الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



«قضية رقم 23 » لزياد دويري: الفيلم الذي ظلمته «الصدمة»

لا أحد من حقّه احتكار المعاناة



«ليت شارون محاكم على بكرة أبيكم»..عبارة أقامت الدنيا ولم تقعدها أدت إلى قضية حملت رقم 23 في السجلات القضائية اللبنانية إثر خلاف بين رجلين: لاجئ فلسطيني ولبناني مسيحي، تحوّل إلى قضية رأي عام لها مؤيدون ومعارضون من الجانبين... من النادر أن نجد قضية يكون فيها كل طرف بريئا ومتهما في ذات الوقت... فإذا برّأته أحداث القضية تدينه الذاكرة المثقلة بجراح الماضي... «قضية رقم 23» سيناريو وحوار زياد دويري أداء عادل كرم وكامل الباشا وريتا حايك وكميل سلامة وكريستين شويري وآخرون...

الشريط الذي عرض مساء الأربعاء 8 نوفمبر في إطار المسابقة الدولية للأفلام الوثائقية الطويلة كان مسبوقا بوقفة احتجاجية أمام قاعة الكوليزي تنادي بمقاطعة التطبيع والمتطبعين على خلفية أن المخرج اللبناني/الفرنسي زياد دويري صوّر فيلمه السابق «الصدمة» بإسرائيل ومع ممثلين إسرائيليين علاوة على طلب مكتب مقاطعة إسرائيل التابع للجامعة العربية الدول الأعضاء بمنع عرضه في الصالات اللبنانية سنة انتاجه (2013) لكن بطل الفيلم أجاب عند تقديم فريق العمل أن المحتجين لا يعلمون أنهم فوّتوا على أنفسهم مشاهدة فيلم رائع.

منذ البداية يحدد المخرج شخصيات شريطه «قضية رقم 23» حيث نشاهد البطل طوني يدمن على سماع خطب أمين جميل القائد العسكري للقوات اللبنانية لنعرف انتماءه الحزبي والسياسي وتعصبه... على الطرف الآخر نتابع ياسر اللاجئ الفلسطيني المقيم في مخيم اللاجئين بلبنان يتفقد أشغال البناء بحكم عمله كمهندس مكلف بترميم المنازل وبالصدفة كان طوني يسقي نباتاته بالشرفة وتنزل المياه فوق رأس ياسر لتغرق ملابسه، يبادر ياسر بإصلاح المزراب لكن طوني الذي علم من لهجة هذا الأخير أنه فلسطيني يكسّر ما تم إصلاحه... يتبادل الاثنان نظرات الحقد ثم يوجه ياسر لطوني شتيمة يتجه بعدها طوني إلى الشركة ويقدم شكوى ضد ياسر وهو يعلم حساسية وضعه كلاجئ ويطالب مديره بإجباره على الإعتذار، لكن ياسر يرفض ذلك متمسكا بالصمت. وفي غمرة غضب يقول طوني «ليت شارون أبادكم على بكرة أبيكم» عندها يوجّه له ياسر لكمة قوية تسببت له في كسر بضلعي الصدر... من هنا يتحوّل الخلاف بينهما إلى قضية تفضح ما ظل مسكوتا عنه لسنوات حفاظا على السلام العام ليعود إلى ما حصل خلال الحرب الأهلية اللبنانية والتي شهدت فيها الضيعة (دامور) التي ولد وعاش فيها طوني طفولته مجزرة حمّلت أوزارها لمسلحين فلسطينيين وهذا بالتحديد ما خلّف الضغينة والحقد في قلبه وفجّرهما في وجه ياسر الفلسطيني.

وبتدرج درامي يبدأ المخرج في تحليل أسباب الإنقسام السياسي والطائفي في لبنان من خلال قضية لا يجدها المشاهد مفتعلة بطلاها من بيئتين مختلفتين دينيا واجتماعيا ورغم هذا الاختلاف فهما وجهان لعملة واحدة، كلاهما ضحية سياسة وحرب خلفت آثارها العميقة الدامية.

