الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



جذور وأعلام الفكر الإصلاحي بتونس

الشيخ العلامة سالم بوحاجب رائد الاصلاح وملهم الاصلاحيين (1)



بقلم : جعفر محمود الأكحل

 

الحلقة 4:

• مولده ونشأته:

ولد الشيخ سالم بوحاجب بمدينة بنبلة من ولاية المنستير سنة (1244 هـ – 1827 م) وبها نشأ نشأة بسيطة تحت خمائل الزيتون بين أهله، حيث تعلم القرآن ومبادئ اللغة. وسرعان مابدت عليه علامات الفطنة والذكاء وبعد النظر والتطلع إلى ما هو أفضل. وكان والده من حفظة القرآن وهو من أسرة عريقة تنتمي إلى عرش سيدي مهذب من عروش صفاقس وتحديدا منطقة الصخيرة.

وسيدي مهذب نسبه شريف وشجرة نسبه ترفعه إلى إدريس الاكبر أي من سلالة أهل البيت.

وكان عمه قد سبقه بسنين طويلة إلى تونس الحاضرة وله مكانة علميّة حيث درس بالزيتونة وكان على صلة بالأسرة الحسينيّة وكان يعطي دروسا خاصة لأبناء الوزير مصطفى لآغة في قصره بباردو. ولما ظهرت علامات الذكاء والاستعداد على الشيخ بوحاجب ألحقه والده عمر بوحاجب بأخيه للإقامة عنده قصد طلب العلم بالجامع الأعظم حيث أبدى استعدادا كاملا لطلب العلم وأذهل الجميع بشدة ذكائه وسرعة بديهته وسرعان مابرز على أقرانه وكلّ من حوله بفضل حدة الذكاء وقوة الحافظة.

• شيوخه الذين درس عليهم:

درس الشيخ سالم بالجامع الأعظم على شيوخ عصره من الأعلام الكبار من أمثال الشيخ «ابراهيم الرياحي» والشيخ العالم «محمد بن ملوكة» بزاوية خارج باب «القرجاني». فأخذ علوم العربية عن الشيخ «محمد بن عاشور» شهر حميدة ولازمه في الجامع وفي زاوية جده خارج «باب منارة».

كما درس على يدي الشيخ العلامة «محمد معاوية» وأخذ العلوم الشرعية عن الشيخ المفتي «محمد الخضار» والشيخ العلامة «محمد بلخوجة» والعلامة «محمد النيفر» قاضي الجماعة. اتجهت إليه الأنظار وصار حديث المنتديات العلمية والأسر الكبيرة لما تميز به من فطنة حادة وذكاء عجيب لا قبل للناس به، وكان ظاهرة عصره من حيث الذكاء والنباهة والحرص على أخذ العلوم بجرأة كبيرة وشجاعة فريدة في مراجعة الشيوخ ومناقشتهم وسرعان ما اعترف له الجميع بعلو المكانة وسمو العلم والبراعة في دقة الأبحاث وصواب الرأي وبلاغة الحكمة وسداد الفكر. وذلك ما أكده تلميذه المحب الشيخ «محمد مخلوف» في كتابه «شجرة النور الزكيّة بأخبار المالكيّة» الذي درس عليه الموطأ والبخاري. وأضاف الشيخ مخلوف متحدثا عن شيخه سالم بوحاجب : وهو الأستاذ الأكبر والعلم الأشهر الذي أضحى إمام الأئمة الأعلام و الخبر الذي لاتطوى مراحله. إمام المنقولات والمعقولات والمبرهن على حدودها وبراهينها والمرجوع إليه من المهمات حامل لواء البلاغة والنحو والأدب، المطلع على أسرار كلام العرب سارت بأخباره الرفاق ونالت من فضله الآفاق. إذا تكلم في المجالس أظهر من درر بحره النفائس وإذا حرر أصاب شاكلة الصواب وأتى بأفضل الخطاب.

