الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



المعرض الإستعادي «القرجي المتعدّد» في قصر خير الدين

من هذه الأرض صنع فنه الجليل



تقدّم الأستاذة والرسّامة نادية الجلاصي، كوميسار المعرض الإستعادي الضخم، لإحتوائه على 300 أثر، لأحد بناة الهوية التونسية وصانع كبير من صنّاع الفن التشكيلي، الراحل عبد العزيز القرجي، على هذا النحو:

«إنّ الفحص لسيرة القرجي يسمح برسم شخصيّة فنّان متعدّد الأبعاد في قطيعة تامة مع الصورة المألوفة للفنّان. كان في نفس الوقت فنّانا، ومدرّسا، ومسؤول شركة تصميم، وعضوا دائما ثمّ رئيسا لمجموعة من الرسّامين المعروفين باسم «مدرسة تونس» وصاحب رواق. أنجز القرجي ـ قبل وبعد الإستقلال- العديد من الطلبات العمومية.

«قرجي المتعدّد» معرض بانورامي يشمل مختلف أوجه نشاطات الفنّان.رغم الطابع الأفرودي الذي يرتّب أوّلا أعمال القرجي، فإنّ المعرض يتيح الاطلاع على أعمال موقعة من قبل العديد من الفنّانين من «مدرسة تونس» وبالإتفاق المتبادل مع رعاة المعرض، قرّرنا كسر الحدود بين الأجيال ودعوة فنّانين آخرين للإنتاج في تناغم، إن لم يكن في تنافر، مع عمل القرجي.»

افتتح المعرض رئيس الدولة بقصر خير الدين يوم 07 ديسمبر2018 وسيتواصل إلى حدود 31 جانفي 2019. والمعرض من تنظيم كل من مؤسسة «تالان» ورواق القرجي بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة المعلم الكبير.

سيفاجأ المتجوّل في أرجاء المعرض بالأثر الهائل الذي خلّفه القرجي وراءه وبالروح التي كانت تسكنه وجعلته يبدع أثرا يليق باسمه وباسم البلد الذي تحوّل إلى عنوان لمدرسة في الفن التشكيلي: «مدرسة تونس».

في فقرة مقتطعة من حوار للقرجي مع علية حمزة بمناسبة معرض أقامه في فيفري 2003 برواق عمار فرحات، يقول التالي: «عندما أكون في سوق البلاط، العطّارين، نهج الكنز، أكون في عالمي. شخصياتي هنا. إنّها تنتظرني. في هذه الأنهج، أمام هذه الواجهات، التي هي عبارة عن منحوتات. يجب عليّ أن اعيد اختراعها كي تحيا في الحداثة. وانطلاقا من التراث، تلج العالم الأكثر حداثة ما أمكن، وصولا إلى التجريد..».

من المدينة ومن أسواقها وحوانيتها وأزقتها ومن ناسها في طرائق عيشهم بدأ القرجي في الرسم بحثا عن فنّ ساذج وفطري، يستعيد بها عالما طفوليّا ساذجا مهدّدا ستدمّره الحداثة. عالم مرح، شخصياته مطمئنّة لا تعاني من جروح الهوية ولها القدرة على مقاومة شظف العيش بمعجزة الحياة وما راكمته من خبرات. أن تملك حمارا شيء خارق. أن تذهب إلى الحلاّق أو يعترضك في الأزقة بائع مشموم أو «بوسعدية» شيء خارق.

«الرسم هو الشعر» يقول القرجي. ويبدو من تأمّل كلّ الجمال الذي يشفّ من اللوحات أنّ القرجي يصل إلى الشاعرية بيسر ودون أن يبذل جهدا كبيرا. بمجرّد أن يستعمل خطوطا بسيطة أو يمزج ألوانه الساطعة، سطوع ضوء تونس، يرتسم عالم حيّ يشبهنا ويدلّ علينا. وحين يذهب القرجي إلى البحث عن تطوير لغته التشكيليّة لا يضيع في متاهة تقليد المدراس الرائجة. بقي تونسيّا وهو يحاكي، أو ببساطة يستعمل فنّ المنمنمات الفارسي في لوحاته. كما ظلّ تونسيّا وهو يحوّل لوحاته إلى معمار وشخصيياته إلى أشكال تجريدية تحمل فكرة أو إحساسا أو رؤية ما للعالم.

التونسيون حسّيون ومرحون،ذلك ما تقوله لنا لوحات القرجي. كما أنّه يقول لنا لا تذهبوا بعيدا : بإمكانكم أن تلتقطوا خبزكم كفاف يومكم من هذه الأرض. وحتّى في لغته التشكيلية لم يستعرها من الآخرين كما يفعل المعلمون الكبار. القرجي بحث عنها في ثقافته، رسم على الخزف ونسج صوره على النسيج الذي كانت تنسجه النساء في هذا البلد، مستعملا نفس التقنيات التي هي حصيلة خبرات متراكمة على مرّ القرون. كما نحت صوره وشخوصه على الطوب الأحمر. وطوّع الحديد بحرارة يديه لإنجاز منحوتاته. لذلك هو واحد ومتعدّد.

لذلك هو قديم وعتيق وحديث، وحيّ دائما. يكفي أن تتجوّل في معرضه كي تستعيد تونس الضائعة.


كمال الهلالي