الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


جديد السينما التونسية
شريط «الهديّة» للطيفة دغري:

لماذا لا نقبل بهدايا الحبّ المرحــة؟



كيف يمكن التعامل مع موضوع لا يزال من المحرّمات في مجتمعاتنا العربية المسلمة مثل موضوع «العذرية»، دون السقوط في الإجترار وفي شباك النبرة «النضالية» التي قد تمسّ من قيمة المعالجة الفنّية للفيلم؟

في شريطها القصير الجديد «الهديّة»، من إنتاج سالم الطرابلسي (شركة «مشموم» للإنتاج)، تقترح علينا المخرجة لطيفة دغري منظورا شعريّا جديدا، يقوم على الخفّة وقول ما يجب قوله برهافة و بنبرة هازلة تكشف المفارقات التي لاتزال تحكم رؤية الرجل والمجتمع لجسد المرأة ولرغباتها الحميمة.

يروي الفيلم قصّة «مريم» (قامت بالدور أميرة درويش)، وهي شابة محافظة ومحجّبة تشتغل في روضة أطفال، تقرّر أن تخضع لعمليّة ترقيع بكارتها كي تهب عذريتها من جديد لزوجها «صبري» (قام بالدور أحمد الحفيان)، سائق التاكسي، الذي نراه طيلة الفيلم غاضبا وشحيحا في عاطفته تجاهها. المناسبة هي عيد زواجهما الأوّل والدافع من هذه الخديعة المرحة هو إظهار الحبّ ومزيد الرغبة فيه. قامت «مريم» بما قامت به بدافع من براءتها ولأنّها لاتزال تقيم في عالمها الطفولي الذي يسمح لها باللعب والمرح، لتقابل وتقاوم عبوس زوجها الدائم الذي يعتبر إظهار الحبّ ضعفا وعيبا يجب كتمانهما.

نرى «صبري» وهو يغادر البيت، رغم تقرّب زوجته «مريم» منه وتحنّنها إليه، بدعوى أنّ عليه أن يذهب إلى المطار لاصطياد حريف جيّد، يدفع له بسخاء. نرى «آسيا» (قامت بالدور عفاف بن محمود)، صديقة «مريم» الأمينة منذ الطفولة، وهي تقدّم وجها آخر من حقيقة النساء في البلد الذي يفاخر غيره من المجتمعات العربية المسلمة بالحقوق المعطاة لهنّ، وجه أمّ عزباء عليها أن تقيم أود طفلها، دون استسلام للخيبة والخذلان. وإذا ما كانت «مريم» لا تزال تقيم في الطفولة البريئة بحثا عن المرح في عالم عبوس، فإنّ «آسيا» هي ما يقول لنا أنّنا نحيا في عالم صارم عليك أن تصارع فيه لاقتناص «فرصة عيش».

كيف سيتقبّل «صبري» هديّة زوجته «مريم»؟

تفلت المخرجة، في معالجتها الدرامية للأحداث، بذكاء من الشراك التي قد تعترضها في اقتباسها من هذه القصّة الحقيقيّة، إلى مقاربة شعريّة ترغب في المرور من «حالة» الخوف الذي لا يزال يحكم نظرتنا للمتعة والرغبات الحميمة، إلى «موقف» يليق بإقامتنا في العالم، «موقف» اللعب والمرح.

وهذا الموقف ممكن، فقد اختبرته «مريم» وتوصلّت إليه دون حيل كبرى. بعفوية وبراءة قامت بما قامت به. واكتشفت أنّ ما تعتبره شاهدا وعلامة عن الحبّ هو في نظر المجتمع الذكوري الغارق في تناقضاته خديعة. وتحرّرت بسبب الوعي الجديد الذي خالج روحها وهي تواجه الاختبار المفاجئ الذي لم يكن في الحسبان.

شريط «الهديّة» اعتمد على اللقطات الثابتة، في الغالب، لإبراز حركة دواخل الشخصيات. حركة أولى تراوح بين الواقع والخيال: مثلما حدثت القصّة في الواقع من الممكن أن يتحوّل موقف البطلة في الفيلم إلى موقف يحدث في الحياة الحقيقيّة (الحرية ممكنة دائما). وحركة ثانية تراوح بين الهزل والجدّ: سلوك «مريم» و«صبري» في علاقتهما ببعضهما البعض سلوك فيه الكثير من الهزل والسخرية ظاهريا،وحين نرغب أن نذهب بعيدا في الحفر في صورة واقعنا ستدهشنا صلابته «غير المحتملة» (لماذا نحن هكذا؟).

برهافة يقول لنا شريط «الهديّة»، من بين رسائل أخرى ممكنة، أنّ الحياة في مجتمعاتنا التي تحكمها سخرية الأقدار والرؤى ممكنة فقط، حين لا نرفض «هداياها» ونعتبرها «خدعا» تجعل منّا أشخاصا مضحكين.

 


كمال الهلالي