الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



من بيت الشعر وبيت الرّواية إلى «زغبانيا»:

مبدعون تونسيون خارج المألوف



بقلم: كمال الشيحاوي

كان الشاعر الرّاحل «محمد الصغير أولاد أحمد» يلحّ على قرّائه ومحاوريه والمهتمين بآثاره الأدبية، شعرا ونثرا باعتبار فضاء «بيت الشعر» الكائن بنهج التريبونال بالمدينة العتيقة واحدا من آثاره التي لا تقّل قيمة عن دواوينه ومقالاته النثرية.

ويرى «أولاد أحمد» محقّا بأن «بيت الشعر» الذي كان اقتراحه وفكرته هو إبداع وخيال أدبي خاصّ به، تجسّم في الواقع بقرار من رئاسة الجمهورية ووزارة الثقافة خلال تسعينات القرن الماضي وأثّر في محيطه العربي حين بادرت دول عربية أخرى إلى تأسيس بيوت للشعر.

وبيت الشعر الذي تداول على إدارته عدد من الشعراء منهم «المنصف المزغني» و«محمد الخالدي» هو اليوم جزء من ذاكرة الشعر والأدب التونسيين وفضاء لتلاقي الشعراء والكتّاب في ندوات وأماس لم تنقطع...

وبعد ذلك بسنوات وتحديدا منذ سنة تقريبا ومع موسم افتتاح تظاهرات مدينة الثقافة أعلنت وزارة الشؤون الثقافية عن تحويل فكرة الروائي التونسي «كمال الرّياحي» بإنشاء بيت للرّواية إلى حقيقة عينية، حيث خصّص فضاء لهذا البيت في مدينة الثقافة، يحتوي على مكتبات متنوّعة خاصّة بالرّواية التونسية والعربية والعالمية وانطلق نشاط هذا البيت المتميّز في رؤيته وآفاق عمله بتنظيم الملتقى الأوّل لبيت الرّواية الذي كان ناجحا على جميع المستويات من حيث الحضور النوّعي للروائيين التونسيين والعرب وطرافة المداخلات والشهادات التي قدّمت حول مسألة دور الرّواية في تغيير الواقع اليوم. وها أن بيت الرواية يتحوّل إلى فضاء مرجعي خاصّ بالرّوائيين والباحثين والمترجمين وكلّ من له صلة بفنّ الرّواية وقد عقدت في فضائه على امتداد السنة الفارطة لقاءات مختلفة مع روائيين تونسيين وهو يستعدّ الآن لتنظيم النسخة الثانية من ملتقاه السنوي الذي سيخصّصه هذه السنة لقضايا الكتابة الروائية عند ذوي البشرة السوداء.

من الفضاء الرسمي العام إلى الفضاء الخاصّ

وإن اتخذ مشروعا «بيت الشعر» و«بيت الرّواية» صبغة رسمية حين تحوّلا بتظافر إرادات المبدعين والمسؤولين إلى بناءات وفضاءات حقيقية فإن مشاريع أخرى تظهر بين وقت وآخر لتبيّن قدرة المبدعين التونسيين على الخروج عن المألوف والمبادرة بما لا يخطر على بال الأدباء الكلاسيكيين ومن ذلك مشروع فضاء «السانية» أو «زغبانيا» كما أطلق عليها صاحبها الروائي والفيلسوف «كمال الزغباني».

وقصّة «زغبانيا» التي تابع أطوارها أصدقاء الكاتب على المنتدى الاجتماعي «فايسبوك» تحتاج لأن ننوّه بطرافتها وأهميتها الخاصّة. فلقد سعى كمال الزغباني عبر مدوّنته الروائية ومقالاته المنشورة وتدويناته على الفايسبوك إلى نحت كيان أدبي وفلسفي مميّز مجترحا مغامرة مختلفة في التعبير والموقف والرؤيا من كلّ القضايا المطروحة محلّيا وكونيا. وفضاء «زغبانيا» يمثّل أحد تجسيدات أفكاره الإبداعية والفلسفية. وحتّى يدرك القارئ أبعاد هذا المشروع لا بد أن نروي بعض أطوار هذه الفكرة، فقد سكن «الزغباني» على وجه الكراء منزلا بمنطقة المروج وأعلم أصدقاءه على الفايسبوك بأنه اكتشف خلف منزله الأرضي مساحة مهملة من أرض متروكة فقرّر فلاحتها، ثمّ أخذ في تنزيل الصور والأخبار الخاصّة بما شهدته هذه الأرض الصغيرة في مساحتها من تحوّل كبير حيث باتت قادرة على إنتاج مختلف أنواع الزهور والورود وعدد كبير من الخضروات والغلال التي كان يلتقط لها صورا وهي في أطوار زراعتها ونضجها.

