الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



ضمن سلسلة «ابداعات عالمية»: «الأشياء التي تنادينا» مجموعة قصصيّة لخوان خوسيه ميّاس :

الحياة أسوأ من مطار فرانكفورت


ضمن سلسلة «ابداعات عالمية» التي تصدر كلّ شهرين عن المجلس الوطني للثقافة والفنون بدولة الكويت ، يعيدنا الإصدار الجديد ( يونيو 2018) إلى متعة الأدب العظيم . «الأشياء التي تنادينا» ، مجموعة قصصية ، كلّ قصّة تقريبا بثلاث صفحات ، للإسباني خوان خوسيه ميّاس ، ترجمة أحمد عبد اللطيف ، تقدّم إلينا منظورا غرائبيّا جديدا للحياة وتفاصيلها : «العالم أسوأ من المطار. العالم أسوأ من مطار فرانكفورت: كلّ اللافتات موجودة حتّى تتوه ، حتّى تأخذ رحلة غير رحلتك أو تظلّ معلّقا في متاهة الممرّات» (ص164).

نكتشف ونحن نقرأ قصص خوسيه ميّاس « أنّنا لا نقيم في الواقع بل نزوره» ، وهي جملة ترد على لسان البطل المتكلّم في إحدى قصصه والراغب في التشبّه بالجواسيس الذين لا يقيمون في الواقع ، بل يزورونه. زيارة الواقع ، هذه ، تجعلنا ننفتح على غرابته المدهشة ، غرابته الواقعية تماما .

ما قد يبدو وسواسا أو كابوسا ، يتحوّل في قصص ميّاس إلى حقيقة كنّا غافلين عنها . في إحدى القصص يضطرّ البطل المتكلّم إلى اصطناع العرج في ساقه حتّى يكون بقدرته أن يركن سيّارته في الركن المخصّص للعرّج ، يتماهى مع الدور الجديد ليكتشف في الأخير أنّه أعرج حقّا وأنّ والديه قد أخفيا عنه ذلك ودفعته أمّه طوال حياته إلى اصطناع أنّه سليم .

في قصّة اخرى يذهب البطل المتكلّم لإستخراج صور فوتغرافية يحتاجها لتجديد رخصة السياقة. في لحظة الإلتقاط رأى في العدسة العم إميلو، عمّه السيّء الذي له نفس اسمه والذي كان سببا في موت جدّه .وحين يزور والديه ، تعامله أمّه على أنّه العمّ السيّء ، لا الإبن ، وهو لسبب ما ، يتصرّف في الأخير كعمّه ويقوم بسرقة أشياء وهو يغادر:«- مع السلامة يا إميليو. قال أبي متهكّما ، وفي تلك اللحظة أدركت أنّ الواحد منّا في الحياة ليس ما يريده ، بل ما يطلبه منه الآخرون ، وما تقرّره كابينة الفوتوماتون » (ص 69 ).

في قصّة مكالمة من وراء القبر « يخفي الراوي بالإتفاق مع زوجته على ابنه خبر موت جدّته . وحين يعودان من دفنها ، يفاجئهما الإبن حين عودتهما إلى البيت بالقول أنّ جدّته اتصلت به ، فنظرت إليه أنا وزوجتي مرتبكين لثوان ثمّ شرعنا في عمل أشياء لنداري حيرتنا...» ( ص73 ).

في قصّة أخرى حملت عنوان «حين لا يحدث شيء» يرتبك قسم شرطة وسط المدينة حين يسألهم صحفي بشكل روتيني ليعرف ماذا يحدث فيردّون عليه : لاشيء . يقول لهم الصحفي : لا بدّ أنّكم تخفون شيئا فمن غير المعقول الا يحدث شيء. تستمرّ الأمور على تلك الحال حتّى أنّ مندوب الحكومة يجتمع مع مأموري أقسام المدينة مؤنّبا :«- لا يمكن أن نستمرّ في إخبار الجرائد بأنّه لا يحدث شيء . يعتبروننا حمقى .

-لكن ما يحدث أنّه لا شيء يحدث. أجابوه.

-إذن فليسرق أحد بنكا أو فليهاجم سفارة. لكن لتفعلوا شيئا، فقبل رأسي سيطيّرون رؤوسكم»( ص 151-152 ). يخطّط رجال الشرطة لإرتكاب جنح صغيرة فلا يجدون متطوّعين . « وبعد أربعة أيّام كان الوضع محبطا،كان يبدو أنّ الإجرام قد دخل في إضراب مفتوح والقوانين بدأت تكتسب درجة من اللاجدوى المقلقة...» (ص152 ).

«المدينة حافلة بأناس هكذا، أفراد يقضون الأمسيات في الكافيتيريات ، أمام فنجان قهوة يتصنّعون أنّهم يشربونه » (ص 169 ). ربّما لأنّ الحياة الحديثة بأساطير حداثتها وما بعد حداثتها حوّلتهم إلى أشباح وإلى موتى في ثياب أحياء بعد أن سلبتهم أرواحهم «.« أن تكون ميّتا ليست مسألة كبيرة في نهاية المطاف »(ص 167). لماذا ؟ لأنّ الأحياء الذين تراهم في الشارع أو في محلاّت التسوّق قد يكونون موتى «محاطين بشيء كفقاعة من حوائط غير مرئيّة » كما في قصّة « الميّتة » لا يستطيعون التحرّر من الموت.

من تفصيل بسيط مثل الجوارب أو بطاقة بنكية ضائعة أو باب مهمل أو طائر كناري في قفص أو فتاة تلفزيون يشاهدها عرضا على الشاشة ثم يلتقيها بعد ذلك ، ينشئ خوسيه ميّاس عوالمه العجيبة الغريبة التي تقع ، ما بين «العبث واللغز» . عبث العيش وسط أساطير الحداثة اليومية التي تحوّل الحياة اللغز الكبير، إلى خواء فكه ، تضطرّ فيه أمّك مثلا أمام سلوك يندّ منك ، مخالف للأعراف السائدة ، إلى القول أنّك ابن الخادمة . في قصّة «ثمن الأرواح »، يلتقي الراوي ، وكيل تجاري ، بإبليس المتخفّي في هيأة سائق تاكسي . يقول له ابليس : « منذ زمن لم أشتر ارواحا. في الجحيم فائض.

من قبل كان يجب تقديم الشباب الأبدي ولا أعرف كم جوالا من الذهب مقابل الروح الواحدة. الآن يمنحونك في المقابل ساعة رولكس من الرصاص أو شقّة في حيّ تورّيبيّخا» ( ص171 ). الآن وقد صارت الأرواح بخسة لا يشتري ابليس سوى الأجساد ويعرض على الراوي شراء جسده مقابل روحين ، واحدة تتكلّم الفرنسية والأنقليزية والأخرى تتكلّم الألمانية ،إنّهما روحا شاعرين مشهورين من القرن الماضي .

في «الأشياء تنادينا » نعثر على متعة الأدب العظيم ، متعة اكتشاف ذواتنا «الحديثة» ومتعة اكتشاف العالم المحيط بنا ، الذي يبدو أنّنا نزوره أحيانا، وهو يقيم بعيدا عنّا، نحن الأشباح الصمّاء عن « أشياء تنادينا ».

 


كمال الهلالي