الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



في اختتام أيّام الموسيقى العربية بسوسة:

دعوات للحفاظ على التراث الموسيقي المغاربي وتثمينه



يبدو أنّ توثيق الموسيقى المغاربية وتثمينها والسعي إلى الاستثمار فيها وترويجها بما يتماشى وتاريخها وتنوّعها أصبح ضرورة ملحّة.

وهذا ما سعت أيّام الموسيقى العربية بسوسة في رأينا إلى طرحه كمبحث أساسي في دورتها الثالثة التي اختتمت أول أمس الأحد بمشاركة مختصين من بلدان المغرب العربي، وهو ما أكدته الدكتورة عائشة القلالي، حيث تقول «إنّ ندوة هذه الدورة هي محاولة لتثمين التراث الموسيقي المغاربي وتأكيد الرابط الفني والحضاري بين بلدان المغرب العربي».

إنّ اختيار هذا الموضوع ليكون مادة للتباحث والدرس يمثّل محاولة من القائمين على التظاهرة لتسليط مزيد من الضوء على إرث مشترك بين دول شمال إفريقيا التي يجمعها تاريخ واحد، بما يجعل من موضوع التراث الموسيقي تيمة على غاية من الأهمية وجب مزيد التعاطي معها بتخصيص أكثر، وقد وضعت أيام الموسيقى العربية بسوسة خطوة هامة في هذا السياق.

هذا وقد شهدت التظاهرة أياما دراسية حول الموسيقى الأندلسية المغاربية بمشاركة باحثين من دول المغرب العربي، وفي مداخلتها التي بحثت في «خاصيات الموسيقى المغاربية في تونس» أكدت أنّ للموسيقى الأندلسية دورا أساسيا يعكس ما وصلت إليه الحضارة العربية الإسلامية خلال ثمانية قرون في بلاد الأندلس وذلك بين سنتيْ 711 و1492، وخاصة بعد هجرة عشرات الآلاف من الاندلسيين إلى البلدان المغاربية من بينها تونس وخاصة مند القرن السابع عشر الميلادي.

وعرّفت الموسيقى الأندلسية عامة بكونها فنا موسيقيا جامعا ما بين الكلاسيكي والشعبي بتنوع المراجع الموسيقية الغنائية والايقاعية الدينية والدنيوية، فضلا عن كونها مزجا من التراث الشرقي والمغاربي والبربري بتلاقح مع موسيقى شبه الجزيرة الإيبيريةـ مع تعدد تسميات النمط الموسيقي الأندلسي بتنوع وتحول مدارسه من العلاء الى الصنعة الى الغرناطي الى الموسيقى الأندلسية والمالوف في تونس وكل التسميات متعلقة أساسا بالنمط الكلاسيكي الأساسي للموسيقى الأندلسية وهو «النوبة».

وفي سياق مداخلتها طرحت الفنانة سنيا مبارك أكثر من سؤال حول خصائص النوبة في تونس، ودورها في تطوير الهوية الموسيقية التونسية والمغاربية ونشرها.

كما دعت إلى بعث مركز مغاربي للحفاظ على الموسيقى المغاربية وتثمينها، بما أنّها تراث جماعي يتطلب حماية وتثمينا واستثمارا وتساءلت عن الامكانيات المتاحة اليوم لوضع استراتيجية مغاربية مشتركة مستلهمة من ثراء الرصيد الموسيقي الأندلسي المشترك مع الحفاظ على تنوع المدارس.

فيما تطرق الأستاذ أحمد عبدالله دعوب إلى مراحل نوبة المالوف الليبية معتبرا أنّ ليبيا نالت كباقي أقطار المغرب العربي نصيبها من الموروث الفني البديع والمتمثل في التراث الموسيقي الأندلسي والمعروف في ليبيا بفن المالوف، إذ يعد هذا الموروث الفني من أروع وأغنى نماذج الفنون العربية، كونه ثمرة من ثمار الفن العربي القديم في قرطبة واشبيلية وغرناطة في بلاد الأندلس.

وقال دعوب أنّ هذا التراث الموسيقي يتمتّع بفضل تنوعه وثرائه الفني بمكانةٍ مرموقة في ليبيا كما في سائر أقطار المغرب العربي فهو يشكل ثروة فنية ضخمة تزخر بأغنى التراكيب اللحنية والإيقاعية فهو المعبّر عن الذوق والإحساس والمشاعر التي تمت وراثتها عن الحضارات القديمة على مر الأزمنة والأجيال.

وأشار الباحث الليبي إلى أنّ هذا الفن يعتبر الممثل للوحدة التعبيرية في المشاعر والأحاسيس بين أفراد المجتمع المستمدة من التراث الأصيل النابع من صدق الإحساس ورقَة التعبير.

