الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



غالية بن علي تختتم مهرجان الحمامات الدولي:

ابنة الريح وخلطتها الموسيقية المدهشة



بعد سلسلة من العروض الثقافية والفنية المتنوعة بين المسرح والموسيقى والرقص والشعر عاش على إيقاعها جمهور مدينة الحمامات على امتداد شهر ونصف تقريبا يسدل الستار مساء غد السبت 18 أوت على فعاليات الدورة الرابعة والخمسين لمهرجان الحمامات، دورة متلونة ومتموجة كإيقاع البحر القريب من المسرح الذي يتخذ شكل المحارة محتضنا أصواتا وأجسادا جاءت من كل الأماكن لتعبّر عن وجودها بأساليب فنية مختلفة، كل يقول هذا لوني وهذه أدواتي ليكون اللون الموحد في النهاية هو الفن وأهدافه التي من أجلها يرتجف الفنان وهو يلتقي بجمهور يعرفه أو جاء ليكتشفه، والاكتشاف كان واحدا من أبرز ميزات مهرجان الحمامات الدولي في دورته الحالية حيث راهن على أسماء وأنماط موسيقية جديدة على الساحة الفنية العربية والعالمية وأرادته مديرته منيرة منيف ألاّ يكون مغلقا على عاداته وطقوسه بل مغامرة تحمل حلما متجددا، منفتحة على التنوع وقابلة للمشاركة، تجمع بين الفضول والمتعة في لقاء تجارب فنية تونسية واعدة وتجارب قادمة ووافدة، تتقاطع أحيانا وتتباعد أخرى على أن يكون الفن هويتها القائمة...

من المالوف إلى الجاز ومن الفلامنكو إلى السطمبالي ومن الريغي إلى الفادو ومن أمير كوستاريكا إلى موسيقى مارسيل خليفة إلى الطبوع التونسية... بين الكلاسيكي والعصري ومحاولة المزج بينهما أحيانا حلّقت هذه الأنماط في سماء مسرح الحمامات وإن استراحت فلكي يقول المسرح كلمته التي تكون أحيانا مستندة على نصّ منطوق وأحيانا تعبيريّا/كوريغرافيّا... بين هذا وذاك جرت فعاليات الدورة الرابعة والخمسين لمهرجان الحمامات الدولي الذي يختتمه مساء الغد السبت صوت من أكثر الأصوات تميّزا على الساحة الفنية العربية والتميّز هنا نعني به الاختلاف في النهج الفني والأسلوب الغنائي وحتى الحضور... غالية بن علي تكسر تلك القوالب الجامدة في الغناء فمن هوايتها للرقص والتمثيل تحوّل الكلمات إلى حركات وتعابير فنية جميلة وراقية وتعطي للأغنية أو النصّ المغنى بعدا آخر، صوت قوي متعدد المساحات وانتقاء دقيق للكلمات وحضور مختلف على الركح... كل هذا وغيره أهّلها لتحظى بلقب سفيرة الأغنية العربية وتوجها بجائزة الموسيقى العالمية سنة 2008 التي تمنحها المؤسسة البريطانية المستقلة «نحن نسمع لأفضل أغنية موسيقية في العالم» كما رشحها للغناء في أشهر المسارح العالمية على غرار «أماديوس» ببروكسيل والقيام بجولة فنية بالأندلس والبرتغال...

هي سليلة عائلة فنية نشأت في بيئة غنية بالأنماط الموسيقية والشعرية من الفرنسية والعربية إلى الأعمال الموسيقية الهندية والمصرية إلى الأنغام السورية والعراقية... كما نشأت على التراتيل القرآنية. تغني بإحساس مفعم وتعبير جميل وبصوت يخترق الأعماق، «ابنة الريح» هو عنوان احدى أغانيها لكنه أيضا الوصف الذي أطلقته على نفسها خلال مقابلة في احدى القنوات العربية وربما من أجل ذلك لا تستقر غالية بن علي على نمط شعري غنائي واحد وإنما تترك ريحها/أهواءها تحملها إلى عوالم فنية أخرى فغنت لأم كلثوم وللهادي الجويني ومحمد عبد الوهاب وأديب الدايخ ومزجت بين الفن التونسي والكثير من الثقافات العالمية قبل أن تؤسس مشروعها «كيفاش إنت» الذي يرتكز على الموسيقى العربية الراقصة منذ عشرينات القرن الماضي إلى الآن، ثم سجلت ألبوم «البلنا» بطلب من راديو بلجيكا الوطني «كلارا» وشاركها العازف الفنلندي الشهير بيرت كورنيلز وفيه قدمت توليفة موسيقية عربية هندية.

عالم من التيه المطلق تخطف إليه مستمعيها وعشاق فنها، تحملهم إلى عوالم الإبداع متأثرة بانتمائها إلى الجنوب التونسي وثقافتها التي نشأت عليها ببروكسيل (حيث أقامت ودرست فن الغرافيك) وشغفها بسماع كل موسيقات العالم... فنها هو نتيجة حياة متحركة على الدوام وحب اطلاع لا حدود له، اشتغلت على نصوص صوفية وقصائد عربية قديمة وحديثة قدمتها ضمن قالب من الموسيقى الإلكترونية في محاولة لوصل الماضي بالحاضر... وهي إلى جانب هذا كاتبة متميّزة غنّت من كلماتها مجموعة من النصوص نذكر منها «كتابي يا سيدي» و«روميو وليلى» و«هيمتني وقضيت»... هي روح متمردة عصية على الترويض تحطم القوالب والأنماط لتبني عالما خاصا بها فهي حين تغني للفنانين الكبار لا تقلدهم بل تخلق لها إيقاعا مختلفا ينسجم فيه صوتها مع تعبيرات جسدية جميلة ومدروسة وإن بدت عفوية، وتمنح لحضورها الركحي وإطلالتها أهمية كبرى لذلك نراها تلوّن أزياءها بألوان الغجر والهنود واليابانيات وكذلك بالألوان التونسية التقليدية الزاهية فيزيدها ذلك الحضور جمالا وخصوصية.

غالية بن علي وعلاوة على هواية الرقص والنحت والكتابة لها مشاركات في التمثيل حيث كان لها دور في فيلم «موسم الرجال» لمفيدة التلاتلي ولعبت فيه دور راقصة في فيلم «سوينغ» لتوني غاتليف، غالية تحظى بمكانة خاصة في قلوب المصريين حيث شاهدنا إطلالتها في رمضان الماضي في مسلسل «فرح ليلى» بطولة ليلى علوي...

خبرت غالية بن علي مسارح عربية وأوروبية كثيرة وطورت موهبتها بالكتابة والتعاون مع موسيقيين أجانب وغدا على ركح الحمامات تختتم واحدا من أكبر المهرجانات العربية وأعرقها ليكون مسك ختامه تونسيا بنكهة عالمية....

 


ناجية السميري