الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

مرافئ



عن شغف التونسي بقراءة المستقبل :

فرار من بؤس الواقع وبحث عن فسحة الأمل



ما أن تحل كل سنة إدارية بتونس حتى تزدهر تجارة قراءة المستقبل في بعض وسائل الإعلام البصرية والسمعية والمكتوبة على حد سواء، وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي. وهذه الظاهرة ليست مرتبطة بتونس أو بالعالم العربي كما يبدو للوهلة الأولى، وإنما هي ظاهرة متأصلة في الغرب باعتبار أنها قد نشأت في الحقيقة في الدول الأكثر تقدما بمعنى في المجتمعات الأكثر عقلانية، بالنظر إلى أن الإغراق في المادية قد دفع الأفراد في تلك المجتمعات نحو البحث عن مسالك روحانية تحرر خيالهم وتزرع فيهم الأمل وتنحو بهم إلى عوالم جديدة تدرك بالبصائر لا بالأبصار.

العالم في مرآة العقل :

ولو رجعنا في عجالة خاطفة إلى الماضي البعيد لوجدنا كيف كان العرب عقلانيين عند دراستهم علم الفلك الذي اقتبسوه عن الإغريقيين والهنود ثم طوروه في نفس سياقات حركة الترجمة أو التعريب أو النقل باصطلاح المؤرخين الأوائل وهي حركة تعريب العلوم الطبيعية والهندسة والرياضيات والطب والفلسفة والجغرافيا. فعلم الفلك كان مرتبطا بالجغرافيا باعتبار أنه كان يقوم أساسا على دراسة حركة الكواكب بطريقة حسابية دقيقة من أجل ضبط الشهور والسنوات وضبط اتجاه القبلة وتحديد المواقع على الأرض من خلال خرائط دقيقة يحتاجها التجار والحجاج والفاتحون.

ويمكن الوقوف بشكل علمي ملموس على هذا الارتباط الوثيق بين الجغرافيا وعلم الفلك بتونس فيما يعرف بآلات الإسطرلاب التي تحتفظ بها عدد من المتاحف التونسية، وكذلك في المزاول الشمسية (يقصد بها الساعات، وهي على وجه الدقة أدوات توقيت نهاري لتحديد مواقيت الصلاة) التي مازال بقايا بعضها قائما اليوم في بعض المساجد العظمى، مثل مزولة جامع الزيتونة ومزولة جامع عقبة بن نافع بالقيروان (تسمى شعبيا بالرخامة). كما يمكن أن نعاين ذلك الترابط على رخامة آثرية معلقة اليوم على الحائط الخارجي لوزارة المالية بقصبة تونس.

ثم انفصلت لاحقا الجغرافيا عن علم الفلك الذي كان مقتصرا على الدراسة العلمية للفضاء الخارجي باعتماد قواعد رياضية صحيحة ومراصد ومجاهر عملاقة تعرف قديما بـ «أنابيب النظر». ووقع التحول لاحقا وشيئا فشيئا حتى كاد يتم التطابق بين علم الفلك وعلم التنجيم وهي قراءة مستقبل البشر في علاقة بتأثير الكواكب وحركتها التي ينشأ عنها الزمن.

إبطال صناعة النجوم وفساد غايتها :

وقد تحدث ابن خلدون في كتابه «المقدمة» عن انتشار علم أسرار الحروف والطلمسات في العصر الحفصي وتفشي ظاهرة رسم خرائط فلكية لقراءة مستقبل كل إنسان كانت تعرف باسم «زايجرية العالم» (المقدمة، ج1، ص 655-692). وكان ابن خلدون نفسه يعمل بتلك الزايجرية بعد أن تعلم طريقة انجازها عن العالم التونسي والشيخ الصالح سيدي الشماع صاحب الزاوية الشماعية الشهيرة القائمة اليوم بمدخل أسواق المدينة العتيقة بتونس من جهة باب البحر. إلا أن ابن خلدون وفي المقابل -وهو المعدود في جملة فرسان المعقول- قد نقد ظاهرة انتشار مهنة التكهن بمستقبل الأشخاص من خلال صنعة/مهنة قراءة أبراج الناس وذلك في الفصل الثاني والثلاثين من مقدمته الشهيرة، الذي وسمه بعنوان «في إبطال صناعة النجوم وضعف مداركها وفساد غايتها» (ص 714-718).

