الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



ثلاثة أسئلة إلى الأديب عبد الجبار الشريف

المسؤولية الثقافية ملقاة اليوم على عاتق الإعلام العمومي



يُعد الأديب التونسي عبد الجبار الشريف من أكثر الكتاب التونسيين غزارة إنتاج أدبي، حيث أثرى المكتبة التونسية وعلى امتداد أربعة عقود بأكثر من ثلاثمائة كتاب موجهة لمختلف الشرائح العمرية خاصة للأطفال. أعدّ عشرات البرامج الإذاعية والتلفزية التي تهتمّ بالكتاب والترغيب في المطالعة. أحرز جوائز عربية عن بعض البرامج التي نجحت في تكريس علاقة جيدة بين المشاهد والكتاب، ونالت استحسان المثقفين والأولياء بالنسبة إلى البرامج التي تُعنى بتثقيف الناشئة باعتبارها عماد المستقبل.

هل أن واقع الكتاب في تونس يعيش أزمة قراءة أم إشكالات هيكلية؟

يعيش الكتاب الورقي اليوم وبصراحة سواء في الوطن العربي أو حتى في العالم الغربي المتقدم أزمة كبرى غير خافية، إلا أن ذلك لا يعني أن حضارة الكتاب أخذت في الاندثار لأن حضارة الكتاب ستظل صامدة أمام زحف الثقافة الرقمية وأمام الهجمة الشرسة لوسائل الاتصال الحديثة، وفي مقدمتها الانترنات، هذه الوسيلة التي أخذت بمجامع قلوب الناس والأجيال الجديدة خاصة التي يعمل الجميع وفي مقدمتهم الكتّاب وهم أهل القلم على جلبها إلى عالم الكتاب الورقي.

وبما أن لكل عصر خصائصه ووسائله فلا شك في أن الغلبة في وقتنا الراهن هي هي لوسائل الاتصال الحديثة. من هنا لا يمكن أن نلقي بتبعات العزوف عن القراءة لا على الهياكل المعنية بالكتاب ولا على المؤلفين أنفسهم، بل إن المسؤولية يتحملها التقدم العلمي الذي أوجد هذه الوسائل الحديثة التي لم نحسن استغلالها ووظفناها لغايات أخرى وبالتالي فإن التبعات تتحملها العملية التربوية التي لم تتطور مع العصر، ولم تُحسن تدريب الأجيال الجديدة مع تلك الوسائل المتطورة وبصورة عامة مع العقلية لتعيش الانسجام معها، وبالتالي فإن الكتاب أصبح الضحية الكبرى للتكنولوجيات الحديثة، فقد عرف الكتاب حالة عزوف منه إلى حين.

ودائما أقول إن الكتاب الورقي الذي تحول إلى كتاب إلكتروني أصبح في متناول كل مستعملي التكنولوجيات الحديثة دون تفاعل... ذلك التفاعل القديم الذي كان يعتمد على تصفح الكتاب ولمسه وحتى شمّ رائحته، لكن هذا لا يعني أن واقع الكتاب العربي هو واقع الكتاب في الغرب الذي صنع تلك الوسائل التكنولوجية الحديثة، إذ ما زال الكتاب عندهم يُطبع بملايين النسخ، ويجد إقبالا كبيرا حتى وصل الأمر إلى تدريب الجنين في بطن أمه على سماع نصوص الكتب على ألسنة الأمهات أو بواسطة آلات تسجيل.

وبشكل عام لا يمكن أن نلقي المسؤولية على الهياكل المكلفة بالسهر على الكتاب في بلادنا باعتبار أن الدولة التي تمثلها وزارة الثقافة في بلادنا، وتحديدا إدارة المطالعة التي تملك خطة وطنية للنهوض بالكتاب ونشر ثقافة المطالعة وتشجيع الناشرين والكتاب بدعم الورق، غير أن القضية تبقى في النهاية قضية كسل ذهني لدى القارئ التونسي والعربي بصورة عامة الذي ما زال ينفر من القراءة لأسباب اقتصادية بحتة في المقدمة، ولأسباب حضارية أخرى كالأمية الثقافية وعوامل أخرى اجتماعية لا بدّ من دراستها والتعمق فيها من قبل المتخصصين في علم الاجتماع.

