الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



تقييمات مختلفة وآراء متضاربة

ما هي حقيقة الوضع الاقتصادي ؟



إعداد : شكري بن منصور

تعكس التصريحات المتضاربة التي يطلقها السياسيون وحتى الخبراء الاقتصاديون حول تحسن الوضع الاقتصادي من عدمه غياب التوافق في التقييمات في ما بينهم الأمر الذي غالبا ما يحدث لخبطة لدى المواطن البسيط وعدم فهم حقيقي للوضع الاقتصادي الذي تعيشه البلاد والوجهة التي تسير نحوها. فالحكومة تعتبر أن الوضع في تحسن وأنه تم تجاوز المرحلة الصعبة وأن سنة 2018 ستكون آخر السنوات الصعبة التي يعيشها التونسيون بينما تعتبر المعارضة أن هذه التصريحات والادعاءات مجانبة للحقيقة محذرة من عواقب وخيمة تهدد بخلخلة الاقتصاد التونسي المترّنح أصلا جراء تراجع أهم المؤشرات الاقتصادية التي تدحرجت إلى مستويات حرجة للمرة الأولى منذ 15 عاما.

فماهي حقيقة الوضع الاقتصادي الذي تعيشه البلاد ولماذا تختلف التقييمات بين رجال السياسة والاقتصاد؟

لعل أهم ما يجول في خاطر المواطن التونسي عند تطرقه للوضع الاقتصادي الذي آلت إليه البلاد في السنوات الأخيرة هو التأخير المتكرر في صرف جرايات المتقاعدين وكذلك في خلاص أجور العاملين في بعض المؤسسات العمومية وعدم تحقيق تقدم يذكر في اصلاح هذه المؤسسات والاقتصار في التعامل معها على الادارة اليومية كلها عوامل تؤكد على أنه لا بوادر في الأفق تبشر بتحسن الوضع في المستقبل القريب.

وضمن هذا الإطار يعتبر وليد بن صالح الخبير المحاسب أن التجاذبات السياسية أدلت بدولها عند تقييم الوضع الاقتصادي بين الحكومة التي تقدم بعض المؤشرات الايجابية والمعارضة التي تركز على الأرقام السلبية. لذلك من الضروري أخذ جميع الأرقام بعين الاعتبار دفعة واحدة لفهم الوضع الاقتصادي الحالي من ذلك أن المعطيات التي ينشرها البنك المركزي والمعهد الوطني للإحصاء ووزارة المالية تبرز بكل وضوح أن المالية العمومية في وضعية صعبة وصعبة جدا رغم تحسن المداخيل الجبائية. كما أن تحسن الصادرات لم يمكن من تحسن الميزان التجاري بل على العكس من ذلك تفاقم العجز التجاري لتونس بسبب ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من السابق إضافة إلى تواصل انزلاق الدينار.

لا بوادر إيجابية في الأفق القريب

وعموما لا يمكن القول أو الادعاء بان الوضع تحسن في ظل تواصل صعوبات المالية العمومية والشركات العمومية والصناديق الاجتماعية على حد سواء وجميع هذه المشاكل لم يتم حلها من طرف الحكومة إلى غاية الآن. يضاف إلى ذلك معطى سلبي آخر مرتبط بالسيولة في القطاع البنكي التي تراجعت بشدة وهو ما ينذر بتأثيرات سلبية على مصادر تمويل الاقتصاد على المدى المتوسط إضافة إلى تراجع مخزون العملة الصعبة الذي سيكون له بدون أدنى شك أثر على ميزان الدفوعات.وأولى بوادر هذه التداعيات ظهرت بالفعل وتتمثل في تراجع نسبة الاستثمار من 21.9 بالمائة إلى 15.6 بالمائة حاليا وبالتالي نقص مواطن الشغل المحدثة الى معدل 49.6 الف موقع عمل سنويا نتيجة ضعف التوظيف في القطاع الخاص والتوقف النهائي لحوالي 5 آلاف مؤسسة.

فالمؤشرات الاقتصادية المعلنة من قبل وزارة المالية جميعها سلبية سواء المقدرة الشرائية أو التضخم أو العجز التجاري... لذلك لا شيء يبرر من الناحية العلمية أن تكون نسبة الفقر هي الاستثناء. كما أن البلاد تعيش مرحلة صعبة خلال السنوات الأخيرة على جميع المستويات وجميع المؤشرات متراجعة بما في ذلك الوضع الاجتماعي خاصة في الجهات والأحياء الشعبية لذلك لا أحد يمكنه تصديق أن هناك تحسنا في الوضع الاقتصادي في تونس في الوقت الذي تنتشر فيه مظاهر الأزمة يوما بعد يوم وتتسع رقعتها من منطقة إلى أخرى.

النائب بمجلس نواب الشعب محمد بن يوسف الحامدي أوضح من جهته أن التصريحات والقراءات والتقييمات التي تدعي تحسن الوضع الاقتصادي مجانبة للحقيقة وأن المواطن العادي يمكنه بمؤشر بسيط التعرف على حقيقة الوضع في البلاد بمفرده و دون انتظار السياسيين فالأرقام تبرز أن نسبة التداين بلغت مستويات قياسية لم تبلغها البلاد سابقا وشارفت على ٪70 ولا يمكن لأي مسؤول سياسي أن يدّعي عكس ذلك و أن يقول أن الأمور على ما يرام حاليا.

علاوة على ذلك تعكس تصريحات السياسيين في الغالب في تقدير محدثنا حسابات ومصالح شخصية ترتبط بالتموقع السياسي وتعكس كذلك خطابا سياسيا للاستهلاك الانتخابي.