آية الله الباهرة في التحرر والحجة البالغة في التقرير وكان مع ذلك ذكي الاخلاق كريم المعاشرة أنيس المحاضرة.

• جميل المذاكرة:

هذا رأي «الشيخ مخلوف» أحد أشهر تلاميذه ومنهم كذلك القاضي «محمد بوشارب الهلالي»، وكل من تتلمذ عليه وأمثاله من شيوخ عصره الذين عرفهم فعرفوا فيه غزارة العلوم واتساع المعارف وحسن الأخلاق وكرم المعاشرة والذكاء. وهي الخصال التي مكنته من اختراق عالم يصعب الوصول إليه عصرئذ حيث كان العلم محتكرا من قبل بيوت معروفة وفئات مخصوصة من أسر الحاضرة العريقة ذات الأصول التركيّة والأندلسيّة.

ولعلّ الشيخ سالم بوحاجب ذلك البنبلي الساحلي الأفاقي هو ثاني من اخترق هذا العالم العجيب والخاص وما كان له أن يحقق ذلك لولا هذه الخصال التي أذهلت الجميع: علم وذكاء وجرأة وشجاعة.

بعد الإمام ابن عرفه الورغمي (من أقصى الجنوب التونسي).

• التدريس بالجامع الأعظم:

انتصب الشيخ سالم بوحاجب للتدريس بالجامع الأعظم لأكثر من 60 سنة وهي مدة قل أن قضاها أستاذ قبله أو بعده حتى انخرط بجامع الزيتونة، من تلاميذه من الخريجين الذين تولوا التدريس وكان هذا أمرا مثيرا ومبهرا أن يتولى رجل مثله التدريس طوال هذه العقود ويكون الزملاء المدرسون ممن تتلمذوا عليه فأي فخر أكبر وأي مجد أتلد.

• معارفه واتصالاته:

اجتمع الشيخ سالم بوحاجب بأعلام عصره من أهل المشرق والمغرب الذين اعترفوا له بالفضل والعلم والذكاء مثل الشيخ عبد الحي الكتاني المغربي والشيخ محمد بن يحيى الشنقيطي وقال الشيخ محمد عبده بعد رجوعه متحدثا عن الشيخ بوحاجب وعن تونس في جريدة «العروة الوثقى»: أبوها وكيالها أبو حاجب (أي كبير أهل تونس). وفي زيارته الثانية إلى تونس سنة 1903 اصطحب الشيخ محمد عبده معه الأميرة «نازلي» وكانت محبة للأدباء والعلماء والمصلحين فانبهرت بشيخنا أيما انبهار وسعدت بلقائه أيما سعادة وأحبته وعاشت مع الأسرة وتزوجت ابنه «خليل بوحاجب» الذي كان الوزير الأكبر سنة 1930م.

• مكانته ودوره في الحياة السياسية:

لم يتقلد الشيخ سالم بوحاجب مسؤوليات سياسية، ربما لم تسمح له جرأته بذلك وربما كان يفضل الاضطلاع بدوره العلمي والديني والتوجيهي من خلال المنبر الذي كان فيه المجدد والفارس الأول على مدى عقود. ولكنه مع ذلك اضطلع بمهمات وأدوار كبيرة وخطيرة في ظروف دقيقة من تاريخ تونس. وقد قام بزيارة تركيا وفرنسا مع الجنرال حسين وزير القلم للتقاضي في خصوص قضية خازن الدولة «نسيم شمامة» الذي هرب بالميزانيّة إلى إيطاليا آنذاك. وهناك جلس الشيخ سالم بوحاجب على مقاعد الدراسة ليتعلم اللغة الإيطاليّة وقد أتقنها.

