الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



«الجمود والتجديد في قوّتهما» للطاهر الحداد عن منشورات بيت الحكمة:

الأمّة تحتاج إلى أفكار حيّة


ما يزال الطاهر الحدّاد حاضرا بقوّة في الجدل العمومي حول قضايا المرأة والنظرة إلى الإسلام وقضيّة «التقدّم»، في تونس ما بعد 14 جانفي. ويحضر الآن بقوّة أكثر في الوقت الذي تثار فيه قضيّة المساواة في الميراث. وها هو يطلّ الآن من عليائه، من البنتيون الذي يرقد فيه عظماء تونس، من خلال نصّ غير معروف، صدر حديثا عن بيت الحكمة يحمل عنوانا صادما يكشف عن قوّة بصيرة الرجل الذي لعلّه يرقب ما يحدث الآن : «الجمود والتجديد في قوّتهما».

عُثر على النصّ ضمن الآثار التي خلّفها صديقه أحمد الدرعي والتي وهبتها لبيت الحكمة ابنته الأستاذة كلثوم المزيو بغرض تحقيقها ونشرها.

«لماذا لا يكون لكم إلاّ عمل واحد هو هدم كلّ فكرة يبديها غيركم لمصلحة الأمّة، وربّما كانت في حقيقة أمرها نافعة للأمّة إن لم تكن أقرب الطرق على نفعها، بينما تسمّون المجدّدين بالهدّامين، ويكون عكس هذا أنّكم أنتم البنّاؤون؟ فأين هذا البناء الذي تبنون؟ فإنّنا لم نسمع به. أو أنّكم ترون بناء الأمّة سالما صحيحا تعيش به اليوم في أرغد عيش، بينما الواقع يكذّب هذه الدعوى ويثبت أنّكم أنتم وحدكم الهدّامون، لا أكثر ولا أقلّ». (ص29-30).

كأنّ الفقرة المذكورة أعلاه كتبت اليوم، في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات من الشوارع والمساجد ضدّ تقرير لجنة الحرّية والمساواة. «نعم يصحّ أن نجمد في فهمنا للأشياء ولكن لا يصحّ أن تجمد الأشياء، فهي ومن ضمنها نحن دائما نسير. ولم أر كالمسلمين معاندا لهذا الناموس الذي يجري مع الدم في عروقهم، فينكرونه على شريعتهم أن تقودهم في تطوّرهم نحو السعادة والتقدّم، ويميلون بها إلى تقديس الحروف وإنكار معناها الجامع. وكلّ أمم العالم الحيّة اليوم قد عرفت كيف تفهم الشيء في عمومه كما تفهم أجزاءه فتصل إلى حقيقته، أمّا نحن فلا نفهم هذه الحقيقة الخالصة، وبقينا كعامة أجدادنا لا تسع عقولنا غير الأجزاء الصغيرة في الشيء. والنتيجة الحاصلة اليوم أنّنا نتطوّر إلى أسفل ضدّ ما يريده الإسلام. فإذا كنّا نريد أن نصلح تطوّرنا في الحياة فنسير به إلى أعلى، فلنسر إلى ذلك ومعنا شريعتنا تسير على هذا الناموس». (ص26-27).

يقدّم الحدّاد في هذا النصّ حجج الجامدين وحجج المجدّدين، في جدل حيّ ساخر. ثمّة من يهدم الحجج كي يضع الآخر في خانة «المارق» و«المخدوع بزخارف المدنيّة الفاجرة »، وثمّة من يبني حججه لأنّه من خانة «المجتهد الذي يسنّ للأمّة طرق الحياة بما علموا وبما عرفوا من أحوالها الحاضرة». في الفقرة التالية، يحاول الجامدون نسف حجّة قدّمها وما يزال يقدّمها المجدّدون: «لقد قال أولئك المارقون: أن تأويل النصّ يحمله على أحوال دون أحوال متى تعذّر تنفيذه بالحرف على ظاهره، أمر لا بدّ أن نعترف به لفائدة حياتنا التي جاء الشرع حافظا لها ومعينا. كما قالوا أيضا أن الاهتداء بروح الإسلام للسير على ضوئها في نموّ التشريع اللازم لنموّنا أمر حاتم أيضا. وذلك مثلا كما ثبت في منع الاسترقاق والاستمتاع بالجواري التابع لنظام الرقّ. ويأبى الإسلام إلاّ أن يعبّر في فصوله الكثيرة عن نفوره من الاستعباد وتعشّقه في الحرّية التي يسير لها تدريجيّا على قدر طوق الأمّة». (ص21-22).

ولا يجد الجامدون لنسف هذه الحجج سوى هذا: «هكذا يقولون، ونحن لو سلّمنا لهم جدلا بصحّة هذه النظريّة في الإسلام فإنّنا لن نأمن على وضع هذا السلاح الحاد في أيديهم يضربون به الشريعة من أطرافها ويطعنونها في الصميم طعنة نجلاء. ومن هم هؤلاء الصعاليك حتّى نذعن لصحّة نظريتهم، نحن رجال الأمّة وأعيان بيوتها الماجدة، لنظهر بعد بصورة تابعين لهم، وإليهم يعود الفضل كلّه، ويتمتّعون بشهرة طيّبة تجعلهم في صفّ أهل الفكر والنظر.لا،لا، إنّنا نبرأ إلى الله منهم ومن مكرهم الذي يكيدون به للإسلام والمسلمين ويختارونه طريقا للشهرة وطيب الذكر. ومن أكثر العجب، بل ومن أروع عوامل الدهشة، أن ينخدع كثير من عوام المسلمين لهم فيظنّون بهم خيرا وينخدعون لترّهاتهم الباطلة ». ص(22-23).

يرجّح الدكتور عبد المجيد الشرفي في تقديمه إلى أنّ نصّ «الجمود والتجديد في قوّتهما» من آخر ما كتب الحدّاد وأنّه كتب بعد «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» ، بناء على الإشارات القليلة التي وردت في آخر النص إلى حملة رجال الدين على المجدّدين.

صدور هذا النصّ الآن في السياق الذّي نحن فيه، يثبت ببساطة أنّ التجديد أقوى من الجمود. الحدّاد المجدّد، بقي اسمه وبقيت أفكاره. أمّا الجامدون فذهبوا إلى هول النسيان، حيث لا مجد ولا صيت ولا صراخ يبقى: «فأين هؤلاء الذين يملؤون الدنيا صراخا، وهم كثير، لو أنّهم يجتمعون في«غير الدفاع عن دين هذه الأمّة وهم في الحقيقة خاذلوه».(ص35).

 

 


كمال الهلالي