الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



الشاعر والدكتور منصف الوهايبي لـ «الصحافة اليوم»:

الشعر العربي الحديث يعاني من الإرتباك...



أجرى الحوار: الهادي جاء بالله

ليس من السهل أن نمسح جل الأعمال الأدبية والفكرية للشاعر المنصف الوهايبي فهو غزير الإنتاج ويضرب في شتى اتجاهات الأجناس منتقلا بين طيات وخفايا اللغة كمطية للسفر نحو مختلف الأجناس الشعرية وكتابة المقالة وسرديات الرواية. الشاعر والدكتور المنصف الوهايبي صاحب دواوين عديدة ومن ضمنها ديوان «ميتافيزيقا وردة الرمل» علاوة على قصائد عديدة مازالت تتردد أصداؤها لدى محبي الشعر... مازال قيد الفعل الإبداعي وهو بذلك يكاد يعانق مستخلصات المعنى من «قفزة الظلام الجوهر» على رأي الناقد جابر عصفور.

ضيف هذا الحوار هو بصدد اصدار الجزء الأول من عمل سردي روائي يحمل عنوان «جمهورية جربة». للشاعر المنصف الوهايبي خاصية أخرى لا تقل عن الكتابة وهي السفر والترحال في مختلف أصقاع العالم لحضور الملتقيات الدولية في عديد الأغراض الأدبية كما أنه حائز على أغلب الجوائز الوطنية والعربية وتم تكريمه في الكثير من التظاهرات الدولية.

المنصف الوهايبي وعبر أفعاله الإبداعية يتمظهر مجددا في اللغة وجريء في التجريب وهو دأب لم يغادره مثلما لم يغادر جغرافيته الممتدّة ما بين «عين مجونة» بحاجب العيون ومدينة القيروان أصل المقام.

للإقتراب أكثر من هذه القامة الإبداعية التقينا المنصف الوهايبي فكان لنا هذا الحوار.

ان قلنا المنصف الوهايبي قلنا الشعر والأدب والرحلات أيهما أقرب إلى قلب وعقل المنصف الوهايبي الآن...?

الأقرب إليّ دائما هو الشعر رغم أنني لم أنقطع عن الرحلات.. فأنا أسافر بين الفينة والأخرى الى جهات مختلفة من بلدنا أو الى عديد البلدان العربية والأوروبية على غرار اسبانيا وفرنسا والبرتغال ولكن في المقابل لهذه الأولوية تبقى لي ميولات أخرى أيضا وهي الرواية التي أتعهدها وفق ثنائية التلقي أو الإرسال وقد نشرت ثلاث محاولات روائية احداها فازت بـ«الكومار الذهبي» وذلك سنة 2012 وتحمل عنوان «عشيقة آدم» فيما تحمل الأخرى عنوان «ليلة الإفك» وربما سأعيد صياغتها من جديد وأنا الآن أخوض تجرية العمل الروائي الرابع وهو تاليا لرواية «هل كان بورقيبة يعشق معيوفة بنت الضاوي?» وقد تخيّرت عنوان «جمهورية جربة» لهذا العمل الجديد الذي يتحدث عن جزيرة جربة وقد انفصلت عن البلاد وبدأت تزحف نحو مالطا بسكانها وإثنيّتها وسيّاحها وبكل من فيها وتتشكّل مثل هذه الأحداث ضمن الجزء الأول الذي ستليه أجزاء ثلاثة.

وفي نفس السياق المتصل بسؤالك أعود لأقول أن اهتمامي شعري بالأساس بالمفهوم الواسع للشعر كما أني أكتب المقالة الصحفية وفق عديد المباحث الأدبية والفكرية والسياسية.

وأنتم تجوبون بقاعا عديدة من العالم أين تتطلّعون على آخر ردهات الشعر بمختلف اللغات كيف تستقرئون هذا الحراك الشعري الحديث وخاصة وفق مطيّة اللغة العربية؟

في الحقيقة يعاني المشهد الشعري العربي الحديث من ارتباك كبير ويتجلّى ذلك في نسبة التراجع البيّن الذي يشهده ويلحظه العديد من المتابعين وفي السنتين الماضيتين صوّر سعدي يوسف «بانوراما» تقصّى من خلالها أثر الشعر قطرا قطرا انطلاقا من منشئه الأول بالمملكة العربية السعودية مرورا بالعراق وسوريا وصولا الى بلدان المغرب العربي وخلص الى ذكر قلّة من الأسماء في هذه البلدان وخصّني بالذكر مفردا على تونس وهذه شهادة أعتزّ بها في الحقيقة وفي مستوى هذا الرصد خلص الى نتيجة أنّ الشعر العربي الحديث يعاني من تدنّ واستسهال ومثل هذا الاستقراء يعنيني وأعتبر أن ما يكتب في مجال قصيدة النثر وخاصة عند بعض الشاعرات في تونس أهم بكثير مما يكتب ضمن القصيدة الكلاسيكية أو الإيقاعية بصفة عامة. وأعود وأضيف أن الشعر العربي يشهد ردّة أي العودة الى قصيدة البيت أو ما يسمّى بالعمودي وهو ضرب من التهافت وأستحضر هنا مقولة قالها لي الشاعر محمود درويش ذات مرة حينما سمى القصيدة العمودية وشبّهها بـ «الباب بدفتين» ووفق ما ذكرت فإنّ مثل هذا القهقري لا يضيف شيئا للشعر العربي بل يعمّق في ثناياه سمة الارباك... وفي المقابل لما ذكرناه لا تخلو جغرافية ما من صوت ما قد يتمظهر في أحد الألوان الشعرية ولكنها تكاد تكون معزولة وعليه لابد من وقفة للتأمل ومحاولة تفكيك الأسباب والتي قد يكون وراءها عديد العوامل ذات الصلة بهشاشة التعليم والثقافة ربما ولكن في العموم ننتهي عند مستخلصات تقول أن الشعر العربي بصفة عامة يشهد تراجعا.

