في الدعوة إلى الإصلاح وإلى الإجتهاد ونبذ التواكل وترك البدع التي سادت خاصة منذ العهد المرادي التركي. وكم هي جديرة بالدرس حياة هذا العالم وليس في محيطها الضيق فحسب.

وفاته

وبعد عمر طويل قضاه في خدمة العلم والدين وفي مقاومة البدع وإصلاح الأحوال السياسيّة والإجتماعيّة وفي توعية الشعب والنهوض به ودفعه إلى نبذ التواكل ودعوته إلى الانصراف إلى الكد والجد. توفي الشيخ سالم بوحاجب بدار ابنه خليل بالمرسى. شهد جنازته الأمير و المأمور والخاصة والجمهور كما يقول الشيخ مخلوف... وحزن لوفاته طلابه وأمثاله من المشايخ والعلماء والقضاة وجلهم تتلمذ عليه ورثاه الشعراء ونذكر منهم الشيخ القاضي والشاعر تلميذه محمد بو شارب الذي أنشد :

«عمر الفتى وإن طال قصير

وسروره وإن جل فهو حقير

وحياته تحكي المنام وإنما

ريب المنون لحلّها تعبير

فلم الوقوف مع الظواهر

وهي في نظر البصير إلى الفناء تصير..».