الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

ثقافة



في أربعينية الراحل «عمار الخليفي فجر السينما التونسية»:

شهادات الأصدقاء تكشف عمرا من السينما والكتابة



أربعون يوما مرّت على رحيل السينمائي التونسي عمار الخليفي (1934/2017)، ذكرى نظّمت لها وزارة الشؤون الثقافية والمندوبية الجهوية للثقافة بتونس أمسية عشية السبت 10 فيفري حملت عنوان «عمار الخليفي فجر السينما التونسية» حضرها عديد السينمائيين التونسيين الذين عملوا معه وعاصروه والذين يمثّلون أجيالا مختلفة لتاريخ السينما التونسية نذكر من بينهم محمد دمق ومراد بالشيخ ومختار العجيمي وفتحي الدغري وحبيب المستيري وخالد البرصاوي والناصر القطاري ومنير بعزيز... هذه الأربعينية انطلقت بتدشين معرض وثائقي تضمّن مجموعة صور للراحل عمار الخليفي في مراحل مختلفة من حياته التي قضى جزءا منها عاملا في الحقل السينمائي الذي أحبّه رغم صعوبة البدايات وشحّ موارد الدولة لتحقيق حلم الصورة الذي سكنه. في المعرض صور جسّدت لقطات من أعماله والتي ضمّت عديد الوجوه الراحلة من الجيل الأول للممثلين التونسيين أمثال زهرة فايزة وجميلة العرابي ومحمد ممدوح ومختار حشيشة وغيرهم كما ضم المعرض أغلفة لكتبه التي أرّخ فيها بكثير من الحب والدقّة لمراحل هامة من تاريخ البلاد على غرار «المنصف باي ملك شهيد» و«بنزرت معركة بورقيبة» و«اغتيال صالح بن يوسف» و«تاريخ السينما في تونس»...

 

عمار الخليفي الذي فارق الحياة والمشهد الثقافي ذات 30 ديسمبر كان له شرف كتابة وإخراج أول شريط سينمائي طويل تونسي بعد الإستقلال «الفجر» سنة 1966 لكن رحلته السينمائية لم تبدأ في ذلك التاريخ لأنه أنجز قبله مجموعة من الأشرطة القصيرة والمتوسطة منها «صفحة من تاريخنا» و«عم مصباح في المدينة» و«المتطوعون» (1961) و«الحج» و«حليمة» و«الهواء الطلق» (1963) و«غرام وغيرة» و«عنتر كبش العيد» و«خميس ترنان» (1964) و«مأساة بدوية» (1965) وأفلام أخرى مثّلت وثائق سينمائية هامة بعضها فني وبعضها اجتماعي والآخر اهتم بتاريخ الحركة الوطنية... ولفيلم «الفجر» حكاية خاصة تابعها الجمهور الذي حضر أربعينية الفقيد من خلال الحوار الذي أجرته القناة الوطنية معه وأعيد بثّه يوم السبت وخلاله ذكر أن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة كان أول من شجّع عل صناعة الصورة في تونس ومن ثمّة أعلن وزير الثقافة الشاذلي القليبي أنه سيدعم كل مشروع سينمائي متكامل ولم يكن عمار الخليفي أول من تقدّم بمشروع لكنّه كان الوحيد سنة 1966 فكان فيلم «الفجر» بساعة ونصف الذي قام بأدواره كل من أحمد حمزة ومحمد الدراجي وجميلة العرابي وحبيب الشعري وأنجزت كل عملياته التقنية بباريس لعدم توفر مخابر للسينما بتونس في تلك الفترة. في فيلم «الفجر» تناول عمار الخليفي مسألة الكفاح الوطني الذي لا يزال تحت تأثيره بعد عشر سنوات من الإستقلال مؤكدا أنه كان خيارا شخصيا لم يمله عليه أحد أو يعارضه فيه أحد. ثم واصل نفس التوجه في أفلامه التالية «المتمرّد» 1968 و«الفلاقة» 1970 و«صراخ» 1972 و«التحدي» 1985 الذي انصرف بعده للكتابة تاركا لغيره هذا المجال الصعب، شحيح الموارد بعدما كان مؤسسا حمل السينما التونسية للخارج وجلب لها جوائز وتتويجات وبعدما كان وراء الكاميرا حارسا للتاريخ من خلال عينها صار يدوّن هذا التاريخ لتقرأه الأجيال القادمة.

