الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



دفن في أرض اللاذقية :

حنا مينه .. خاض آخر المعارك وخطّ ثمالة الحرف.. ورحل



دفن أول أمس حنا مينه (1924 - 2018) في اللاذقية. اختتم «زوربا السوري» رقصته الأخيرة . الحلّاق الذي خاض معارك الحياة بكل خشونتها وقسوتها، وجد نفسه روائياً، وكان عليه أن يروي حكايات الشقاء، ذلك الذي خبره عن كثب، منذ أن هاجرت عائلته من لواء إسكندرون إلى اللاذقية، بعد هبوب ريح الحرب العالمية الثانية وخرائطها الجديدة، تحت وطأة التشرّد والعوز والتيه.

عند عتبة دكان الحلاقة المواجه لثكنة عسكرية في مدينة اللاذقية، نشأت تفاصيل العيش، في رحلة طويلة وقاسية، دوّن وقائعها في معظم رواياته، دون خشية أو مراوغة. خطّ ثمالة الحرف.. ورحل.

وفي هذا الحيّز ما يهمّنا هو التأكيد على ما يمكن استلهامه من المسيرة الأدبية لحنّا مينه من خصائص ومواقف جعلت منه مثالا للمثقف الواعي بعصره والناقد للحضارات والمنخرط في هموم عالمه الراهن وفي قضايا الإنسان المعاصر.

ورغم مراوحته بين محلية عوالمه الروائية وكونيتها فإنه قد رسم لنا صورة واقعية عن النصف الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين من زاوية نظر المثقف الرحالة الذي خبر الحياة وخبرته، ونجح في تحويل مرارة واقعه العائلي والشخصي إلى متعة فنية يتذوقها عموم القراء على مر العصور.

فمن خلال مدونة تضمّ أربعة وأربعين كتابا -جلها روايات وبقيتها مواقف في النقد الأدبي ومقالات- نقش حنّا مينه اسمه في سجل الخلود الثقافي، حيث لم يُهادن قوى الاستعباد في العالم وداخل المجتمعات، وجعل من الكتابة فن إدارة الحرب على الخوف والمذلة والجوع والمرض ونهب ثروات الشعوب...

وفي هذا المعنى من الحروب التي لا مفر أمام كل أديب ملتزم من خوضها بكامل الشجاعة وبمنتهى الروح الإبداعية ألف حنّا مينه سنة 1976 كتابه «أدب الحروب» بالاشتراك مع الدكتور نجاح عطار.

الريادة في أدب البحر

لقد اشتهر الروائي الأمريكي إرنست هيمنغواي باختصاصه فيما يعرف بأدب البحر، على الرغم من أنه لم يعكس إلا شغفه بالبحر والصيد فيه وبتوظيفه على نحو رمزي فجّ ولكنه مع ذلك صار عالما في هذا النوع lk الكتابة الأدبية، أما حنّا مينه فإنه قد خبر عالم البحار من خلال عمله الشاق حمّالا في الموانئ... ولم يكن لمثله وما يتحلى به من وعي نقدي حاد وروح إبداعية شفافة ونبضات فكر خفاق إلا أن يلتقط مختلف دقائق ذلك العالم ويمزجها بعجين خياله قبل أن يشكل منها روايات خصبة بالأفكار وحيّة بشخصياتها الحاملة لمواقف متقاطعة أو متباينة، سواء برواياته «الشراع والعاصفة» أو «الياطر» أو «حكاية بحار» أو «نهاية رجل شجاع» أو«البحر والسفينة» أو «المرفأ البعيد».

وحنّا مينه نفسه يقر في بعض شهاداته أن أعماله كلها مستلهمة من البحر بل مبللة على حد عبارته «بمياه موجه الصاخب».

وربما ما لا يخفى أن أدب البحر هو شكل فني قديم لكن وقع التعبير عنه في الماضي من خلال رواية الأساطير وعبر المجسمات الفنية الدينية، مثل تماثيل آلهة البحار ولوحات الفسيفساء، وإن اتخذ هذا الفن في زمننا الحديث محملا جديدا هو الرواية فإنه وفي المجمل ينبع من روح ثقافية نزاعة إلى المغامرة الفكرية وإلى استجلاء كنه عالم مواز لعالم البرّ. ويُلاحظ أن من يسيطر على البحار يسيطر على العالم، باعتبار أن قيام الإمبراطوريات القديمة قد مر عبر سيطرتها على المعابر وطرق التجارة البحرية وهي السيطرة المرتبطة ضمنيا بقوة الأساطيل البحرية. أما اليوم فإن السيطرة العسكرية على البحار أصبحت أمرا غير ممكن في ظل قوانين البحار الإقليمية والدولية بعد أن تمت الاستعاضة عنها بشبكات التجارة العالمية والاتفاقيات العسكرية الثنائية والمشتركة وما يتمخض عنها من إقامة قواعد بحرية عسكرية في مواقع استراتيجية.

وفي الحقيقة لم نُعاين تركيزا على هذه الجوانب إلا في الأعمال الروائية ذات الطابع التاريخي.

«الأديب ليس من حبر وورق»

المهم لدينا أن حنّا مينه الذي ساهمت ريادته في دنيا الرواية وطول عمره وحياته الشخصية البائسة لكن المليئة بالنضال في منحه بريقا لم يخفت رغم محاولته العيش في الظل وتوصيته بأن يدفن بعد موته في موكب بسيط بعيدا عن البروتوكلات الرسمية.

