الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



ثلاثة أسئلة إلى الدكتور عبد الباسط قوادر:

المثقف الأكاديمي يجعل من الفكر متجدّدا بتجدّد كل عصر



الدكتور عبد الباسط قوادر أستاذ جامعي وباحث ومحقق في رصيده ستة كتب أكاديمية، من بينها تحقيقان: الأول لكتاب «المرقبة العليا في تعبير الرؤيا» لابن راشد القفصي والثاني هو عبارة عن موسوعة في ستة مجلدات لنفس المؤلف تضمّ 3500 صفحة عنوانها «الفائق في معرفة الأحكام والوثائق».

أولا هل أن العناية بالمخطوطات تتنزل في إطار حفظ ذاكرة الشعوب وإثراء ثقافاتها المحلية أم أنها أيضا حفظ للذاكرة المعرفية البشرية ككل؟

تُعد المخطوطات جزءا من أرشيف الدولة وأحد عناصر تراثها المادي، والمخطوطات هي الكتب والوثائق التي لم يقع طبعها بعد. ونحن إذا أردنا أن ندرس المخطوط فإننا نركز على جانبين: الأول كوديولوجي يتعلق بدراسة المخطوط باعتباره قطعة أثرية، فنتناوله من ناحية التجليد والحبر وطبيعة الخطوط والزينة والألوان، والثاني فيلولوجي متصل بعملية التحقيق والخطوات العلمية والعملية التي يسلكها المحقق قبل إخراجه المخطوط في صورة تقرب مما أراده عليها مؤلفه.

ولنا في تونس 140 ألف مخطوط من ضمنها ما يقارب 24 ألفا و256 مجلد، الأمر الذي يجعل من خزائن المخطوطات بالبلاد التونسية هي الأثرى من نوعها في شمال إفريقيا إن لم نقل تقريبا على الصعيد العالمي.

وتكمن أهمية العناية بالمخطوطات في تنزلها في سياق حفظ الهوية الثقافية والعلمية لشعب ما. وقد حفظت لنا المخطوطات الذاكرة المعرفية للمجتمع التونسي على مرّ العصور وفي شتى العلوم سواء منها العقلية أو النقلية أو علوم الآلة كالطب والصيدلة والفلك...

وتجدر الإشارة في الأخير إلى أن المعرفة البشرية هي خلاصة الجهود العقلية لمختلف الأمم والحضارات على مر الأزمنة وبالتالي فإن صيانة المخطوطات وترميمها وتحقيقها هي هاجس عالمي يتقاسمه المحققون إلى جانب الهياكل الوطنية والإقليمية والدولية ذات الصلة، وذلك بلا تمايز أو استثناء، بالنظر إلى أن المخطوط هو جزء من تاريخ المعرفة البشرية في بُعدها الكوني بشكل عام.

هل أن سلطة المثقف يستمدها من مواقفه المستقلة ومن أفكاره الناقدة أم من تصالحه مع السلطة الحاكمة وتحالفه معها؟

يجب أن نفرّق بين أصناف متنوعة من شخصية المثقف، إذ هنالك العصامي والأكاديمي وهنالك المبدع والمفكر... وبالنسبة إلى المثقف الأكاديمي فأرى أنه من يتعالى عن كل ما هو حزبي، والذي يسعى إلى تقديم الحلول بعد توصيف المسائل وتشخيص مشكلات واقعه وأزماته، وهو بالخصوص من يتحلى برؤية استشرافية ولا يكتفي بإثارة المشكلات لأن دور المثقف يتمثل في تقديم الحلول للسياسيين حتى يتمكنوا من بلورة أفكار المثقف وتطبيقها إما عن طريق الإداري أو بواسطة السياسي نفسه.

ونشير إلى أن جوهر عمل المثقف لا يبرح ساحة ملامسة الواقع والبحث عن حلول للقضايا الحارقة لمجتمعه، ولا يتأتى ذلك إلا بعد ترك مسافة واسعة بينه وبين السياسي حتى يكون تشخيصه علميا وبعيدا عن كل المطاعن في مصداقية أبحاثه ونتائجها وفي أفكاره ومقترحاته.

إلى أي مدى ينبغي أن تنفتح الجامعة التونسية على الأسئلة الحارقة للمجتمع التونسي؟ وهل يجب أن يكون المثقف الجامعي بلا انتماء أم ملتزما بقضايا عصره سواء منها الوطنية أو الإقليمية أو الدولية؟

لا شك في أن الجامعة التونسية منفتحة على واقعها بدليل أنها تلعب دورا رئيسيا في تخريج كوادر الدولة والفاعلين الأبرز في شتى القطاعات الحيوية، بل لا شك في إلمام الجامعات بمتطلبات المجتمع. غير أننا نودّ الحديث هنا عن وجاهة خوض الجامعات في السياسة مثلا لكن في المقابل يجب أن تنأى بنفسها عن الأحزاب السياسية طالما أنها هياكل للتعليم العالي وللبحث الجامعي محدثة من أجل تحقيق هدف نبيل ألا وهو خدمة الشعب التونسي، وهو شعب متنوع من حيث الانتماء الحزبي والإيديولوجي والديني، وبالتالي لا ينبغي أن تنحصر الجامعة في توجه حزبي يفقدها موضوعيتها ومصداقيتها ونجاعتها العلمية ويسقط بها في فخ الإقصاء.

ولا نغفل عن أن الجامعي هو في الحقيقة ابن بيئته وعصره، لذا من غير المعقول أن يسجن نفسه في الماضي أو أن يذوب بفكره في الآخر الحضاري أو أن ينغلق على ذاته وعلى أفكاره المحلية أو على مجال تخصصه بشكل نظري مجدب وجاف.

وإن من يشتغلون على التراث الفكري لا يجب أن يكون الماضي آسرا لهم ولكن ينبغي أن يكون دافعا لهم إلى النهوض بالواقع والتأسيس للغد الأفضل. ولنا شاهد في حضارتنا العربية والإسلامية على هذا المعنى عند استحضار مدى مواكبة الرسول صلى الله عليه وسلم لعصره، حتى أنه لو كان بين ظهرانينا اليوم لاستخدم مثلنا الوسائل التكنولوجية الحديثة. كما يؤكد موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من حلف الفضول أن القيم والمبادئ التي تتماشى مع الإسلام يتم الاحتفاظ بها ولو أنه وقع سنّها في الجاهلية، الأمر الذي يقيم البرهان على ضرورة تحلي العقل الجامعي العربي الراهن بالقراءة المقاصدية التي تجعل من الفكر متجددا بتجدد كل عصر، وباحثا عن روح الأحكام وليس حبيس الفهم الحروفي للنص الديني.

هكذا تتجلى نجاعة دور الجامعي في انخراطه بواقعه وتجذره الفكري في مشاغله وهمومه، وأيضا في مواكبته لعصره ومحاولته التأثير على نحو إيجابي وتقدمي في مساراته وتحولاته، وذلك طبعا دون انفصام قد يكون مصدره الانبتات عن قضايا المجتمع والعيش في دائرة التاريخ والانفكاك عن المستقبل.

 


منصور