الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



عالم الصور المتحركة في تونس

تغذية لخيال الأطفال أم سيطرة على الأجيال الجديدة؟



تعرض بعض الفضائيات التلفزية اليوم في عدد من دول العالم سلسلة الصور المتحركة الأمريكية الشهيرة« American Dad»، التي خصصت إحدى حلقاتها لتكون بلادنا تونس مسرحا لأحداث شخصياتها، ولا ندري من كان وراء ذلك الاختيار، لكن من المؤكد أن الرسام أو الكاتب قد سبق له زيارتها والتعرف على بعض مواقعها ومعالمها الجميلة التي وقع توظيفها في تلك السلسلة العالمية الشهيرة، على غرار عدة أماكن من مدينة سيدي بوسعيد ومطار تونس قرطاج الدولي وغيرها.

يُشار إلى أن عالم الصور المتحركة يضطلع اليوم بدور ثقافي خطير في تشكيل عقول الناشئة في مختلف أرجاء العالم، وصناعة ميولاتهم وطبيعة ثقافتهم الاجتماعية المستقبلية لأن الرسوم المتحركة هي من أحبّ البرامج إلى الناشئة خاصة، وحتى إلى شرائح الكبار إذا كانت مثل تلك الأعمال الفنية ذات مواضيع تاريخية، ويغلب عليها تقديم المعارف.

وقد نجحت الأمم المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية واليابان في نشر ثقافتها عن طريق تلك الرسوم التي تلقفتها كثيرٌ من شركات الدبلجة المنتصبة في الشرق وقامت بتعريبها وتوزيعها لتصبح مادة تلفزية أساسية في كل المحطات التلفزية العربية في ظل فقر مدقع لصناعة سلسلات كارطونية من قبل العرب أنفسهم، فلا نشاهد إلا إنتاجات أو أعمال تعدّ على الأصابع من إنتاج عربي ناطق بلهجة مصرية عامية وليس بلغتنا العربية الأم، يطمح المشاهد العربي إلى تعميمها وغرسها.

الصور المتحركة في تونس

لئن كانت تونس اليوم وكسائر الدول العربية مستهلكة للرسوم المتحركة عبر قنواتها التلفزية فإنها عرفت محاولات تذكر فتشكر في وقت مبكر يرجع إلى سبعينات القرن الماضي من خلال اعتماد الدبلجة لأشهر الأعمال الكارطونية، وذلك من خلال تجربة المخرج التونسي الكبير عبد القادر الجربي الذي دبلج باللهجة العامية التونسية وبالفصحى أيضا عديد الأعمال الهامة كقرينط الشلواش وسلاسل علمية فرنسية لكن هذه التجربة لم تعمّر طويلا، لتنهض أقطار عربية أخرى بهذه المهمة وفي مقدمتها الأردن وسوريا التي فرّخت فيها شركات خاصة عرفت كيف تكتسح كل التلفزات العربية بأعمال تجارية بحتة خلقت من خلالها صناعة جديدة توفر العملة الصعبة لبلدانها ومواطن الشغل لمبدعيها وتقنييها إلا أن تلك الأعمال الكارطونية، التي دأبت على دبلجتها إلى اليوم بعد اقتنائها من شركات إنتاج آسيوية، خطرها كبير على الناشئة العربية فهي قد وضعت لأطفال غير أطفالنا وتحمل عادات وتقاليد تختلف عن عاداتنا وتقاليدنا وبالتالي فهي تشكل خطرا على هويتنا العربية الإسلامية وتعمل على تطبيع ناشئتنا مع نمط غريب من الثقافات ولعل أخطر ما في المدرسة الكارطونية اليابانية هو العنف. أما المدرسة الكارطونية الأمريكية فهدفها تمجيد الإنسان السوبرمان الأمريكي والسخرية من العرب خاصة في السلاسل المقتبسة من ألف ليلة وليلة.

أهمية الإنتاج العربي المشترك

وكان يمكن أن تستفيد تونس وكافة الدول العربية من الخيار الوحيد المتاح لصناعة مستقبل الأجيال العربية الجديدة وهو الانتاج العربي المشترك تحت دعم جامعة الدول العربية وخاصة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التي مقرها المركزي بتونس، بما من شأنه تجنيب أطفالنا عملية التطبيع مع أنماط أمريكية وآسيوية وأوروبية.

