الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مرافئ



ماذا تعرف عن شخصية أوسو؟

من إلاه للبحر إلى أمثال شعبية وانتهاء إلى مهرجانات صيفية


تعيش شواطئ مدينة قابس خلال هذه الفترة من السنة على إيقاع فعاليات مهرجان أوسو الذي يجمع في برنامجه بين الفقرات الترفيهية والتثقيفية، وتمتد العروض المبرمجة به على شواطئ الزارات وغنوش والكازما والكورنيش والبنقلو والمطوية، أما مدينة سوسة فإنها تعيش أيضا سنويا ومنذ تسع وخمسين سنة على وقع استعراضها الدولي الشهير أوسو، الذي يقع تقمص شخصيته من قبل أحد الممثلين بدءا من الممثل حامد زغدان في مطلع الاستقلال إلى الممثل بوراوي الوحيشي في السنوات الأخيرة.

وما يهمنا الإشارة إليه هنا هو أن الذاكرة الشعبية التونسية هي واحدة في كل مناطق البلاد وليس أدل على ذلك من وحدة المعاني والتصورات لدى سكان كل جهة، الأمر الذي نستخلصه من ترنّم أهالي قابس بأغنية تراثية هذه كلماتها: «يا بحر أوسو جيناك نعسّوا، ونحّ علينا ما نحسّوا، وأعطينا ما اندسّوا» بينما يتغنّى أهالي سوسة بكلمات «يا بابا أوسو نحّيلي الداء إلّي انحسوا» أو «يا اميّة أوسو نحّيلي ما انحسّوا»... وكثير من العائلات التونسية تستعد بموروثها المحلي الخاص للفترة الزمنية التي تُعرف بأيام أوسو -وفيها اختلاف في تحديدها حسب طبيعة التقويمات الزمنية، لكنها تتفق في أقصى أيام السنة حرارة في العادة وهي بين شهري جويلية وأوت من كل عام- على غرار العائلات الجرجيسية التي تراهن خلال هذه الفترة الصيفية على فوائد زيت الزيتون أكلا وطلاء عملا بمثلها المأثور: «في أوسو زيتك ما ادّسو».

وبصرف النظر عن النظرة الدينية المسطحة التي ترى في المسألة رواسب وثنية ترجع إلى العهد الروماني بالبلاد التونسية فإنه يمكن ملاحظة كيف أن التاريخ التونسي على اختلاف حضاراته وشعوبه لا يكون مختزلا كما نتصور في الفترة العربية الإسلامية لأنه تاريخ عريق يعود إلى ثلاثة آلاف سنة وما يزال تأثيره قويا ومتوارثا إلى اليوم من جيل إلى آخر دون انقطاع.

وإجمالا فإن للبحر منزلة رفيعة في حياة الشعب التونسي، كما أنّ له رمزية عميقة في ذهنية أفراده وفي نفسياتهم، غير أنه لا يقع الانتباه إلى جمال البحر ودلالاته الرمزية إلا بحلول فصل الصيف حيث تُصبح العلاقة يومية بين المواطنين والبحر، ثم عندما تفكر بعض الهياكل الثقافية والسياحية والجمعياتية في إقامة تظاهرات تنشيطية في الغرض.

من هو أوسو؟

اختلف الباحثون في تعريف اسم أوسو واشتقاقه اللغوي وعلاقته بالأديان القديمة والأساطير وبالحضارات سواء منها الإغريقية أو الفينيقية أو الرومانية أو الأمازيغية إلا أن الثابت هو علاقة هذا الاسم بإلاه البحر في تونس حسبما يُستفاد من بعض القطع الأثرية الفسيفسائية التونسية، وأيضا علاقته بشهر أوت (أوغست أو أغسطوس). أما اليوم فإنه يعني فقط إحدى فترات الصيف التي يحلو فيها الإقبال على البحر اصطيافا وسباحة وسهرا، كما يرتبط أيضا لدى العائلات التونسية بإحياء تراث الأجداد والتفاعل معه بشكل عفوي جميل لا ينقص من دين أحد، وبالنسبة إلى العاملين في القطاعات السياحية والثقافية فإن اسم أوسو يبقى موعدا سنويا لهم في جانب يعملون خلاله على الترويج لصورة تونس ولجمالها كوجهة سياحية بحرية متميزة، وفي جانب آخر يتهيؤون خلال هذه الفترة الصيفية للترفيه عن المصطافين ولنشر ثقافة الفرحة في صفوفهم.

إن اعتقاد قدامى التونسيين في قداسة البحر يعود في الواقع إلى اكتشافهم لما في مياهه من فوائد استشفائية، وكثير منها صحيح أثبته العلم الحديث مثل شفاء الأطفال حديثي الختان وبعض الأمراض خاصة الجلدية منها وكذلك الذين يعانون من أمراض الروماتيزم وأمراض القلب والتنفس، لكن بعضها الآخر هو في الحقيقة مرتبط بالعقل الخرافي مثل إبطال مياه البحر للأسحار. أما تأليه الإنسان للبحر فيرجع تفسيره وفقا لبعض النظريات النفسية العصرية إلى ما يعرف بالطريقة الإحيائية وهي إسقاط الإنسان القديم لأحاسيسه وأفكاره على عناصر الطبيعة ومنها البحر، بمعنى التعامل معه على أساس أنه كائن حي له روح وقدرات إعجازية كشفاء المرضى واعتبار أن ماء البحر طاهر طهور.

وبصرف النظر عن ذلك جميعا فإن شخصية أوسو صارت نسيا منسيا اليوم ولم يبق منها سوى الاسم والأمثال الشعبية المتداولة عنه، بعد أن تحول أوسو من شكل شخصية إلاهية وأسطورية إلى صيغة جديدة تتمثل في مهرجانات واستعراضات واحتفالات بالرياضة والأكلات البحرية واحتفاء بالثروة السمكية. ولولا بعض المحاضرات والمقالات التي تحاول من سنة إلى أخرى التذكير بأوسو وتسليط الضوء على حقيقته لضاعت ذكراه من ذاكرة الأجيال الجديدة.


منصور