الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة


لقاءات مهرجان المسرح العربي:
الناقد فرحان بلبل صاحب كلمة اليوم العربي للمسرح

التحايل على الرقابة هروب لا مجابهة...والخطاب المباشر مطلوب في الوضع الراهن



منذ انطلاق النسخة العاشرة لمهرجان المسرح العربي (من 10 إلى 16 جانفي ) وضمن الفعاليات الثقافية الموازية تنظم الهيئة العربية للمسرح لقاءات يومية مع أبرز وجوه المسرح العربي من نقاد ومخرجين وكتّاب يساهمون في تأثيث هذا الحدث بتقديم رؤاهم وتجاربهم وتحليل أبرز ملامح المسرح العربي عبر محطاته التاريخية الفارقة، من بين الوجوه التي التقاها ضيوف المهرجان وجمهوره وفريقه الإعلامي صبيحة الأربعاء 10 جانفي الناقد والكاتب المسرحي السوري بلبل فرحان الذي خطّ رسالة اليوم العربي للمسرح 2018 والتي طالب فيها بتحرير المسرح من كل القيود:«نريد أن يكون المسرح حرا... نريد أن تقفل مخافر الشرطة في عقول المبدعين، نريد أن تتحطّم القيود المفروضة على ألسنة المسرحيين وعلى أفكارهم...».

فرحان بلبل صاحب مسيرة تجاوزت أربعة عقود من الممارسة المسرحية نقدا وكتابة ومشاركة في لجان تحكيم تظاهرات مسرحية علاوة على عضويته في اتحاد المسرحيين العرب وتأليفه لثلاثة عشر كتابا. وعلى امتداد الأعوام التي اشتغل فيها الأستاذ فرحان بالمسرح كانت له فيها مجموعة قواعد سار عليها «وهي أن يعالج مسرحه هموم وقضايا عصره وأن يتوجه إلى الجمهور العريض في شرائحه كافة، وأن يكون ممتعا مثيرا فاتنا» معرّجا على تجربته الشخصية في المسرح السوري والعربي الذي خبره وأدرك الكثير من خصائصه وميزاته وعيوبه، ووجد أنه يتنوع في أقطاره تنوّع الإبداعات الخاصة بكل قطر كما أنه يتمتّع بخصائص واحدة رغم كل التباينات والتناقضات فيه وهو ما قاده الى سؤال مهم يليق بهذا اليوم: «هل المسرح العربي المعاصر بخير؟».

حاول الأستاذ فرحان الإجابة على تساؤله هذا ذاكرا أن المسرح العربي قبل القرن العشرين عرف تفننا وإتقانا في الكتابة والإخراج والتمثيل وبقية أشغاله المتممة له لكنه ومنذ أواخر القرن العشرين إلى اليوم شهد اضطرابا وضياعا فهو متخبّط في أشكاله عاجزا عن تأدية مهمته الاجتماعية والفنية والجمالية وهو ما جعل جمهوره ينفضّ عنه ما عدا نخبة ثقافية أو شبه ثقافية...

وقد فسّر الوضع الذي صار عليه المسرح العربي بارتباطه الحتمي بأوضاع الوطن العربي وتمزّق بعض أقطاره ورغبته في التغيير الاجتماعي مؤكدا على أن المسرح العربي متوقف في بعض مدنه وضعيف في بعض مدنه ومكبوح مقيد في كلّ مدنه... وقد رأى الحضور المواكب لهذا اللقاء وخاصة منهم الإعلاميون أن هذه نظرة تشاؤمية ومجانبة للواقع أوجبت تدخل الزملاء الجزائريين للدفاع عن مسرحهم الذي لا يخلو من طرح سياسي وتوجيه النقد للسلطة معتبرين أن المسألة متعلّقة أساسا بذكاء صنّاع العمل وقدرتهم على المراوغة لقول الأشياء بأسلوب يتوفّر على الدلالات والرموز واستشهدوا بعناوين كثيرة اعتلت صهوة النقد الجريء لما يحدث في مجتمعها ورفعت أصابع الاتهام محمّلة مسؤولية ما يحدث للسلطة الحاكمة وبطانتها، نفس الشيء بالنسبة الى الزملاء التونسيين الذين اعتبروا أن المسرح التونسي ومنذ علي بن عياد كان رائدا في جرأته لصيقا بأحوال الناس علاوة على أنه بعد الثورة شهد طفرة على مستوى الإنتاج الذي استغل مناخ حرية التعبير ليكتب واقعه الجديد برؤى اختلفت وتعددت زواياها، لكن ذلك للأسف لم يمنعه من السقوط في فخ الخطاب المباشر على حساب الطرح الجمالي.