وكان يمكن للجزيرة شيلدرن ذات الإمكانات المالية العالية أن تدعم الإنتاج العربي ولكنها آثرت بث كل ما هو مستورد. غير أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن لنا عديد التجارب المدعمة من وزارة الثقافة تستحق المشاهدة مثل سلسلة «كارطغو» التي حظيت أيضا بدعم جهات أوروبية ولكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأننا مازلنا بحاجة شديدة إلى صناعة أفلام كارطونية عربية من تراثنا لترسيخ قيم عربية نابعة من أصالتنا وواقعنا وبالرجوع خاصة إلى مدونة كتب الأطفال التونسية الزاخرة بإبداعات من الخيال العلمي وقصص من الواقع التونسي وكذلك من التراث للتعريف بتاريخنا بدرجة أولى العربي والإسلامي والقرطاجني والروماني وكذلك للتعريف برجالاتنا وأبطالنا من علماء وفقهاء وقادة عسكريين وغيرهم من الرموز التونسية، لكن ما يحول دون تحقيق هذا المطمح هو التكلفة العالية لانجاز مثل تلك الأعمال الكارطونية، مما يشكّل حجر العثرة وهو ما لا سبيل إلى تجاوزه إلا بالإنتاج العربي المشترك. وتزخر تونس برسامين كبار على غرار منصف الكاتب ومصطفى التايب والناصر يقظان... وهم قادرون بما أوتوا من موهبة وتجربة طويلة في مجلات وكتب الأطفال على تجسيد شخصيات كارطونية بالغة الروعة.

ونشير في سياق متصل إلى أن لشركات إنتاج الكارطون نحو أربعة مليارات من المليمات ديونا محمولة على التلفزة الوطنية دون سداد إلى اليوم كما جاء في اللقاء المباشر بمدينة الثقافة الذي بثته القناة الوطنية الثانية لاختيار رئيس مدير عام للمؤسسة بتنظيم الهايكا. وهذا الأمر يحتّم رسم سياسة إنقاذ تعتمد على تفعيل الإنتاج التونسي، خاصة أن هنالك أعمالا كارطونية كثيرة في انتظار الدعم على غرار سلسلة «سر قرطاج» للمخرج التونسي الكبير عبد القادر الجربي وهو عمل مستوحى من تاريخ قرطاج عن نص للأديب القدير عبد الجبار الشريف، وكذلك سلسلة «الرحلة العجيبة إلى الماضي» لنفس الكاتب وهو عمل سبق لمدينة العلوم أن نشرت نصه في كتاب مصور.

ضرورة العناية ببرامج الأطفال

وبما أن الإعلام العمومي هو من يتحمل في الصدارة مسؤولية رفع لواء ثقافة الطفولة فإنه مدعو اليوم وأكثر من أي وقت مضى إلى فتح باب إنتاج الأفلام والسلاسل الكارطونية الهادفة وحتى العناية بأنشطة الطفولة والإكثار -في ظل التكلفة الباهظة لإنجاز أو اقتناء السلسلات الكارطونية وأيضا في ظل الأزمة المالية لتونس والغلاء الفاحش للإنتاج المحلي- من إنتاج برامج للأطفال تراعي مراحلهم العمرية ومستوياتهم الذهنية، وذلك بالتعاون مع وزارة التربية ووزارة المرأة والأسرة والطفولة والمسنين والهياكل الرسمية والمنظماتية التونسية والعربية ذات الصلة، مثلما كان الحال قبل الثورة لا سيما في التلفزة الوطنية الأولى التي ينعدم فيها اليوم أي برنامج موجه لفائدة الطفولة، دون أن نغفل عن الأجيال الجديدة للتونسيين المقيمين بالخارج الذين يحتاجون إلى مساعدة في تعلم لغتهم الأم وتأصيلهم في هويتهم عن طريق برامج تلفزية هادفة ومدروسة.

 

 


منصور