• الشيخ العلامة المصلح:

وكان الشيخ سالم بوحاجب من رواد الإصلاح ومن أئمة الاجتهاد البارزين لا في تونس فحسب بل في العالم الإسلامي كما شهد بذلك أعلام عصره وفي طليعتهم الشيخ محمد عبده. وبحكم علمه ودرجة اجتهاده وعلّو شأنه فإن الشيخ سالم بوحاجب يكون قد تعرض للغبن والتهميش ولعلّ جهات معيّنة قد عملت على التقليل من دوره والنيل من شأنه خوفا من جرأته ومن شجاعته التي كثيرا ماكانت تزعج السلطات والجهات المرتبطة بها. وهذا ليس غريبا فالشيخ سالم كان جريئا في شروحه وفي اتصالاته وكان كذلك على المنبر في خطبته الجمعيّة حيث كان طليعة المجددين في أسلوب ومضمون هذه الخطب. وكان الناس يتدافعون للصلاة في مسجده والاستمتاع والاستنارة بخطبه الذكيّة والعميقة. لقد كان الشيخ سالم بوحاجب أول من جدد مضامين الخطبة المنبريّة ولم يسبقه أحد في ذلك.

فكان أول من طور نص الخطبة ليعالج المشاكل الاجتماعيّة وقضايا الشعب وتحليل الظواهر المختلفة وتوجيه الناس ونقد المعاملات وإصلاح أحوال الناس وعلاقاتهم ببعضهم وتمتين الروابط وكان لايتردد في الإشارة إلى أهم الأوضاع السياسية تصريحا وتلميحا. ويمكن القول أن خطب اليوم إنما وضع إطارها العام ونموذجها في طرح قضايا الناس وتحليل مشاغلهم الشيخ العلامة والإمام المجتهد سالم بوحاجب رحمه الله.

وتذكر عديد المصادر أن الشيخ سالم بوحاجب كان من أبرز المحررين لكتاب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» للوزير خير الدين التونسي الذي كان الشيخ بوحاجب من أبرز المساندين والمساعدين له مع الشيخ محمد السنوسي والشيخ «محمد بيرم الخامس» والجنرال «حسين» وغيرهم.

• آثاره الفكريّة والعلميّة:

آثار الشيخ بوحاجب ليست كثيرة ولكنها هامة حيث إضافة إلى مساهمته ودعم مجهود حركة الإصلاح وتدعيم إنجازاتها وخاصة خلال تولى خير الدين الوزارة الكبرى (1873- 1877) فإن للشيخ شروحا كثيرة مثل شرحه على ألفية ابن عاصم الأصوليّة وتقارير علي البخاري وشرح لصحيح مسلم على أساس شرح كتاب «المعلم بصحيح مسلم» للإمام «المازري».

وله أختام رمضانية رائعة وفريدة وهي حوالي ستين ختما جامعا لغرز المسائل وفيها من الملاءمة بين متطلبات الشريعة ومقتضيات التمدن والحداثة وهو فارس هذا المنهج ورائده مما جعل الجماعة المؤسسة للجمعيّة الخلدونيّة ترشحه ليكون أول من يلقي محاضرة على منبرها حيث ألقى محاضرة رائعة أبرز فيها أروع معاني الفكر الإصلاحي والاجتماعي. وهو بذلك يعد رائد الاجتهاد وإمام المجددين المصلحين الآخذين بمقتضيات العصر وواقع الحياة المعاصرة والحديثة والارتقاء بالبلاد نحو الأفضل في زمن كثر فيه التزمت والجمود والرضى بالدون وله آراء كثيرة وكبيرة وله أشعار هي عيون الحكمة والتوعية لو جمعت لكانت ديوانا، فهل تجمع أشعاره يوما أو أعماله الكاملة في مجلدات؟

أفكاره هي ما يسوق له اليوم من شعارات وخطط يرفعها الغرب لقيام عالم جديد قوامه السلم والتسامح والتعاون والاجتهاد وإن كانت هذه الشعارات هي كلمة حق أريد بها باطل فقد صدح بها شيخنا العلامة سالم بوحاجب قبل قرن وكان مخلصا وصادقا في الدعوة إلى عالم متطور ومتقدم وحر يجد فيه الناس أسباب المناعة والكرامة و المجد.