وقد كان جواب الأستاذ فرحان على ذلك مقتضبا «هنيئا لكم» وهو الذي قال عن رسالته المنشورة كاملة بدليل المهرجان أنها خرجت من قلب مأزوم كتبها بيد مرتجفة رغم التضييقات التي تعرض لها والمحاصرة على نصوصه إلا أنه قال للمبدع الذي يسكنه «قل كلمتك وليكن ما يكون» مضيفا أن أكثر ما يؤذيه هو أن السوريين لا يتمتّعون بحرية كاملة...

وفي حديثه عن ضرورة ارتباط المسرح بواقعه ذكر لقاءه في القاهرة بمسرحي عراقي قدم مسرحية «أنتيغون» وكانت الهيئة المنظمة للمهرجان تنفق على ضيوفها ببذخ حيث استخلص بلبل بأنه لا يمكن لدولة عربية أن تتحمل كل تلك النفقات دون أن تكون وراءها أطراف دخيلة توجّه التظاهرة حسب مصالحها فكان سؤاله لصديقه: « أنتيغون» لسوفوكل؟؟؟ وعراقك الجريح من سيهتم به؟

هذه الحادثة شبّبها كاتب رسالة اليوم العربي للمسرح بحوادث أخرى كثيرة بمعنى أن بعض المسرحيين العرب يتركون أوجاعهم وانكساراتهم ويشتغلون على نصوص كلاسيكية مما يطرح سؤالا آخر بإلحاح ووجع: «هل هو عمل مسرحي أم هروب من الحياة؟» مؤكدا على أن المسرح يشتبك بالضرورة بحياة الإنسان ويحمل أوجاعه وأحلامه وخاصة أسئلته.

وفي قوله أن كل الدول العربية تعاني من الكبت وأن المسرحيين واقعون تحت ضغط الرقابة الذاتية ورقابة السلطة وذهب النقاش حول هذه المسألة إلى وضع المسرح العربي بعد الثورات العربية وهنا أكد الأستاذ أن كل ما يجري على المسرح العربي هو مخاض موجع وطويل وأن التغييرات الحاصلة في العقلية لم تظهر إفرازاتها بعد... «ستنفجر كلها بأشكال جديدة يوما ما» مضيفا أن هذا المسرح العربي الجديد سيكون مختلفا عما نعرف وهو ما ستدركه الأجيال القادمة مستفيدة من التجارب الطويلة ومستوعبة لها لتعيدها خلقا جديدا يدخل بالمسرح العربي مرحلة أخرى.

وعن الخصائص المشتركة بين المسرحيين العرب تطرّق بلبل إلى معضلة اللهجة العامية مقترحا أن تكون كل المسرحيات ناطقة بلغة واحدة هي العربية ليحصل التفاعل ويسهل التدوين وهنا تدخل الدكتور سيد علي المصري لمساندة المقترح موضحا أنه يرغب أحيانا في تدريس طلبته نصوصا مسرحية تونسية لكنه يصطدم بحاجز اللهجة مقترحا بدوره أن يقدم المسرحي عمله باللهجة التي يريدها شرط أن تكون مرفوقة بنصوص عربية للدراسة والتحليل... وقد أثار هذا المقترح جدلا في صفوف الحاضرين الذين اعتبروا العامية لغة مكشوفة، لا تختفي وراء قناع، لها خصوصية مجتمعها وتفاصيله وما يدلّ عليه وعلى الراغبين في معرفة مسرحنا أن يتحلوا بالصبر وبذل القليل من الجهد لفهمنا وهذا الكلام للتونسيين وأشقائهم في المغرب العربي الذين يتميّزون بقدرتهم على فهم كل اللهجات العربية واستيعابها على عكس الجمهور العربي في الشرق، وهذا الأمر فاجأ الأستاذ فرحان الذي تساءل بإنكار: «هل تفهمون لهجتنا؟» وعندما جاء الرد بالإيجاب تفاجأ وأجاب «جميل» وربما كان غافلا أنه على امتداد الجلسة كان متحدّثا بلهجته السورية ولا أحد طالبه بتفسير.

«نريد أن يكون المسرح العربي حرا وأن يزول الخوف من قلوب المسرحيين وأن تقفل مخافر الشرطة في عقول المبدعين...» أكد الأستاذ بلبل فرحان على قوله هذا حتى وإن كان الخطاب المسرحي مباشرا (وهو مطلوب الآن) لأن التحايل على الرقابة لن يكون إلا تحجيما وإعاقة لقدرة المسرحي العربي، سيكون ذلك هروبا ولن يكون مجابهة... هكذا يرى الأستاذ فرحان مسرح اليوم أو هكذا يريده متخليا عن دلالاته وفخاخه ربما ليتجاوز حلقة جمهوره النخبوي وتتوسع دائرته فهل يمكن تحقيق هذه المعادلة دون التخلّي عن جمالية الخطاب وغواية مراوغة الرقيب التي كانت دائما لعبة مسليّة لدى المبدع؟

 


ناجية السميري