تلك القضية انتصب لها محاميان هما أب وابنته الأول كان يدافع عن كبار المسؤولين الحاملين لنفس الاتجاه السياسي الذي يمثله طوني، أما الابنة فتتعامل مع القضية من منطلق حيثياتها وترفض أن يدفع موكلها ياسر ضريبة تلك الحرب لأنه هو أيضا ضحية... والقضية ليست محسومة سلفا ولا يحتاج القاضي فيها إلى أدلة وبراهين طازجة تتعلق بالحدث زمن وقوعه لإثبات من منهما المذنب لأن الجملة التي قذف بها طوني حنا في وجه ياسر سلامة أولا «أنتم شعب بلا أصل» ثم «ليت شارون محاكم عن بكرة أبيكم» كانتا بداية لقضية أخذت شكل كرة الثلج كلما حرّكها أحد تأخذ حجما أكبر، وما أكثر الذين دحرجوا الكرة في اتجاه التصعيد: المحامون والإعلام والشارع والمنظمات...

وفي المحكمة تلتبس الأمور وتتشابك بين جراحات اللاجئ ياسر المبعد عن أرضه ووضعيته في بلد الملجأ وبين جراحات الحرب الأهلية التي عاشها طوني في بلده ومخلفاتها الاجتماعية والنفسية...هما متحاربان في الماضي ومتخاصمان في الحاضر ويتطور السرد الدرامي في سياق سبب ونتيجة كل حجة تواجهها حجة وكل جرح يقابله جرح من الماضي الغابر، وقضية رقم 23 المنشورة أمام القضاء والتي يتابعها شعب بأكمله بمن فيهم رئيس الدولة لم تكن بسبب العنف اللفظي والمادي الذي تبادله طوني وياسر وإنما بسبب الذاكرة الثقيلة لكليهما وسببها الصمت الذي خيم على القضية الأصلية والدليل أن طوني عندما أحضر محاميه فيديو إلى قاعة المحكمة يستعيد أحداث أيلول الأسود ومجزرة دامور التي غادرها قبل أكثر من أربعة عقود نراه يعود إلى قريته التي أعيد تعميرها ويستلقي على أرضها في إشارة واضحة إلى تصالحه أخيرا مع ذاكرته.... قبل الجلسة الختامية يزور ياسر حنا في مستودعه ويتجادلان من جديد وهذه المرة يوجه طوني لكمة لياسر يعتذر إثرها ياسر، الإعتذار الذي طالب به طوني من البداية، ينتهي الشريط بإعلان المحكمة أن ياسر سلامة ليس مذنبا، يبتسم طوني وتحسم القضية.

لم يحاول المخرج زياد دويري أن يرجّح كفة ضد أخرى في هذه القضية الشبيهة بحرب الذاكرة والذكريات وإنما عمد بنضج سوسيولوجي ونفسي إلى تحليل أسباب الانقسام السياسي والطائفي في لبنان من خلال فيلم قوي وجريء يسمي الأشياء بمسمياتها وهو يدفع بالأحداث عقدة بعد أخرى ليفككها في النهاية باتجاه سلام حقيقي يرفض التمويه والمواقف الضبابية.

«القضية 23» قوبل بتصفيق كبير من قبل الجمهور وتنبأ له كل الصحفيين والسينمائيين الذين صادفناهم بأكثر من تتويج أهمها جائزة السيناريو، لكننا فوجئنا عند الإعلان عن نتائج مسابقات الدورة الثامنة والعشرين لأيام قرطاج السينمائية بغياب «قضية رقم 23» عن قائمة الجوائز ونعتقد أن الضجة التي أحدثها الشريط بسبب تصوير زياد دويري لفيلم «الصدمة» في إسرائيل والاحتجاجات التي عقبت ذلك بالمجلات والصحف وعلى مواقع التواصل الاجتماعي واتهامه بالتطبيع أثرت على حرمان هذا الشريط الجريء والقوي من جوائز كثيرة، فهل كانت لعـنة «الصــدمة» تطارد «قضية رقم 23» ؟؟؟

 


ناجية السميري