الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



الجمعية المتوسطية للفنون المعاصرة تنظم ندوتها السنوية بالمنستير

الفيديو في زمن الرقمي.. مقاربات اتصالية وجمالية أخرى



التحولات التكنولوجية والتي مست كل مجالات الاتصال والعلاقات الخاصة والعامة، كان لها ايضا التأثير الهام على الفنون، حيث ان الثورة الرقمية اوجدت جمالياتها الخاصة،كما انها عززت انتشار وتقبل اساليب فنية معاصرة مثل فن الفيديو الذي يعود الى عقد الستينات. ضمن هذا الاطار العام تأتي الندوة السنوية والتي ستنظمها الجمعية المتوسطية للفنون المعاصرة وتنطلق اليوم وتتواصل الى يوم 9 ديسمبر الجاري بالمنستيرو ذلك تحت عنوان «الفيديو نموذجا ميديولوجيّا».

موضوع الندوة وكما جاء في الورقة العلمية للاستاذة والفنانة فاتن شوبة السخيري يطرح عدة اشكاليات تخص واقع وافاق الوسيط الاكثر انتشارا وتوسعا في عصرنا اي الشبكة العنكبوتية والمواقع الاجتماعية والتي انعشت وتوسطت في انتشار الجماليات المعاصرة وخاصة منها الفيديو حيث نقرأ في الورقة العلمية ما يلي «صارت الفيديوغرافيا، في زمن الرّقمي وبفضل انبثاق التّقنيات الحديثة إلى تخوم تألّقها. إنّها ملكة المحتويات على صفحات الواب وشبكات التّواصل الاجتماعي. يدعم نموّ أداء الآليّات الرّقميّة الجوالة المتصلةّ بالشّبكات بطريقة مباشرة هذا التّوجه، فصارت الفيديو المتوفّرة قابلة للمشاهدة في أي مكان وأي زمان.

إنّها أداة التوزيع والبث الواسع والمحتويات المتناثرة، الّتي تدلّ آثارها الفيروسيّة على الاهتمام المتزايد بها من طرف مستخدمي الأنترنات. وفي المستوى التّقني فإنّها تشكّل عمليّة تسجيل وبثّ وتوزيع الصّورة. وهذا ما عمل الجيل الأوّل من الفنّانين الفيديوغرافيّين على إبرازه بجلاء. ومنذ ظهورها كوسيط فنّي ضمن تيار الفلكسيس، في السّنوات السّتين من القرن العشرين، تمكّنت من التّخلّص من موجب تأكيد صلاحيّتها وطاقتها في تمثيل الواقع. وكوسيلة نقد في التلفزيون، كان رهانها قائما على البرهنة على طبيعتها المخادعة وللبرهنة على كيفيّة توظيف الوسيط عبر استثمار شفراته الخاصّة به. لقد تباين فن الفيديو ومنذ البدايات، مع التلفزيون بشكل جذري، رافضا جماليّة واقعيّة صوره من أجل أن يبني طبيعته الخاصّة ولغته الخاصّة به كممارسة فنّية في التّركيز على ذاته وسيطا فنّيا».

بحث هذا الموضوع الشائك والراهن تم باستحضار مفهوم «الميديولوجيا» وهو مفهوم معاصر صاغه المثقف الفرنسي ريجيس دوبريه و هو وفق الورقة العلمية المقدمة للندوة «إنّه اصطلاحا يهتمّ بظواهر البثّ. وتنصبّ اهتماماته وأهدافه في فهم وشرح وقع التّقنيات والتكنولوجيّات ووسائل الاتصال وتأثيرها على تطوّر الثّقافة الإنسانيّة في علاقتها مع بيئتها. ويتحدّد مجال الميديولوجيا في التّفاعل الّذي يحدث بين التّقنيات وبين التّقدّم الثّقافي، أي تأثير الوسيط على السّلوكات الاجتماعية والذّهنيّة أو التّمثّلات في وضع العالم. تركيب اصطلاحي بين لفظتي وسيط من اللاّتينيّة «الموصل» و«اللّوغوس» من الإغريقيّة ويفيد الخطاب، وتهتم الميديولوجيا بالطّرائق أكثر منه بالأهداف أو المنتهيات وبالوسيط أكثر منه بمحتوى الخطاب».