لقد عاش ابن اللاذقية في حي «المستنقع» بلواء الإسكندرون بسوريا قبل أن تستحوذ عليه تركيا سنة 1937، وعمل بعد انقطاعه المبكر عن الدراسة وهو عليل البدن في الكنيسة ثم في مهن وضيعة، إذ عمل حلاقا وحمالا في الموانئ وبائع جرائد. وكاد يقتل لبيعه جريدة «صوت الشعب» المناهضة للإقطاعيين.

وتورط في مشاكل بسبب انخراطه في النضال الوطني ضد الاستعمار مما حدا به إلى الهروب إلى المجر وسويسرا قبل أن يستقر طويلا في الصين.

ولعل قوته الأدبية تكمن في إيمانه أن الأديب ينبغي أن يكون «من لحم ودم وليس من حبر وورق»، وأن التجربة بسلبياتها وإيجابياتها وبنجاحاتها وإخفاقاتها هي التي تكسو الفن والأدب رداء الواقعية. وفي هذا السياق نبعت إبداعية حنّا مينه من فقره وجوعه وبطالته وأيضا من فجائع الموت، وحتى من تدينه المبكر لو أخذنا بعين الاعتبار خدمته وهو صغير السن في الكنيسة.

وقد انتشر اسم حنّا مينه عالميا عن طريق الترجمات الفردية والرسمية للهياكل الجامعية ولمنظمة اليونسكو. وفي الحقيقة فإن روايته تكتب تاريخ العالم الذي طوّف فيه بالمعايشة وليس بالقراءة، مما أضفى صبغة الصدق الفني على أعماله. فمثلا لم تكن كتابته عن الثورة الثقافية في الصين وليدة قراءته وإنما لعيشه خمس سنوات فيها، وهي المعايشة التي صاغها فنيا في ثلاثيته: «حدث في بياختو» و«عروس الموجة السوداء» و«المغامرة الأخيرة». وأيضا في روايته «الربيع والخريف» التي عبّر فيها عن الثورة المضادة في المجر التي عاش فيها ردها من الزمن.

كما كشف زيف الديمقراطية ونقد الحضارة الغربية وانحدارها إلى الشذوذ وأرخ لانهيار النظام الاشتراكي بالاتحاد السوفياتي من خلال رواياته «حمامة زرقاء في السحب» و«المرأة ذات الثوب الأسود» و«الرجل الذي يكره نفسه».

وربما لا نجانب الصواب إذا ما نظرنا إلى تجربة حنّا مينه من منظور ثلاثي الأبعاد هو البحر والسلطة والمرأة. وفي هذا الثالوث انحياز بيّن للعيان للمهمّش والمقصي والمكبوت في الأدب والحياة في عصر حنّا مينه الذي يعود إلى خمسينات القرن الماضي.

ويكفي أن نستحضر عناوين رواياته التالية حتى نفهم حجم انتصاره للمرأة وعنايته بالخوض في عوالمها وما تحيل عليه من تمثلات وما تنخرط فيه من قضايا: «الفم الكرزي» و«صراع امرأتين» و«الأرقش والغجرية» و«المرأة ذات الثوب الأسود».

في البال أمنية

رغم أن التراب قد وارى جسد حنّا مينه فإن أفكاره وخياله ومواقفه مازالت حيّة تنبض اليوم من خلال شخصياته الروائية التي وقع إنطاقها بست عشرة لغة إضافة إلى اللغة العربية.

ولذا لا نملك في الأخير إلا الإشارة إلى أن وفاة حنّا مينه تُعد مناسبة للتذكير بأنّ تونس لو أرادت أن تكون وبحق عاصمة للثقافة العربية وحتى العالمية كان يجب أن تُسخّر ما لديها من إمكانات لاستضافة ما تبقى من عمالقة الفن والفكر والأدب في الوطن العربي وعلى الصعيد العالمي، لتسلط الضوء على تجاربهم ولتقيم جسور التواصل المباشر بينهم وبين المبدعين التونسيين.

ونستحضر في هذا المعنى السؤال التالي: هل كان مثلا محمود المسعدي ليحظى بالشهرة وطنيا وعربيا لولا استضافة دولة الاستقلال في سنتها الأولى لعميد الأدب العربي طه حسين وتعرفه على كتاب «السد» للمسعدي وكتابته عنه بعد رجوعه إلى مصر؟

وفضلا عما تفتحه استضافات تونس لمشاهير الفن والفكر والثقافة من آفاق أمام المبدعين التونسيين على سماء الرواج الإقليمي والدولي فإن من شأنها أن تعزز صورة تونس كوجهة جذابة للسياحة الثقافية، بل وأن تُعاضد جهود الدبلوماسية التونسية بما يعرف بالدبلوماسية الموازية وهي هنا الدبلوماسية الثقافية، ولكن هل من آذان صاغية؟ بل وهل من إرادة سياسية حقيقية لتحويل تونس إلى مركز للثقافة العربية والعالمية عوضا عن الاقتصار على كتابة بيانات النعي التي تعكس إدارة ثقافية أقل ما توصف به أنها إدارة كسولة.

 


منصور