الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


نـقـاط و حروف


عن شخصية «البوليس» في السرد الفنّي


بقلم كمال الشيحاوي

 

من البديهي أن يتمّ الاهتمام بالمعالجة الدرامية لشخصية المحقّق، أو عون البوليس، باعتبار دوره المركزي في السرد الدرامي البوليسي، إلا أنه، وخلافاً لبقية الشخصيات، يبقى محروماً كما نزعم من المعالجة الدرامية التي تتمتع بها بقية الشخصيات، وذلك في الإنتاج الدرامي التونسي، رغم المساحة التي يشغلها بحضوره، حين يقوم بدور البطولة.

ومن مستويات المعالجة الدرامية المفقودة أننا لا نكاد نعرف عنه شيئا سوى طبيعة عمله، فهو محروم من أن تكون له علاقات من خارج وظيفته المهنية (أعرافه أو أعوانه)، لا نعرف شيئاً عن عائلته ومحيطه الاجتماعي أو حالته العاطفية والنفسية، بمعنى آخر هو محروم من كلّ ما يمكن أن يمنحه صفة الشخصية الإنسانية بتناقضاتها وتردّداتها، ومن ثمّة فهو محكوم عليه بأن يبقى معلّقا بين صورة الشخصية المتسلّطة الظالمة حين يتقمّص دور شرطي الحكومة الاستعمارية مثلاً، أو صورة الشخصية الحازمة والحريصة على تحقيق الأمن والعدل في معظم الإنتاجات التونسية، ولا نحتاج إلى تنبيه القارئ النبيه إلى دلالات هذه الاختيارات لشدّة وضوحها.

وتعود قلة انتشار الدراما البوليسية (المكتوبة أو المفلمنة أو الممسرحة) حسب رأي بعض الباحثين العرب إلى عدّة عوامل، منها أن المجتمع العربي ما يزال تقليدياً في بنائه الاجتماعي والأخلاقي، يميل سكانه إلى قيم التسامح والتضامن معتبرين أنفسهم أخوة ورعايا، لا مواطنين بالمعنى الحديث للكلمة. وهذه القيم والمبادئ تتعارض، كما يقال، وتختلف مع قيم المدينة الحديثة في أنموذجها الغربي التي تقدّس فردية الإنسان، وتؤمن باحترام خصوصية الآخر، هذا فضلاً عمّا يميز المجتمعات الحديثة من تمايز واضح في وظائف أجهزة الدولة (التشريعية والتنفيذية والسياسية) بحيث يمكن للمحقّق أن يوجّه الاتهام لأي مواطن مهما كانت صفته حتّى وإن كان رئيس الدولة المنتخب ديمقراطياً، وهو ما يعتبر في محيطنا العربي والإسلامي عموما أمراً لا يمكن التفكير فيه أصلاً.

ويقال أيضا أن عدم الثقة في علاقة المواطن العربي بجهاز الأمن تجعله غير قادر نفسياً على تقبل إمكانية وجود آلية تحقيق نزيه، وتتمتع بمصداقية كافية لتكون في خدمة العدالة، هذا مع أن الرّواية البوليسية لا تفترض بالضرورة أن يكون المحقق نزيهاً، بدليل السينما الأمريكية مثلاً التي أمتعتنا بعديد الأفلام المقتبسة عن روايات بوليسية عالمية، وكشفت أشكالاً معقدة ومتشابكة من الفساد الذي يتورط فيه المحققون وأعوان الشرطة بنفس القدر الذي يتورط فيه وزراء ومحامون وقضاة ومديرو مصالح أمنية واستخباراتية مختلفة.

وأن محدودية الإقبال على الرواية البوليسية المقروءة ليست معزولة عن ظاهرة العزوف عن المطالعة لدى قراء العربية عموماً، وهو عزوف يقابله إقبال هائل على الدراما التلفزيونية وعلى السينما التجارية في مختلف الأقطار العربية، ولا تخلو هذه الأنماط الرائجة من توظيف لمكونات الرواية البوليسية (الجريمة، التحقيق، مطاردة المتهمين وكل ما يتصل بذلك من أشكال التشويق والإثارة) بقي أن المعالجة الدرامية فيها غالباً ما تكون ضعيفة وسطحية إلى حدّ الابتذال غالباً.

