الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



كتاب « من أجل إعادة تشغيل العقل التاريخي العربي» لمختار الفجاري:

بحث في أسباب ريادة العرب وردّتهم


رغم أنّ الوحي كحدث أهمّ من الهجرة إلاّ أنّ المسلمين اختاروا أن يبدأ التاريخ والتأريخ عندهم من حدث الهجرة . وطوال التاريخ الإسلامي كان هناك صراع بين ما يسميه الباحث في الإسلاميات مختار الفجاري العقل التاريخي والعقل التأويلي ، الأول قاد العرب إلى الريادة العالمية والثاني مسؤول عن الردّة المعرفية التي نعاني منها .

 

ولم يكن ختم النبوة والإسلام سوى مشروع اكتمل معه الدين ويحمل في بذوره وفي أفقه مشروع الخروج من الدين والتأسيس لمملكة العقل . من النبي محمد وقبلها امرؤ القيس ثم الجاحظ وابن المقفع وابن الرواندي وجابر بن حيان إلى ابن رشد وابن باجة وغيرهم كان هناك عقل تاريخي يعي شروط الوضع الإنساني وضرورة التجريب والتنسيب في مقابل عقل تأويلي يريد أن يتعالى عن التاريخ وأن يأسر العقل وهو ما قادنا إلى العطالة التاريخية ، وتستوي هنا في هذا التعطيل السنة والشيعة والصوفية.

ضمن هذا الأفق يشتغل مختار الفجاري على « إعادة تشغيل العقل التاريخي العربي » ، ويقدّم قراءة جريئة متينة عميقة بلغة سلسة مستساغة للقارئ العادي كما للقارئ العليم ، للمفاصل الكبرى لتاريخ ثقافة لا يزال العقل فيها يصارع الفقه ، في كتابه الأحدث الصادر عن المنشورات التاريخية الإسلامية في جزأين ، الذي يستنطق فيه النصوص الغائبة ويفكّك ما « يحضر » من دلالة لدى المؤسسين الكبار سواء للنقل أم للعقل .

حمل الجزء الأول (375 صفحة ) عنوان « من أجل إعادة تشغيل العقل التاريخي العربي : العقل التاريخي العربي : بحث في أسباب صعود العرب إلى الريادة العالمية » . ويقدمه الفجاري كالتالي : « إذا كان كلّ من الفيلسوفين : الألماني ديتريش بونهاوفّار والإيطالي جياني فتيمو قد دعيا إلى مسيحية غير دينية ، وقدّما بذلك نظرية للخروج من الدين ، فالإسلام أولى بذلك من وجهة نظر الرؤية التاريخية ، لأنّه الدين الذي ورث تاريخيا كلّ تجارب الأديان السابقة ، وتراكمت لديه كلّ معارف التاريخ، فالإسلام من وجهة نظر هيغلية هو خلاصة الصراع الجدلي التاريخي بين الأديان باعتبار أنّ « التاريخ- عند هيغل – حركة منطقية ( جدلية ) ، وهو في الغالب سلسلة من الثورات ، يستخدم فيها « المطلق » الشعوب إثر الشعوب والعباقرة إثر العباقرة أدوات في تحقيق النمو والتطور (نحو الحرية ) .

إنّ هذه العملية المنطقية ( الجدلية ) في سير التاريخ تجعل من التغيير مبدأ الحياة الأساسي ، إذ لا شيء خالد ، وفي كلّ مرحلة من مراحل التاريخ يوجد تناقض وتعارض لا يقوى على حلّه سوى صراع الأضداد والتاريخ هو نمو نحو الحرية وتطورها ».

الإسلام هو الدين الذي أعلن نهاية النبوة ، إذ ظهر في عصر نضج فيه الفكر البشري أكثر من أيّ عصر مضى، هذا فضلا عمّا تضمّنته نصوصه الغائبة الخاتمة قبل تلك الحاضرة من دعوة مستقبلية إلى التعقل والتفكر والإبتكار. ولا يعني البحث عن قيمة غير دينية في الإسلام خروجا عن الإيمان الإسلامي، وإنما هو خروج عن الإيمان التأويلي التقليدي كما تصوره الفكر الإسلامي السلفي .

إنّه كما سنرى لاحقا ، إعادة بناء لمفهوم الإيمان الإسلامي على أسس تاريخية ومن خلال إعادة قراءة للنص الديني الخاتم لنفسه : القرآن الكريم. هذه هي الفكرة المركزية في هذا الكتاب . وهي فكرة لا غاية لها سوى الغاية المعرفية . أمّا الذين يرون العكس فعقولهم لا تنظر إلى المعرفة بل تشخص عيونهم فقط إلى الفكرانية (idéologie ) .

وحمل الجزء الثاني (293 صفحة ) عنوان « من أجل إعادة تشغيل العقل التاريخي العربي : نقد العقل التأويلي الإسلامي : بحث في الردّة المعرفية للعرب» . ويقدّمه كاتبه كالتالي : « المهمة النقدية التي يسعى العقل التاريخي إلى إنجازها في هذا السياق تبدو مهمة صعبة ، لأنّها من قبيل ردّ الناس عمّا اعتقدوا و«ردّ الناس عما اعتقدوا شديد » كما قال الإمام مالك ، أو هي بتعبير الغزالي : « الفطام على المألوف شديد ، والنفوس عن الغريب نافرةٌ » ، لا سيما وقد تراكمت عليه طبقات التاريخ عبر الزمن .

ومع ذلك نتجرأ على المحاولة فنبدأ بزحزحة سؤال الدين والتاريخ.

والمنطلق الرئيس لذلك هو سؤال محوري : هل الدين معرفة بشرية أم هو معرفة إلاهية وبعبارة أخرى : إذا كان الدين معرفة إلهية ، لماذا جعل الله الأديان متعددة ومختلفة إلى حدود الصدام والحروب ؟ ولماذا يتمركز الدين دائما حول الإنسان في علاقته بالوجود : آلهة وذاتا وطبيعة فقط ؟ فالله بحسب التعاليم الدينية خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ثمّ شرع في صناعة آدم من طين .

ونحن نعلم علميا وبحسب الأحفوريات وتحليل الحمض النووي للمتقدرات أنّ عمرالإنسان على الأرض لا يزيد عن 300 ألف عام . وهي مدّة قليلة جدّا مقارنة بعمر الأرض وعمر الحياة على وجهها . كما « تفيد دروس الأنتروبولوجيا منذ نهاية القرن التاسع عشر بأنّ « آدم » اختراع ثقافي للتقاليد الإبراهيمية (...) وأنّ « آدم » شخص سردي ظهر في سفر التكوين العبراني ، ( ...) ومن ثمّ قد يقال إنّ قرار الإلاه التوحيدي بخلق « آدم « هو الذي حوّل « الأرض» إلى « أدمة » وليس العكس . وهذا يؤكد أنّ تاريخ الأرض والذكاء والحياة يذهب بعيدا عن مجال اهتمام الأديان التوحيدية التي تختزل تاريخ الأرض في آدم وحده .


كمال الهلالي