الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



حسن بن عثمان يقدم كتابه الجديد في دار الثقافة ابن رشيق:

«تونس السكر، أنا» رصد لبعض الظواهر في المجتمع التونسي



انتظمت عشية السبت 18 مارس في قبو دار الثقافة ابن رشيق جلسة أدبية لتقديم كتاب الكاتب والزميل الصحفي حسن بن عثمان الذي جاء حاملا عنوان «تونس السكرانة متى تصحو؟ هل تصحو؟» الصادر عن دار «نحن» للإبداع والنشر والتوزيع لصاحبتها زينب بن عثمان (ابنته الكبرى).

الإصدار الجديد قدمه السيد شكري لطيف مدير الفضاء الحاضن لهذا اللقاء وقد استهله بالحديث عن علاقة الصداقة القديمة التي تجمعه بالكاتب حسن بن عثمان منذ منتصف الثمانينات عندما كانت الرقابة على الابداع والمبدعين تخنق البلاد، وفي هذا السياق ذكّر بمقال كتبه سنة 1988 عن حسن الذي كاد يفقد الصواب مثل بطل روايته «عباس يفقد الصواب» لأنه كان محل تتبّع من قبل السلطة.

وأضاف مقدم الجلسة أن «تونس السكرانة» كتاب مهم من حيث أنه يوثق لفترة هامة من تاريخ الثقافة التونسية باستعراضه تراجم مختصرة لشخصيات كان لها دور فعال في الحركة الثقافية أمثال الصغير أولاد أحمد وحاذق العرف والصادق بوعبانة وأبو زيان السعدي والدكتور عبد المولى، محافظا بذلك على الذاكرة الجماعية خاصة من خلال علاقة قربه بهذه الشخصيات التي صادقها وعايشها. وذكر أن حسن بن عثمان تطرّق في هذا الكتاب إلى ظاهرة مسكوت عنها وهي الخمر تعاطيا واستهلاكا في مجتمع ينظر إليها من باب التحريم، معرّجا على الناحية القانونية والتشريعية التي تمنعه منذ الفترة الإستعمارية وحكم البايات ورغم ذلك فهي متفشية وتعكس في نفس الوقت حالة الفصام والرياء والنفاق الاجتماعي، علاوة على أن علاقة العربي بالخمر ضاربة في التاريخ تتجلّى من خلال كثافة الأشعار المتوفرة منذ الجاهلية وتواصلت مع ظهور الإسلام وبعده، تحيل عليها مجالس الأنس في المدينة وفي دمشق عاصمة الأمويين وبغداد عاصمة العباسيين وفي الأندلس وأدب الخمريات.

ومن المسائل الهامة في كتاب حسن بن عثمان تعرضه إلى ظاهرة استحداث نظام بن علي لخمارات من نوع خاص تحت مسميات مختلفة: دار الصحفي ودار الكاتب ودار المحامي في محاولة لاستدراج وترويض النخب...وختم شكري لطيف تقديمه بقوله أن حسن سار على خطى علي الدوعاجي في كتابه «جولة في حانات البحر الأبيض المتوسط» حيث تجول بالقارئ في حانات الوطن القبلي معرجا على حانات تونس التي أحدثها بن علي.

من جهته أكد حسن بن عثمان أن كتابه لا علاقة له بالفقه ولا بعلم الاجتماع وإنما هو كتاب ثقافي يحاول تدوين بعض الظواهر والمظاهر التي يرصدها في مجتمع عربي يجتمع فيه المقدس بالمدنس (قرب المساجد من الحانات) وتغيب فيه أرضية فكرية تفسر هذه الظاهرة، وأضاف أن مسألة الخمر في تونس تطرح أسئلة خطيرة في الحرام والإباحة والاستباحة والتلاعب بالقوانين وفقه الواقع، وهو ما يمزّق الشخصية التونسية المسجونة في الفقه القديم وما انفرط من عقود الزمان الماضية، هذه الأسئلة هي مفتاح من مفاتيح التجديد في وعينا بأنفسنا ووعينا بالتاريخ وبالواقع الاجتماعي الراهن، والمرهون بأغلال الجمود والبؤس الفكري السائد السيّد، الذي يهيمن عند أهل الحلّ والعقد والمراجع المستقرّة التي لا تتزحزح عن استقرارها الماضي، في غياب فادح لثقافة السؤال والمكاشفة والبحث في النصوص وفي أرض الواقع عن حلول تناسب التعاقد المعنوي والضميري المعلن في مجتمع يتبدّل ويتحرّك مكبّلا بالقيود والتكلّس الذهني والروحي. وفي ظل هذا الجمود وقهر ثقافة التجديد والتأصيل على غير مثال تتمسّك النخبة، السياسية منها والفكرية والاقتصادية والتربوية، بالسائد الفاسد لتواصل هيمنتها عليه وتواصل اشتقاق سلطتها منه، في ضرب من إعادة إنتاج الفقه القديم وتكرار إنتاجه وتأبيد إنتاجه بصورته القديمة، حيث تشكّل المحافظة على السائد سبب كل فساد وجودنا.

ثم عرّج بن عثمان في حديثه على بعض الآيات القرآنية التي لم تحرّم شرب الخمر وإنما دعت إلى اجتنابه كما استحضر بعض الشخصيات التاريخية كهارون الرشيد الذي لم يكن يشرب الخمر وإنما كان يشرب النبيذ حسب ما ورد في مقدمة ابن خلدون، مستخلصا بأسلوبه الطريف أن شرب الخمر مباح أما السكر فهو حرام وهذا ما ساهم في تمزق الكائن المسلم... ومن هنا كان العنوان الفرعي: سرديات في بلاد مسلمة بلا لغز ولا بوصلة.

في هذه الجلسة حضر الفنان سمير العقربي صديق الكاتب وفي كلمته تحدث عن عنوان الكتاب «تونس السكرانة» وأشار إلى أنه الأصح أن نقول «تونس السكرى» وهي مسألة ناقشها مع بن عثمان الذي قام بمراوغة لغوية فحوّلها إلى «تونس السكر، انا»، مضيفا أن حسن لا يشبهنا وليس على الأديب أن يكون شبيها بالشعب، وإنما على الأديب أن يحلم ويحملنا إلى حلمه ويوجه إصبعه إلينا. كما ذكر أنه قرأ الكتاب وآلمه الجانب الخاص بالوشايات (والتي يسميها حسن سرديات) التي عانى منها المثقف التونسي في زمن الديكتاتورية.

في هذا اللقاء الحميم الذي حضره أصدقاء الكاتب وعائلته تحدثت زينب بن عثمان عن دار النشر الفتية «نحن» التي أعلنت عن وجودها بهذا الإصدار الأول وتطمح إلى أن تكون دارا يحيى فيها قرّاء الكتاب وينتعش النشر وفق شروط الجودة العالمية ومواصفات سوق الكتب الموثوق بها في انتاج الكتاب الورقي.

 

 


متابعة: ناجية السميري