أزمة ثقة

من الملاحظ أنّ هناك تضاربا في الأرقام الخاصة بالاقتصاد في البلاد والذي يعتبر في مرحلة خطيرة و كارثية حسب وصفه. فنسبة النمو المقدّرة من قبل البنك المركزي ووزارة المالية غير صحيحة وهذه الأرقام ستكون لها انعكاسات سلبية على المقدرة الشرائية للمواطن و المستثمرين في صورة عدم تحرك الحكومة لوضع برنامج انقاذ اقتصادي عاجل، مضيفا: «نخاف أن نصل إلى نقطة اللاعودة».

كما يتطلب الوضع الحالي ضرورة مصارحة الشعب بالحقيقة وأن البلاد في حاجة إلى العمل ومضاعفة الجهد وليس إلى مزيد التصريحات. فالقراءات تختلف حسب الزاوية والتوظيف السياسي. وعلى سبيل المثال هناك تأويلات كثيرة لنسبة البطالة المعلنة وهناك نسبية في قراءة الأرقام خاصة وأن المعلومات أصبحت متاحة أمام العموم بمقتضى قانون حق النفاذ إلى المعلومة لذلك لا يمكن تجاهل البعد السياسي في التقييمات.

كما يعكس هذا الكم الهائل من التقييمات والتقييمات المضادة أزمة الثقة في الأرقام التي تعلنها الحكومة أو المؤسسات الرسمية في تواصل لما كان يحصل في عهد النظام السابق عندما كان المواطن يشعر بفرق كبير وواضح بين ما تعلنه الحكومة وواقعه المعيش. وفي تقديره فان الوضع الاقتصادي سيزداد قتامة مع تدهور مدخرات البلاد من العملة الصعبة بسبب تفاقم عجز الميزان التجاري وتراجع قيمة الصادرات مقابل الارتفاع المهول في استيراد المحروقات ومختلف السلع الاستهلاكية. يضاف إلى ذلك أن هبوط قيمة الدينار تسبب في تضخم كلفة الإنتاج جراء ارتفاع أسعار المواد الأولية والتجهيزات بالأسواق العالمية، وهذا ما دفع عددا من الشركات المصدرة لتنشط فقط في مجال التوريد في ظل الزيادات في الأجور والضرائب وغيرهما.

تضارب في الأرقام

وفي نفس السياق لا يمكن انكار انتشار وتوسع ظاهرة الفقر في تونس بعد الثورة بالرغم من الزيادات في الاجور التي لم تضاه ارتفاع الاسعار والتضخم المستورد وحتى الزيادة في المنح المخصصة للعائلات المعوزة والرفع في عددها بقيت تأثيراتها محدودة. وفي المحصلة تواصل التهميش والفوارق تعمقت في الجهات في الوقت الذي لم نسجل فيه سياسة وبرامج تنموية حقيقية وانطلاقة للامركزية والتمييز الايجابي التي نص عليها الدستور.

وبالنسبة إلى محدثنا فإن الفقر لا يقاس فقط بالأرقام المرتبطة خاصة بالإنفاق ولكن في الحقيقة هو منوال عيش كامل مرتبط بالتنمية أساسا، بمكوناتها المتعلقة بالبنية الأساسية والتشغيل والتعليم والكرامة والصحة والمساواة بين الجهات والأفراد والعدالة الاجتماعية وغيرها، والواقع يثبت أن المطالب والحقوق التي قامت من اجلها الثورة وخاصة الاجتماعية ظلت دون استجابة إن لم يقع تصفية جزء منها، واستشراء الفساد لا يصب في خانة تكريس الكرامة والعدالة والتنمية التي نادى بها الشعب.

وفي مقابل ذلك يقر النائب بمجلس نواب الشعب نوفل الجمالي أن تقييم الوضع الاقتصادي خصوصا يخضع إلى زاوية نظر معينة أو إلى التموقع السياسي في السلطة أو في المعارضة لان السياسة ليست موضوعية من حيث طبيعتها إلا أنه يعتقد أن التشكيك في الأرقام المعلنة من طرف المعهد الوطني للإحصاء ليس بالأمر الايجابي خاصة وأن هذه المؤسسة تتمتع بالاستقلالية الكافية ولا تخضع لضغط الحكومة على حد وصفه.

وشدد نوفل الجمالي على أن كل الأرقام والمؤشرات التي يقدمها المعهد تنتج وفق طرق ومنهجيات معتمدة دوليا وبالتعاون مع البنك العالمي وصندوق النقد الدولي ومعهد الإحصاء الأوروبي. وأضاف أن هذه المؤشرات يتم إنتاجها وفقا لمنهجيات دولية لأنها ترسل للمنظمات الدولية لاعتمادها. كما دعا إلى عدم التشكيك في الأرقام التي تعلنها الحكومة لانها تعكس الواقع من خلال تراجع نسبة التضخم وتحسن مؤشرات القطاع السياحي وهذا دليل على أن البلاد في الطريق الصحيح . لكن الأشكال في تقديره يتمثل في أن المواطن لا يستشعر هذا التحسن في حياته اليومية لان ذلك يتطلب بعض الوقت علما وأن الأزمة في تونس في نظر محدثنا ليست أزمة اقتصادية بقدر ما هي أزمة مالية عمومية. وشدد على ضرورة العمل على مزيد تعبئة تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج، ودفع مقومات جذب الاستثمار الأجنبي وتنمية عائدات السياحة وتحقيق الأمن بالبلاد خاصة وأن الحكومة ستكون مضطرة للاقتراض من الخارج من أجل تعبئة مخزونها من العملة الصعبة لتسديد ديونها وتسهيل عملية توريد المواد الأولية والمواد الأساسية التي تحتاجها المؤسسات والمواطنون.