إن اخضاع فن الفيديو في ندوة مختصة في الجماليات المعاصرة الى مبحث اتصالي قام على تفكيك وقراءة تاريخ المحامل يعتبر انموذجيا لفهم جزء هام من عصرنا سياقاته الاتصالية والفكرية والجمالية وحتى السياسية والاجتماعية وهو ما اشارت إليه الورقة العلمية للندوة»، يقدّم فنّ الفيديو نفسه كترجمة مثاليّة لرؤيتنا الحاليّة للعالم.من هذا المنظور، تطرح صورة فنّ الفيديو وبشكل مستمرّ سؤال هويّة الصّورة وتحمل رؤية نقديّة لواقعنا اليومي ولمحيطنا الوسائطي. لقد تجاوزت ومنذ ظهورها طاقتها في اقتناص معطيات الواقع من أجل استثمار عوالم خياليّة وتوظيف خصوصياتها الدّاخليّة المدمجة عبر تطعيمها بعديد الأشكال الفنّية التقليديّة أو المعاصرة. إنّه فنّ متداخل الاختصاصات ومتعدّد الأشكال، صنوّ التّهجين بين الممارسات الفنّيّة يتسرب إلى جميع المجالات الفنّيّة. إنّ الفيديو في كلّ مكان (آلة الإبصار) على حدّ تعبير «بول فريليو» تكثيف للمشهدي في مجتمع المشهد بلفظة «غي دي بور»، إنّه يمضي في اتّجاه جميع الأشياء ويرتبط بها. وعبر استثمار مختلف الحقول الفنّية، يقوم فنّ الفيديو بتقويض أركانها، ويلتهمها، بل ويتملّك أشكالها ويجعل منها أغراضا لمعالجاتها. إنّه فنّ عابر غير أصيل هجين ومارق.

إنّ طرح فنّ الفيديو بالاتكاء على خصوصيّة التّحوّل الدّائم في تقنياته وفي وسائطه، يؤسس نموذجا ميديولوجيّا والّذي تجب مساءلته من أجل التّفكير في مستقبل الفنّ الأكثر معاصرة من بين الفنون المعاصرة. في هذا المجال الفيديوغرافي بحسب «رجيسدوبري»، عالم الصّور هذا عالمنا، يعدّ الفيديو علامة ومؤشّرا وفكرا يحمل مجازفة التّحوّل الجذري في إدراكنا للعالم ووجودنا فيه، بالقدر الّذي تقوم فيه هذه الأشكال المستحدثة بجرّنا إلى العود التّدريجي نحو الواقعيّة في التمثيل. الفيديو الحيّ المباشر، الفيديو المراقب، الفيديو الغامر، عديد من المحاولات لإخراج الفيديو من إطار البث، وتوظيف عديد السينوغرافيات الفنّيّة، الّتي تؤشّر على التّفاؤل بثورة لا تتورّع عن تملّك جميع الأشكال الفنّية الموجودة والثقافات ووسائل التّواصل. ولكن الواقع، الواقع ذاته والّذي يريد الفيديو أن يستنسخه أو ينتجه واقع تخييلي ووهمي، مخادع، يرتكز على مشروطيّة طريقة إدراكنا. نحن بحاجة إلى مساءلة الوسيط ليس من أجل خفض حجم فن الفيديو أو في محاولة نوستالجيّة لاسترجاع الماضي القريب، ولكن قصد فهم كيف لوسيط مسيطر، شارط مخفيّ، لرؤية العالم أن يكون عنصرا في تحويل المؤسّسة الاجتماعية. أشغال هذه الندوة والتي ستنطلق جلستها الاولى هذا السبت على الساعة التاسعة صباحا، ستضم عدة مداخلات لاساتذة جامعيين مختصين نذكر منهم فاتن شوبة السخيري وفاتح بن عامر ومحمد سامي بشير ونافع نصر ومحمد علي يوسف وخلود بوعصيدة وكوثر دمق وسمية حاج عمر وسامي نصري ومبروكة بوهادي.

الجمعية المتوسطية للفن المعاصر والتي تأسست سنة بعد منعطف 14 جانفي 2011 بمبادرة من الفنان والناشط الثقافي محمود قفصية، تنظم دوريا عدة معارض لفائدة الفنانين المعاصرين والأطفال بالاضافة الى ندواتها السنوية ومنشوراتها الدورية.

 

 


عمر الغدامسي