الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مرافئ



الزاوية في تونس :

إحياء للتراث الفني وتنشيط للمدن


في حين يكره المتطرفون دينيا في تونس الزوايا وعملوا بعد الثورة على حرق أكثر من سبعين زاوية بمختلف جهات البلاد فإن المثقفين يرون في الزوايا معالم أثرية تشكل في مجموع تاريخها جزءا من هوية الشعب التونسي ورمزا لثقافته الروحية وعنوانا لعراقة التضامن الاجتماعي بين التونسيين منذ بدايات ظهور الزوايا بالبلاد التونسية في القرن الثالث للهجرة إلى أوج ازدهارها في العهدين الحفصي والعثماني.

ولهذا يلاحظ المتابعون للمشهد الثقافي هذه الأيام في تونس كثافة المهرجانات الصيفية التي تحمل أسماء الأولياء الصالحين وزواياهم على غرار المهرجان الصيفي سيدي البشير (من 27 إلى 30 جويلية 2018) ومهرجان سيدي علي المكي بغار الملح (من 20 إلى 27 جويلية 2018) والمهرجان المغاربي للفروسية بسيدي عمر بوحجلة (من 21 إلى 28 جويلية 2018) ومهرجان سيدي بومخلوف الثقافي بالكاف (من 28 جويلية إلى 8 أوت 2018) ومهرجان سيدي الناصر للعادات والتقاليد والفروسية بالسواسي (من 11 إلى 18 أوت 2018) ومهرجان سيدي علي بن عون الدولي الذي يجمع فقرات متنوعة انطلق تقديمها منذ يوم 27 جويلية الفارط لتتواصل بقيتها إلى غاية يوم 9 أوت الجاري... وينضاف إلى ما سبق ذكره الزردات والخرجات والقائمة تطول في استعراض قائمة المهرجانات المرتبطة بالزوايا التونسية بمختلف الجهات.

وإن ما يلفت النظر في مثل هذه التظاهرات الفنية والثقافية هو تمحورها حول شعار التراث والأصالة وسعيها إلى إحياء التقاليد التونسية في أبعادها المحلية وتثمين خصائص كل منطقة على غرار أنغام البادية والفروسية والشعر الشعبي وألعاب الفرق التراثية كالعيساوية وغيرها والأغاني والأكلات والملابس والصناعات التقليدية...

ويمثل في الواقع التفاف أهالي كل جهة حول النشاط الثقافي النابع من الزاوية القائمة بمنطقتهم اعتزازا بالنمط المجتمعي التونسي في جمعه بين التقوى وحب الحياة ومراوحته بين الديني والفني.

مركز لأهداف متعددة نبيلة:

وبخلاف ما يعتقده الكثيرون خاصة المتعصبون منهم فإن الزاوية بتونس لم تتأسس في أغلبها لهدف ديني صوفي وإنما لأغراض أخرى أكثر التصاقا بالمجتمع التونسي وبواقعه المعيش، وهي أنها بعثت كمبيتات لطلبة العلم سواء الدارسين بها أو بالجوامع والمساجد. وقد ترك لنا ابن ناجي قائمة مفصلة في الجزء الرابع من كتاب معالم الإيمان لمواد التدريس ولأصناف الكتب التي احتوتها بعض مكتبات الزوايا. فهناك الزاوية التي بنيت على قبر ولي وعددها قليل مثل زاوية سيدي أحمد بن عروس لكن هناك أيضا الزاوية المدرسة كالتي بناها السلطان الحفصي في القرن التاسع للهجرة بدار صولة بمدينة تونس حيث جعل الطابق السفلي زاوية لمبيت الطلبة والطابق العلوي مدرسة. كما بنى بعض السلاطين الحفصيين زوايا حتى تكون «ملجأ لمبيت الواردين» على مدينة تونس أي دور ضيافة عمومية لإيواء القاصدين لمدينة تونس من العلماء والتجار والأجانب الذين يدركهم الليل قبل دخول تونس، على غرار زاوية باب سيدي سعدون شرق مدينة تونس وزاوية باب عليوة بغربها، وزاوية عين زميت للقادمين من زغوان والقيروان وزاوية كاف غراب للقادمين من باجة والشمال الغربي...

كما مثلت بعض الزوايا محطات استراحة وتموين لما يعرف بمحلة السلطان وهو جيشه المصغر الذي يخرج فيه خلال فصلي الصيف والشتاء لجمع المجابي وبسط الأمن والعدل داخل البلاد. هذا علاوة على دورها في إيواء شتات الأندلسيين المهجرين من بلدهم مثلما هو الحال اليوم مع الفلسطينيين وأيضا في إيواء الغرباء خاصة القاصدين منهم الحج وأيضا الفقراء والمشردين.

تحول الزاوية إلى مهرجانات:

هكذا تشكلت ثقافة متنوعة المشارب الفنية والفكرية في محيط الزاوية مازال أثرها ساريا إلى اليوم، وهي بلا ريب ثقافة شعبية تكمل الثقافة الرسمية في مختلف مراحل التاريخ التونسي. وهي ثقافة متجددة نلاحظ كيف حولت في عصرنا الراهن الزاوية إلى مهرجانات صيفية لتنشيط المدن فنيا وتراثيا وتجاريا وسياحيا ولنشر ثقافة الفرحة على أوسع نطاق.

ولعل ما يميّز عروض مثل هذه المهرجانات ورغم ما يعانيه روادها من طول وقوف لمتابعتها هو مجانيتها وانفتاحها على كافة الأهالي من خلال تقديمها في الساحات العامة.


منصور