نفسية عربية تبحث عن تجاوز الألم بالأمل :

وفي الواقع إن الهوس اليوم بقراءة المستقبل في تونس والتفاعل مع المواد التسويقية في الغرض سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو ببعض المنابر الإعلامية متصل بالبحث عن أمل في فرص حياة أجمل أو أفضل وتعلق نفسي بحلم تجاوز الألم بالأمل في إطار نفسية عربية قديمة عبر عنها الشاعر العميد مؤيد الدين الطغرائي الأصفهاني (توفي سنة 514هـ) في لاميته الشهيرة بقوله:

«أعلل النفس بالآمال أرقبها.. . ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل».

وكان عمر بن الخطاب يعمل بالبيت الشعري الوحيد الذي كان يتمثله الرسول صلى الله عليه وسلم «تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى يَكُنْ فلقلما يُقَالُ لِشَيْءٍ كَانَ إِلا تَحَقَّقَا» (أنظر: السنن الكبرى للبيهقي).

وبعد أن كان التفاؤل الإيجابي المقرون بالعمل والتفكير العقلاني هو الأصل تحول العرب في نهاية العصر الوسيط وبعد ضعف دولهم ودخولهم مرحلة الركود الحضاري إلى نفسية جديدة تبحث عن الأمل في التصوف وفي علم التنجيم، أما اقتناص الأمل أو البحث عن «الفال» باصطلاحنا الراهن فقد صار اليوم يتخذ فضاءات جديدة له متمثلة في قراءة الأبراج وفي خوض الرهانات الرياضية (البرومسبور) والمشاركة في المسابقات التلفزية في إطار الحلم بالفوز بأموال تغير من واقعهم نحو الأحسن... وهي عملية مطاردة نفسية للأمل بأيسر السبل وأسرع الطرق.

بحث عن مخدر نفسي لقلق افتراضي :

ومن جهته فسر الدكتور محمد لمين الطريفي الأخصائي النفساني والمحلل النفسي في تصريح لجريدة «الصحافة اليوم» شغف التونسي بقراءة المستقبل بالحاجة إلى تجاوز حالة القلق التي يعيشها، مبيّنا في هذا الصدد أن الخوف نوعان: الخوف la peur والخوف المفترض l’ angoisse. فالخوف الحقيقي يعكس وجود خطر حقيقي ملموس يتفاعل معه الإنسان لحفظ حياته، أما القلق فهو خوف مفترض ناتج عن تراكمات في اللاوعي وفي الذاكرة. وإذا وقع إسقاط هذا التحليل على الشعب التونسي نكتشف أنه يعيش من جهة خوفا مفترضا أي قلقا، وذلك بسبب ضغط الحياة من انعدام الأمن وتنامي الإرهاب وغلاء الأسعار وتفشي البطالة وإغلاق الكثير من المصانع والشركات... وهذا خوف حقيقي، كما يعيش من جهة أخرى في حالة خوف على مصيره ومصير أولاده. إذن هناك ضغطان: ضغط نفسي حقيقي وضغط نفسي مفترض. ونتيجة لهذين الضغطين نُعاين، حسب الدكتور محمد لمين الطريفي ردتيْ فعل مختلفتين لدى المواطن التونسي: الأولى هي أن يقف مبهوتا والثانية أن يبحث عن مخدر في التدخين والسكر وإدمان المخدرات لمواجهة ذلك الخوف وما ينجر عنه من ضغط أو أن يبحث عن جرعة مخدر نفسي من خلال قراءة المستقبل للتخلص من قلقه الداخلي.

 


منصور