الجامعة التونسية وأعني بها ذات العلاقة باللغة والآداب والفنون بقيت مثل «الهاء» مضمومة على نفسها ولم تنفتح على المحيط الواسع للثقافة التونسية وخاصة الحديثة منها، كيف تراها من وجهة نظرك كشاعر وجامعي في آن..؟

ـ يمكننا الذهاب بعيدا في التعميم، لأنّ كليّات الآداب واللغات الإنسانية هي المعنيّة أكثر من غيرها.. ولكن جامعة 9 أفريل وببادرة من فقيد الجامعة التونسية توفيق بكار أدرجت الأدب التونسي بقديمه وحديثه والذي يعود للقرن العشرين وثمة أساتذة درّسونا الأدب التونسي القديم في عهد الأغالبة وغيره ولكن ربّما تقلّصت مثل هذه المبادرات بعد ذلك. ولكن ثمّة مشكلة أخرى بالجامعة التونسية والتي لم تخصص كرسيا للأدب الشعبي على غرار عدّة جامعات عربية وغربية ويعود هذا ربّما إلى عدم تخصص الأكاديمي في هذا المجال. ولكن يمكن الإستئناس بتجارب الفاعلين في مجال التراث الشعبي بكلّ ألوانه من غير الحاملين لشهادات جامعية ويمكن توفير نموذج من التأطير وبالتالي يسمح لهم بتقديم الإفادة لطلاب الجامعات الذين يأخذون عنهم أهم الخصائص والمميزات المرتبطة بالتراث الشفوي ليتمكّنوا في مرحلة تالية من كسب رهان الإختصاص الذي كان عائقا. لا يمكن للمتخصص في الفصيح أن يدرّس الأدب الشعبي ومثلما قلت منذ حين يمكن تجاوز هذا الإشكال وفق الطرح الذي قدمته.

برأيك ما هي إشكاليات اللغة العربية؟

ـ اللغة العربية بقيت حبيسة الفضاءات المغلقة فلا يمكن أن نستعملها في السوق أو في الشارع ويتوجب علينا أن نجسر الهوّة ما بين الفصحى والعامية.

اللغة العربية فنية عليا ومعربة وأدبية وهذا ما سبب إشكالا في حياة اللغة العربية نفسها ولن أخوض في ما ذهب إليه البعض بالتخلي عن الإعراب الذي يثير عدة إشكاليات أخرى، ولكن أعتبر أنّ اللغة العربية لا بدّ ان تظلّ في صلة رحم ما بين العربية وشقيقاتها العاميات أو ما نسميه باللغات المحكيات.

وهذا ينهض به الشاعر أساسا أي الشعراء الذين يجيدون التعامل مع تقنيات الشعبي والذين يحسنون أيضا التعامل مع الفصحى.. ويفترض أن يكون شاعر الفصحى على دراية أيضا بخصائص الشعر الشعبي ومن ثمة يمكن أن يدعّم هذا ذاك، وهذا ما يحيلنا الى ضرورة وجود كرسي للأدب الشعبي وما علينا الا التحلي بالجرأة ونبادر.

الجوائز الأدبية بمختلف ألوانها وإشكاليّة المعايير، هل من حلول تساعد على تجاوز هذا الإشكال؟

إذا قلت جائزة فأنت أثرت بالضرورة أثرت إشكالا نظرا لتداخل عدّة عناصر ومعطيات بما في ذلك المضمون وصاحبه. وأعتقد ان المشكل لا ينتهي وسيظل مرتبطا بأي جائزة. وأنت تعرف أن أكبر جائزة وهي «نوبل» يثار حولها الكثير من اللغط وبالتالي فإن الاشكال سيظلّ قائما وفي تقديري أن مردّ الإشكال يكمن صلب لجان التحكيم التي تجتمع في العادة للتصويت أو التوافق. ومن ثمة يدرك المراهن على الجائزة أنّ الرياح قد لا تجري وفق ما يشتهي ويفترض أيضا أن يتحلى أفراد لجان التحكيم بالقدر الكافي من النزاهة.