خلال الأربعينية قدمت سلوى محمد الفنانة القديرة التي كان الراحل أول من اكتشفها ومنحها بطولة شريطه الطويل «صراخ» شهادة عن عمار الخليفي المخرج والإنسان قالت فيها أنه أول من علّمها التمثيل والوقوف أمام الكاميرا في زمن لم تكن تعرف ما تعنيه كلمة إخراج، تحدّثت عن ذكائه في ربح الوقت والاقتصاد في المصاريف علاوة على علاقاته الطيبة التي ربطها مع الناس في أماكن التصوير، وأضافت أن بفضل عملها مع عمار الخليفي خرجت إلى العالم وتذوقت طعم النصر بما حصده من جوائز وحملت على الأعناق في موسكو ولم يتجاوز عمرها سبعة عشر عاما ونصف... أما المخرج الناصر القطاري فقد بدأ شهادته بقول المسعدي «لا يهم اختيار الطريق ولكن المهم إرادة الطريق» مضيفا أن عمار الخليفي أراد هذا الطريق لأنه كان أول من قدّم ملفا لوزارة الثقافة والوحيد المتحمّس لتأسيس مشهد سينمائي تونسي يشبهنا ويحكي لغتنا وواقعنا وتاريخنا، كان رجلا وطنيا بأتم معنى الكلمة يهتم بالمصلحة العامة قبل كل شيء وكان سباقا في ترؤس أول نقابة للمخرجين التونسيين لأنه كان قادرا على جمعهم حوله ببساطة لقدرته العالية على الإقناع وحبهم واحترامهم له. الناقدة السينمائية والإعلامية نايلة الغربي تحدثت بدورها عن العلاقة التي كانت تربطها بالراحل ولقاءاتهما المتكررة بحكم وجود مكتبه قريبا من محل سكناها وذكرت أنه عندما يفتح شرفة مكتبه يطل على ثلاث قاعات سينما بالعاصمة وهو ما مكّنه من رصد حركة الجمهور وإيقاع الفيلم والنجاح الذي يمكن أن يحققه وهو ما يعني أن عينه كانت دائما على السينما التونسية وأضافت أنه كان شغوفا بجمع الوثائق والصور شغفه بالتاريخ الذي قاده إلى السينما حيث ركّز في جل أفلامه على فترة ما قبل الإستقلال حريصا على تدوينها بالصورة لتظل عبرة للأجيال وأكدّت نايلة الغربي أن انقطاع الخليفي عن الممارسة السينمائية لم يكن بهدف التفرّغ للكتابة وإنما بسبب غياب الدعم، وقد كان حريصا كل الحرص على كتابة تاريخ البلاد بدقة دعته إلى السفر في أكثر من مناسبة إلى فرنسا والإطلاع على عديد المراجع التي أثرى بها إصداراته، مضيفة أنها من خلال أحاديثها مع عمار الخليفي علمت أنه كان يتوقع تكريمه في دورة 2016 لأيام قرطاج السينمائية التي تزامنت مع خمسينية السينما التونسية وأراد ذلك بشدة لكن الهيئة المديرة للمهرجان تجاوزته وخيبت أمله... عائلة الراحل الموسّعة كانت حاضرة بالأربعينية عشية السبت وكذلك عائلته الصغرى ابنه سهيل وحفيدته مريم وابنته ولأن المقام مقام فقد وغياب عجزت ألسنتهم عن إيجاد كلمات مطولة تحكي خصال عمار الخليفي الإنسان فاكتفوا بالترحم عن روحه وتذكّره بفخر.

بمناسبة الأربعينية أعدت وزارة الثقافة كتيّبا يلخّص سيرة السينمائي عمار الخليفي: أعماله السينمائية الطويلة والقصيرة وإصداراته ونص كتبه الطاهر شريعة عنه ترجمه محمد معالي ونشرته مجلة «نوادي» بعنوان «من خصال عمار الخليفي» وشهادة كتبها أحمد الخشين بعد الوفاة «عمار الخليفي في قلوبنا» و«سينما عمار الخليفي: الزعيم والشعب» للناقد الهادي خليل و«عمار الخليفي والرحيل المر» لحسونة المصباحي و«مخرج شعاره التحدي» لفتحي الخراط ومقتطفات من الصحف عن عمار الخليفي «صبر طويل» عن جريدة «العمل» كما كتب المخرج عبد اللطيف بن عمار ونايلة الغربي شهادتين باللغة الفرنسية، الأولى بعنوان مختصر «عمار» والثانية «عمار الخليفي مؤسس السينما التونسية» كما تضمن الكتيّب مجموعة من الصور للفقيد جمعته ببعض الأصدقاء من المشهد الثقافي أو بفريق التمثيل الذي تقمّص شخصياته وصور أخرى لمعلقات أفلامه وصورة جمعته بصديقه الطاهر شريعة وأخرى بالزعيم الحبيب بورقيبة وكذلك صور فردية بقبّعته الفرنسية وضحكته العريضة محتضنا كتبا أفنى عمرا في تدوين صفحاتها.

كان لا بد في هذه الأربعينية من العودة إلى بدايات السينما في تونس، هذه البدايات التي كان بطلها الأول ورائدها فتم عرض الشريط الطويل «صراخ» بحضور بطلته سلوى محمد، الشريط الذي كان بمثابة وثيقة سينمائية واجتماعية تكشف عن جانب هام من العادات والتقاليد بالأرياف التونسية في بداية السبعينات وتعلق المجتمع بمفهوم الشرف والثأر انطلاقا من قصة حب جمعت بين الشابين هادي وسالمة... فيلم تابعه الجمهور بعين أخرى وقراءة مغايرة لم تخرجه عن سياقه (زمن التصوير) وكان مناسبة للحديث عن التقنيات المتاحة في تلك الفترة والكتابة السينمائية الخاصة بالراحل عمار الخليفي.

 

 


ناجية السميري