الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



يمثّل تونس ضمن مسابقة الأفلام الوثائقيّة :

شريط «لقشة من الدنيا»....خطايا لم يرتكبها أحد



في شريطه الوثائقي «لقشة من الدنيا » ، يقتحم نصر الدين السهيلي أرضا بكرا بحقّ ليسقط الكثير من الأوهام الكبرى حول الواقع والفن والهامش والمهمّشين ، وليضع المتفرّج أمام تحدّي النظر، بعينين مفتوحتين من الرعب على اتّساعهما ، أمام ما يحدث من حياة لأحياء بيننا في برّ تونس .

يروي الشريط قصّة «رزوقة » و « فانتا» . تتبعهما الكاميرا المحمولة في متاهة حياتهما ، بحياد بارد ودون تدخّل من المخرج الذي اختار بذكاء الا يسألهما أو يستجوبهما . فقط اكتفى السهيلي بتصوير ما يحدث دون أن يلعب دور المخرج العليم صاحب المواعظ . تنفتح سيرة حياة مربكة موجعة ،لا أحد يرغب في رؤيتها وفي مجرّد تصوّر أنّها قد تحدث على هذه الأرض .

تربط بين « رزوقة» و«فانتا» علاقة ممزقّة يختلط فيها الإدمان على المخدّرات مع القسوة البالغة واللطف البالغ . يسمّي « فانتا » « رزوقه» بـ «بابا» وبـ «حبيبي» . تصوّره الكاميرا في شرفة بيت يطلّ على بحر قربص ، وهو يحلم ، حلم مساء صيف ، بالزواج بـ «رزوقة» . يصف «فانتا» تفاصيل الزواج برقّة بالغة . ومن مفاجآت التصوير الحيّ أنّ هذا المونولوغ الرومنسي صاحبته أصوات وايقاعات وجلبة ناس يعدّون لعرس في الشارع. كما تنقل الكاميرا بحياد مربك وموجع مشاهد قاسية لـ «رزوقة» وهو يعنّف « فانتا» في الوكالة التي يسكنان بها بحيّ باب الجديد الشعبي . يتوجّع « فانتا»، يبكي، يثور، يشتم ، يلعن ، يمكر ويستسلم للغيرة . قد نتوهّم أنّه الطرف الأضعف في هذه العلاقة المربكة.

ولكن سريعا ما نكتشف أنّ ما يرهقه هو وحدته في غابة من الأوغاد.

تلقط الكاميرا سطوة حضور «رزوقه » . هو سيّد في علاقاته مع « فانتا» ومع الآخرين. يقول «رزوقة » لـ«فانتا» في البيت الذي اكترياه مع صاحبهما «الناقه» بالمحطة الاستشفائيّة بقربص : أنت لا تعرف كيف تطعن شخصا ، يلزم للقيام بذلك الكثير من الجأش . يرى « رزوقة » أنه يلزم أن تكون فطنا وسط «أولاد الحرام » المحيطين بك . كما يقول في مشهد آخر أنّ المدمنين على المخدّرات هم الأكثر حساسيّة ولهم ذكاء انفعالي مفرط . ويكشف «رزوقة» في علاقته العنيفة مع «فانتا» عن حنان ولطف بالغين . نراه وهو يقوم بتدليكه في الحمّام . نراه أيضا وهو يحاول معالجته من الإدمان ويصحبه إلى الطبيب. في عيادة الطبيب ، يكتشف صاحباه : « فانتا» و«الناقه» أنّهما مريضان بمرض «البوصفير في الدم» ، يتأثّران ويبكيان بأناقة وكرامة . يقول لهما «رزوقه» في الشارع معزّيا أن لا يحزنا فهذه الأمراض لا تصيب إلاّ الناس الجيّدين .

لا يملك هؤلاء الأبطال الحقيقيين بذخ الإستسلام للشكوى . يتابعون حياتهم بكثافتها وعنفها وعنفوانها المنفلت والفائض على التصنيفات الإجتماعية الفجّة : هم ليسوا «مدمنون» أو «منحرفون» أو «هامشيون» أو «ضائعون» كما قد يتوهّم « الأسوياء» أنّهم كذلك . هم قطعة من دنيانا ، كما يشي بذلك عنوان الشريط . لا تعنيهم الثورة أو السياسة أو الآلهة .

نرى « فانتا» في سوق شعبيّة وهو يغنّي أو يتذمّر من جفاء «رزوقه» معه . نراه في الشارع وهو يقعي ويتسوّل بعيون وهيأة مدرّبة على استدار العطف ، بينما تلتقط الكاميرا شعارات الثورة على الجدران . نشعر أنّ الثورة حدثت في مكان آخر. كما نشعر أنّ الآلهة تتدبّر المصائر لأناس آخرين في مكان آخر، وقد قرّرت الا تزورهم وأن تتركهم لضراوة أقدارهم . باستحياء، يحضر نوع من الحسّ الديني العفوي . يقول «رزوقة» في أحد مشاهد الشريط : اليوم الجمعة ولا يجب أن نكون تعساء.

ينتهي الشريط على مشهد عشاء أخير دون وصايا . خلف ستار، ثمّة مائدة منتصبة. «فانتا » يلمّ أدباشه ويبحث عن بقايا الدواء المخدّر الذي أخفاه عنه صاحبه خوفا عليه من الإفراط في تناوله . الرفاق ، خلف الستار، يحرّضون «رزوقة » على « فانتا» بدعوى أنّه يستأهل صاحبا أكثر احتراما . يغادر « فانتا » باكيا من جفاء صاحبه ، لاعنا ، ثائرا . يلتحق به «رزوقه» وينهمكان في عتاب طويل : أحدهما يشكو من الجفاء ومن صاحبه الذي أخفى عنه الدواء المخدّر ،والآخر يلوم صاحبه على سلوكه الطفولي . يغادر « فانتا » الوكالة تحت المطر، إلى الشارع ، يتوقّف ، ثمّ يعود ، كي يخفي حقنته في الحائط المتهدّم ، ثمّ يغادر من جديد ويغيب في شارع باب الجديد ، بينما يقوى حسّ المطر.

على هذا النحو ينتهي هذا الشريط الموجع والمربك ، دون وصايا لا يحتاجها أحد ، دون أحكام إدانة لأحد . فما قد يبدو خطايا في سيرة أبطاله ، هي خطايا لم يرتكبها أحد .

 

 


كمال الهلالي