الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



المشهد التلفزي وحمى الرداءة:

استبدال المهنية بالإثارة...هل أضاع الإعلام البوصلة؟



عرف المشهد السمعي البصري بعد 14 جانفي 2011 «انفجارا» غير مسبوق في المضامين الإعلامية التي اعتمدت بالأساس على الإثارة أو ما اصطلح على تسميته بـ «البوز» وذلك بعد كبت وقمع لحرية الصحافة والتعبير تواصل سنين طويلة في ظل النظام السابق الذي حرص على إخفاء كل عيوب وعورات المجتمع والساسة وركز على تسويق صورة مجمّلة لتونس خدمة للنظام، وكانت النتيجة أن اختلط الحابل بالنابل في المشهد الإعلامي وخاصة منه التلفزي الذي شهد توالدا ملحوظا للقنوات التلفزيونية الخاصة ذات المضامين الإعلامية المختلفة والتي رسمت ملامح جديدة للواقع الإعلامي البصري جانب في كثير من الأحيان معايير الجودة والمهنية في العمل الصحفي والإعلامي وركّز على الـ «بوز» الذي استباح كل المواضيع ومسّ من الذوق العام وفي الكثير من الأحيان من القيم الاجتماعية.

فما هي الأسباب التي ساهمت في تردي المشهد التلفزي الراهن ؟ وما هو موقف الهياكل المهنية والرقابية من كل ما يبث من برامج تجاوزت معايير المهنية والأخلاقية؟ وإلى أي حد يمكن أن يشكّل خطرا على الرأي العام خاصة الفئات الهشة منه؟

إن المتأمل اليوم في المشهد التلفزي بقنواته ذات المرجعيات الإيديولوجية والثقافية والسياسية المختلفة يلاحظ تغييرا جليا في نوعية الخطاب الذي يبث عبر هذه القنوات حيث طبع جزءا منها كثير من الإسفاف والتفاهة وفي بعض الأحيان نرى مضامين غير أخلاقية تمرر عبر الشاشة التي تدخل البيوت التونسية ويتابعها الطفل والمراهق وهما الأكثر تأثرا بما يبث من برامج فمهما كانت سلطة الأسرة في القيام بدور الرقيب ومنع مشاهدة هذه النوعية من الإنتاج التلفزي فإن الوسائل التكنولوجية المتاحة اليوم لن تحول دون وصول هذه الفئة العمرية الهشّة إليها والتي يمكن أن تشكّل خطرا حقيقيا على سلوكهم في غياب التأطير اللازم من قبل الأسرة والمؤسسة التربوية,

تدني مستوى البرامج

أبرز سامي نصر المختص في علم الاجتماع أن المشهد الإعلامي عامة والتلفزي بصفة خاصة يشهد تدنيا ملحوظا في مستوى البرامج والأدهى من ذلك أن هذه الحمى انتقلت إلى الإعلام التلفزي العمومي الذي تراه يقلد بعض هذه البرامج .

وبيّن في السياق ذاته أن المشهد التلفزي ما بعد الثورة طغى عليه ما يسمى بثقافة «البوز» التي أصبحت محل منافسة من قبل القنوات التلفزية عوض التنافس على إعلام الجودة الذي يقوم على المهنية واحترام معايير العمل الصحفي مضيفا أن اعتماد هذا التوجه في الإعلام القائم على الإثارة أفرز جمهورا إستبطن هذا النوع من الثقافة وصار بدوره يقلد إعلام الإثارة بعد أن أصابته عدوى « البوز» فأصبح يبحث عن ترويج صور ومقاطع فيديومثيرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وهذا ما فتح المجال أمام تسرب المضامين التافهة إلى الجمهور الذي يمثل الطفل والمراهق جزء هام منه وهنا يكمن الخطر.

وأوضح محدثنا أن التنشئة الاجتماعية للطفل والمراهق تتم عن طريق الأولياء والمؤسسة التربوية والشارع والمجتمع وكذلك وسائل الإعلام خاصة التلفزة مبيّنا أن مختلف هذه العناصر المؤثرة في شخصية الطفل والمراهق تكون مرتبطة بما يسمى بالشخصية القدوة التي يتم تقليدها وهنا يجب على الأبوين مراقبة أبنائهم لتوعيتهم وتعديل سلوكهم باعتبار أنه ليس لديهم الوعي الكافي للتمييز بين السّيء والجيد فهم يقومون باستبطان ما يبث عبر التلفزيون وتقليده غير واعيين بخطورته على سلوكهم وعلى شخصيتهم .