إلى أي مدى يمكن القول أن لنا في تونس والوطن العربي مؤلفين دون قراء؟

إن الكتب اليوم في تونس تحديدا وخاصة بعد الثورة عرفت قفزة نوعية على مستوى الطباعة والكم وحتى المضمون . وهذا تأكيد يُضاف إلى أن لنا مؤلفين أكفاء وكتابا في جميع المجالات تقريبا.... في البحث العلمي وفي الكتابة الثقافية، ولكننا نعاني من مشكلة عويصة مزمنة وهي انعدام القارئ وذلك لأسباب عديدة لعل في مقدمتها غلاء الكتاب والورق أي الجانب الاقتصادي، بمعنى أن القضية هي اقتصادية بالدرجة الأولى، ولنأخذ مثالا أنه في جمهورية مصر العربية كما في لبنان أيضا يعتمد النشر في صيغة طبعات شعبية يكاد سعرها يكون رمزيا، كأن تجد سلسلة كاملة لتوفيق الحكيم مثلا تنشر في طبعة شعبية يستطيع القارئ أن يقتنيها بأرخص الأثمان، فيما الكتاب عندنا في تونس ورغم سياسة دعم الورق التي تنتهجها وزارة الثقافة مازالت تكلفته باهظة جدا والدليل إقبال آلاف القراء سنويا على معرض تونس الدولي للكتاب والمعارض الموازية لشراء كتب ذات تخفيضات هامة، وهذه الطريقة المثلى لترويج الكتاب وبالتالي لتجسيد المثل العربي «لا يجوع الذئب ولا يشتكي الراعي» في مثل هذا المجال.

كيف يمكن أن يساهم الإعلام السمعي البصري وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي في إحياء ثقافة المطالعة وتنشيط تجارة الكتب؟

هذا السؤال حارق لأن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة تتحمل اليوم بوصفها منابر جماهيرية للاتصال مسؤولية كبيرة للترويج للكتاب والترغيب في المطالعة لكن لا نجد من هذه الوسائل الإقبال المطلوب. وبالتالي فإن تلك الوسائل سواء كانت تلفزية أو إذاعية أو حتى صحافة مكتوبة مازالت تبحث عما يسمى اليوم بـ «البوز» والترويج لبرامج يقبل عليها الناس رغم أنها لا تغني ولا تسمن من شيء لانعدام الفائدة منها.

هنالك بصراحة استقالة كاملة من الإعلام الخاص إزاء الثقافة، وشمل الأمر حتى عدم دعوة أو تشريك المثقفين والكتّاب في البلاتوهات الخاصة المعنية بالمشاكل السياسية والثقافية والاجتماعية، وذلك من جهلٍ بقيمة هؤلاء المثقفين والكتاب ودورهم في التغيير والتوجيه والإقناع.

بصورة عامة إن المسؤولية اليوم ملقاة على الإعلام العمومي الذي لا يحظى بين قوسين بالمشاهدة المرتفعة لأنه لا يستطيع الانخراط في الضحالة والتفاهة. إذن تبقى المسؤولية الثقافية ملقاة على عاتقه لإعادة الاعتبار للمثقفين والكتاب من أجل الارتقاء بمستوى الشعب/المشاهد وذلك من خلال الإكثار من البرامج الثقافية وتشريك هؤلاء في البرامج وفي البلاتوهات، وتلك رسالته الأساسية لأنه إعلام مدعم من الشعب ومسؤوليته هي الارتقاء بذهنية الناس. أما المبحرون في مواقع الاتصال الحديثة فيُعدون بالملايين في كل دولة، ورغم ذلك فإن تلك المواقع تشكو من التركيز على الفن بصورة عامة والرياضة وقلما نجد اهتماما بالجانب الثقافي وهو ركيزة كل تنمية وكل تقدم في المجتمعات العربية التي تعاني التخلف وعدم مواكبة التطورات التي تعرفها الأمم الأخرى.

 


منصور