ولكن ما هو الفيلم البوليسي في النهاية؟

يجيب الناقد والباحث التونسي «خميس الخياطي» بالقول: هو «عقلية ديكارتية توضح المتاهة وتجلي العقدة بحثاً عن مجهول وحفظا للقانون (....) وإذا أمعنا النظر فيها يمكن لهذه النوعية السينمائية أن تكون المخبر (والدّال) على المستوى الديمقراطي الذي يسود في ثقافة ما، بما أننا يمكن أن نفضح المعيقات التي توضع أمام تطبيق القانون(...) إن أعمال هيتشكوك وويليس وهاوكس وكوكر، باختصار أعمال الكبار في السينما، هي درس بليغ في الديمقراطية..» (اُنظر كتابه: «بحثاً عن الصورة/ وقائع السينما والتلفزيون»..) منشورات سحر عام 2001 بالفرنسية.

وقد توحي هذه المعطيات الأوّلية بأننا نزعم الإحاطة بكل جوانب الموضوع المتعلق بواقع الرواية البوليسية في السينما والمسرح والدراما التلفزية والرواية العربية عموماً. وهو ما لا ندّعيه مطلقاً، لأن الموضوع يحتاج إلى تكامل مساهمات عديدة من مختلف الاختصاصات والمقاربات، وإنما حسبنا أن نثير الانتباه إلى عدد من الأعمال الفنية التونسية التي نقدّر أنها تمكنّت بذكاء وجرأة من إعادة بناء الشخصية البوليسية بصورة جديدة ومختلفة، تجاوزت بها معالجات سطحية وإيديولوجية ظلّت تعيد إنتاج نموذج قار وسطحي لهذه الشخصية.ومن بين الأعمال الهامة في التجربة الدرامية التونسية يمكن أن نشير على سبيل المثال لا الحصر إلى ثلاثة نماذج شهيرة، نقدّر أنها شكّلت نقلة نوعية في مقاربة الشخصية البوليسية أو الشخصية المنتمية إلى قطاع الأمن عموماً، وهي شريط «الحادثة» لرشيد فرشيو، وفيلم «سيني تشيتا» أو «7 شارع الحبيب بورقيبة» لإبراهيم اللّطيف، ومسرحية «خمسون» للفاضل الجعايبي والتي تحوّلت حديثاً إلى شريط سينمائي، وهذه الأعمال قدّمت في فترات متقاربة زمنياً أي بين سنة 2008 و2009.

وإجمالا ساهمت هذه الأعمال في إعادة شخصية «الشرطي» إلى دائرة الشخصيات الإنسانية، وذلك عبر إيفائها ما تستحق من معالجة درامية مركّبة وعميقة، بحيث يصير من الممكن تفهّم سلوكها، كلّ ذلك من أجل تحطيم تلك الهالة المخيفة التي غالباً ما تحجب خلفها الشخصية البوليسية، لتظلّ في عيون المشاهدين كما هو الحال في الواقع العربي عموماً عنواناً للخوف والرعب (حتّى أنه في بعض المجتمعات العربية ومنها تونس، تخيف الأمهات الأطفال بالغول والشرطي بنفس القدر)

ومن المهم في هذه الخاتمة أن نشير إلى التشبيه الطريف الذي يقوم به الكاتب الإيطالي «أمبرتو إيكو» (معلّقاً على روايته الشهيرة «اسم الوردة») بين المحقّق البوليسي والرّوائي، فمن الخصال المميّزة للمحقّق أنّه لا يدعي امتلاك الحقيقة أو الوصول إلى الحقيقة النهائية، إنّه فقط يعمل على توفير أكبر قدر ممّكن من الأدلّة والآثار والمعطيات التي يمكن أن تساعد على الوصول إلى حقيقة تظلّ نسبية وغير نهائية دون أن يقلّل ذلك من قيمتها وجدواها، أمّا الإدانة والمحاكمة فليست من اختصاصه. وكذا الروائي والفنان بشكل عام فإنه لا يدين شخصياته، ولا يصادر نواياها وأفكارها، إنه على العكس يسمح لها بالتعبير ويعطيها الحقّ في الكلام، ويسعى إلى أن يكون منصفاً في تقديمها بعيداً عن أي شكل من أشكال التعسف والمصادرة والأحكام الجاهزة، وليس أحقّ علينا بالعدل من الرجل المكلّف بتحقيقه.