ثمّ أخذ في التعليق في كلّ مرّة بنبرته الساخرة والمرحة دائما عمّا يزمع القيام به من تحقيق اكتفائه الاقتصادي والمعاشي وتحريض غيره على إتباع أسلوبه في مواجهة أزمة البلاد ومشاكلها في بعض المنتجات التي يعاني التونسيون في كلّ مرّة من فقدانها. ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ بل حوّل «زغبانيا» إلى مشروع أفكار وفلسفة حول الحاجة إلى إعادة الاعتبار لعلاقة الإنسان المعاصر بالطبيعة، بما هو بيولوجي، بقدرته على تحقيق احتياجاته الأوّلية والكفّ عن الارتباط بالسوق التجارية والاستهلاكية في الكثير من المنتجات التي يمكن التعويل على أنفسنا في توفيرها من خلال المساحات الأرضية المتوّفرة لنا في حدائقنا والمساحات الترابية الصغيرة التي يمكن أن نعثر عليها في محيطنا.

وحتّى نحيط القارئ بآخر أخبار هذا الفضاء الخاصّ ننشر بعض ما دوّنه «الزغباني» عمّا حدث في موعد السّانية الذي انتظم يوم 8 سبتمبر الجاري بزغبانيا حيث كتب في صفحته: «قدّم عدد من الصديقات والأصدقاء أكلات «بيو» كانوا قد قاموا بإعدادها.

- معزوفات موسيقيّة على الساكسوفون والعود والقيتارة.

- قراءات شعريّة واستماعات لسرديّات حكائيّة وروائيّة وتقديم لكتب على صلة وثيقة بطبيعة اللقاء وأهدافه الآنيّة والبعيدة.

أمّا موضوعا الحوار (الذي لم يخل، وهذا طبيعي، من اختلافات جذريّة بلغت بعض الأحيان درجة التلاسن) فقد كانا :

أهمّيّة الفلاحة والبستنة البيولوجيّة وعلاقاتها المركّبة بالنضالات الإيكولوجيّة في تلازمها بالمقاومات السياسيّة لطغيان رأس المال المعولم وآليّات تدميره، عبر السلعنة المفرطة، للمسكن الإيكولوجي الإنساني... بما حوّل الإنسان ذاته إلى عنصر تخريبيّ في النظام الطبيعي.

أهمّية تأسيس ورشات في الكتابة السردية والموسيقى والسينما والمسرح والفكر الفلسفي وقد تكفّل بعض الحاضرين بإعداد مشاريع بهذا السياق سيتمّ اقتراحها بداية من اللقاء المقبل.

«ميعاد السانية» وأشكال انتظامه وممكنات تثبيته وتطويره وبعث «نواة صلبة» تضمن ديمومته. اختلفت الآراء شديدا بهذا الخصوص:

- ثمّة من أكّد على ضرورة «مأسسة» هذا المشروع (الذي رأوا فيه نوعا من بناء جديد لمشروع «الجامعة الشعبيّة» الذي مني مع الأسف بفشل ذريع، لأسباب قمت بشرحها، باعتباري كنت من مؤسّسيه وبالتالي من المسؤولين عن فشله ذاك) عبر جمعيّة مثلا، بناء على ضرورة أن ينخرط في شبكات المجتمع المدني وتكون له صلات بالمشاريع المماثلة في تونس والعالم وأن تكون له مصادر تمويل قارّة واستقلاليّة.

- وثمّة من اعتبر أنّ «ميعاد السانية» وما يمكن أن يتطوّر إليه مشروع إبداعيّ مقاوم ينبغي أن يبقى بعيدا عن كلّ أشكال المأسسة بما هي شكل من الاستعادة والتدجين وأن يمضي بالتالي أكثر وأعمق في «الأفقيّة» وفي «المشترك» المفتوحين على شتّى الممكنات.

رؤيتان أثارتا جدلا كبيرا. وقد توصّلنا إلى ضرورة تأجيل الحسم بينهما، أو تجاوزهما نحو ممكنات تنظيميّة أخرى، إلى لقاءات مقبلة يمكن أن يشارك فيها أشخاص آخرون.

على سبيل الخاتمة

ولعلّه من الواجب أن نتذكّر ونحن ننوّه بطرافة هذه التجارب الرسمية والخاصّة بما قام به أدباء تونسيون من قبل في اقتراح فضاءات وإبداع أشكال متميّزة للفعل الإبداعي غير المألوفة ومن ذلك فضاء «جماعة تحت السور» في ثلاثينات القرن الماضي والذي كان مقهى وأفق تعبير وموقفا مختلفا أثمر الكثير من النصوص الأدبية المتميّزة، كما نشير أيضا إلى مركز الرواية العربية بقابس الذي حلم به الروائي الرّاحل «محمد الباردي» وأنجز في إطاره عشرات الندوات ولا ندري إلى أي مآل انتهى بعد رحيله أو إلى «فضاء بوعبانة» الخاصّ بالفنون التشكيلية وسط العاصمة إلخ.

لا شكّ أنّ هناك مشاريع أخرى لم يتسع المجال لذكرها في قطاعات ومجالات إبداعية مختلفة ولكن الثابت، في تقديرنا، أن ما يصنع الفارق بين كلّ مشروع هو ممكنات تنفيذه وقدرة المبدع على أن يجعل اقتراحه غير المألوف مقنعا لأهل القرار الإداري والسياسي لتنفيذه فعليا أو مغريا لأصحاب رؤوس الأموال والأهمّ في كلّ ذلك هو الحرص على نجاحه واستمراره وتحوّله إلى مؤسسة تتجاوز عمر الأفراد.