وأشار الأستاذ سامي أن وسائل الإعلام اليوم أصبحت تبحث بالأساس عن الترفيع في نسب المشاهدة عبر تمرير كل ما هو مثير للمشاهد دون الأخذ بعين الاعتبار عديد الجوانب القيمية فإذا تم على سبيل المثال تمرير صورة تلفزية تتضمن احتقارا للمرأة يستبطنها الطفل أو المراهق في ذهنه ويحمل صورة مشوهة ومغلوطة عن المرأة وقد ينعكس ذلك على سلوكه تجاهها وهنا تتجلى إحدى مظاهر خطورة الرسائل الإعلامية التي يتم تمريرها عبر الشاشة من خلال البرامج التلفزية التي للأسف أصبح لديها قاعدة جماهيرية كبيرة.

وأكد محدثنا في هذا الخصوص على ضرورة وضع وصياغة مدونة سلوك وميثاق شرف للعمل الإعلامي خاصة البصري ليقع كبح جماح هذا الانفلات الإعلامي ذلك أن أكبر وسائل الإعلام في العالم تعمل وفق مدونة سلوك حتى يقع تفادي أي تجاوز في هذا الخصوص مضيفا أن تونس تعيش اليوم أزمة قيم تجلّت مظاهرها في وسائل الإعلام التي عرفت تكميما طوال فترة حكم بن علي لتجد نفسها بعد الثورة أمام هامش كبير من حرية التعبير لم يقع الإعداد له مسبقا من خلال تأطير الإعلاميين التأطير اللازم إلى جانب ظهور عديد الوجوه الإعلامية الدخيلة عن الإعلام التي ساهمت بدورها في تدهور المشهد الإعلامي .

الدور الرقابي

من ناحيتها أبرزت راضية السعيدي عضو الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري أن الهيئة قد أصدرت عديد التنبيهات لعدد من المؤسسات التلفزية على خلفية ارتكابها خروقات وإخلالات في المضامين الإعلامية التي تم بثها ضمن بعض البرامج التلفزية وعدم التزامها بما جاء في كراس الشروط مضيفة أن الهيئة تعمل حاليا على إعداد ورشة عمل سيتم خلالها القيام بتقييم المشهد الإعلامي السمعي البصري ورصد مواطن الخلل فيه .

وبيّنت محدثتنا أن الهيئة قامت في عديد المناسبات بإرسال تنبيهات لأصحاب المؤسسات التلفزية في صورة وجود خروقات إلى جانب استصدار خطايا مالية وهي تمثل 5 بالمائة من رأس مال المؤسسة وذلك استنادا للفصل 29 من مرسوم عدد 116 لسنة 2011 مضيفة أنه في حال العودة إلى ارتكاب نفس الخروقات يقع إصدار قرار بوقف البرنامج وقتيا لمدة يقع تحديدها سلفا.

ومن بين الخروقات التي تم تسجيلها والتي ينص عليها الفصل 5 من المرسوم هوتقديم مضامين إعلامية تمس من الكرامة البشرية على غرار ما تم تسجيله في أحد برامج تلفزيون الواقع أو بث مضامين إعلامية تتضمن تمييزا ضد المرأة .

تسابق على الرداءة والإثارة

وبينت فوزية الغيلو في عضوالمكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين أن المشهد الإعلامي التونسي وخاصة التلفزي وأساسا التلفزيونات الخاصة قد تدحرج إلى أدنى مستوياته من خلال المضامين والخطاب الموجه إلى الشعب الأمر الذي أصبح يهدد الناشئة في تونس بكمّ من الرداءة والابتذال.

وأكدت محدّثتنا أن للإعلام رسالة وأهدافا واضحة وهي التربية والتوعية والترفيه دون إسفاف مشيرة إلى أن ما نراه اليوم في قنواتنا التلفزية لا علاقة له بهذه الأهداف فقد أصبح الإعلام تجارة لدى أصحاب الدكاكين الإعلامية والهدف الوحيد هو التسويق والربح من خلال الإشهار وللأسف أصبح المواطن يشاهد برامج الإثارة بهذه القنوات هربا من الصراعات السياسية والمشاكل اليومية. وأشارت محدثتنا إلى أن النقابة ما فتئت تدعو إلى الكشف عن مصادر تمويل القنوات المروجة للرداءة.

فهذه البرامج تلعب دور المخدر للمجتمع مع سبق الإصرار لإلهائه عن القضايا الجوهرية ذلك أن التعدد في المحامل الإعلامية بعد الثورة كان من الممكن أن يساهم في تحقيق أهداف الثورة وإنارة الرأي العام وكشف الفساد والمساعدة على بناء الدولة من جديد لكن للأسف وجدنا أنفسنا أمام مشهد تعددي يتسابق على الرداءة والإثارة.