واستعرض في ورقته التي قدمها في الندوة جانباً من سيرة هذا التراث ومحاولة استنتاج ما طرأ عليه من تطوير، والوقوف والتعرف على رحلة التراث مع الإبداع الذي صاحبته في ليبيا، مراوحا في ذلك بين نشأة النوبة الأندلسية وتعريف المصطلح ودخول فن المالوف لليبيا ومراحل تطويره، فضلا عن التأثير الشرقي فيه والإسهام الليبي في إثراء نوبة المالوف.

غياب الوثائق التاريخية الموثوقة

الباحث الجزائري رشيد قرباص والذي قدّم بحثا معمّقا، يرى أنّ أغلب الكتابات حول الموسيقى «العربية-الأندلسية» لم تغص بما يكفي في عمق هذا التراث ويُرجع ذلك إلى أن أصحاب تلك الكتابات مقيدون في الغالب بمجالات خبرتهم والتي هي بعيدة نوعا ما عن أصل الموضوع.

وفي ظل غياب واضح للوثائق التاريخية الموثوقة، قال قرباص أنّ التعاطي مع هذه الموسيقى وصنّاعها كان سطحيا أو بسيطا في مجمله وكان الاهتمام بالشعر الأندلسي أكبر ما فسح المجال أمام تداخل الواقع مع الأساطير فيما يتعلّق بهذا الفنّ حيث تغلب المعلومات غير الدقيقة والعموميات في المقالات النادرة التي كتبها ممارسو الموسيقى الأندلسية، بعيدا عن العمق الذي سيكشف عن الثروة الحقيقية التي تخفيها هذه الموسيقى التي تركها أسلافنا ووصلت إلينا بفضل الانتقال الشفوي حيث حافظت عديد المدن المغاربية عليه مثل فاس ، شفشاون ، تطوان ، تلمسان ، بوغي ، الجزائر العاصمة ، قسنطينة ، تستور ، تونس...

من المفاجئ بالمثل أن نلاحظ أن المقالات النادرة التي كتبها ممارسو هذه الموسيقى تحتوي على الكثير من العموميات غير الدقيقة في حين أن الفحص البسيط وممارساتها والمواد التركيبية سوف تكشف لهذه الموسيقيين عن الثروة التي لا تقدر بثمن لهذا التراث الأسلافي والتي وصلت إلينا بفضل حيوية الانتقال الشفوي والاحتفاظ بها بغيرة في الملاجئ والملاذات الموسيقية للمدن المغاربية القديمة مثل فاس، شفشاون، تطوان، تلمسان، بوغي، الجزائر العاصمة، قسنطينة ، تستور ، تونس العاصمة ...

من أجل المحافظة على الموسيقى المغاربية

في اليوم الختامي انتظمت مائدة مستديرة حول دور الإعلام والدولة في المحافظة على الموسيقى المغاربية افتتحتها الباحثة عائشة القلالي منسقة الندوة بطرح بعض القضايا المتعلقة بجدوى أو مدى أهمية حماية التراث الموسيقي وأشارت إلى تنوع التراث الموسيقي التونسي وعدم اقتصاره على نمط المالوف.

وأثارت بعض التساؤلات حول مكانة هذا النمط في الإعلام اليوم في ظل هذا الحراك الموسيقي الكبير ثم مررت الكلمة للضيوف المشاركين وهم الفنانة سنيا مبارك التي تحدثت عن أهمية دور المبدع الذي عليه أن يمتلك مشروعا موسيقيا متكاملا يمكن أن يكون مستلهما من التراث ولا يجب أن ينتظر دعم الدولة فقط. صديقنا من ليبيا أحمد دعوب تحدث عن تهميش التراث الموسيقي في ليبيا وعدم وجود خطة واضحة لحمايته وتوثيقه. في المقابل نوه بالتجربة التونسية في هذا الصدد.فيما أتى الباحث رشيد قرباص من الجزائر على فرادة التراث الموسيقي المغاربي وشدّد على ضرورة التعاون بين البلدان المغاربية لإعطاء هذا التراث حقه.

عروض موسيقية

يُذكر أن أيام الموسيقى العربية بسوسة في دورتها الثالثة تنظمها جمعية نادي السنباطي للموسيقى العربية بدعم من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بسوسة، وفضلا عن الندوة العلمية أو الأيام الدراسية العلمية، كان جمهور الموسيقى على موعد مع عروض على درجة كبيرة من الإبداع والحرفية العالية أمّنها في ليلة الإفتتاح جوق مدينة سوسة للمالوف والموسيقى المغاربية الأندلسية بعنوان «عبق الأندلس» بمشاركة الفنان نبيل خليفة، ف يما كان العرض الثاني والذي حمل عنوان «عمري للفن» بإمضاء جمعية نادي السنباطي للموسيق العربية بمشاركة الفنانة محرزية الطويل.


صالح سويسي