الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الغرف الوطنية الثلاث لنقل المحروقات والبضائع عبر البر:تداعيات أزمة المياه

هل من مخطط استراتيجي للسدود في تونس!؟



اعداد : منصف عويساوي

تعالت خلال المدة الفارطة اصوات الخبراء من خلال دق ناقوس الخطر بشأن وضعية الموارد المائية التي تدعو إلى القلق بسبب ضعف منسوب المياه بعدد من السدود وخاصة السدود المتواجدة في ولايات الوسط حيث وصلت الوضعية إلى نضوب المياه بها إلى درجة عدم الإيفاء بالري الفلاحي و توفير الماء الصالح للشراب بالكميات المطلوبة،كما ذهب عديد الخبراء وكذلك أغلب المسؤولين في قطاع الفلاحة والموارد المائية الى أنه في حالة تفاقم الوضعية فإن الأوضاع تنبئ بخطر كبير في السنوات القادمة لاسيما مع عدم انتظام نزول الأمطار بسبب التغيرات المناخية واختلال العرض والطلب على الموارد المائية في العشرية الأخيرة ،فهناك من أرجع انفجار الوضع الحالي إلى عوامل مباشرة تتمثل أساسا في توسع المساحات السقوية في عدد من مناطق البلاد على حساب الطاقة الحقيقية لاستيعاب السدود التي تعاني بدورها من نقص هام في منسوب مياهها بشكل يجعلها غير قادرة على المساهمة في ري هذه المناطق،وهناك شق اخر من الخبراء من ذهب ايضا الى القول بأن حالة الترسبات الهائلة التي وصلت اليها السدود التونسية عبر السنين والتي فاقت أكثر من 50 % في بعض السدود وخاصة في الشمال من بين الأسباب غير المباشرة في الأزمة المائية اليوم فضلا عن غياب استراتيجية بعيدة المدى تضمن الامن المائي في تونس،فماهي الوضعية الحقيقية للسدود التونسية اليوم؟ وماهي الحلول المقترحة من الخبراء في هذا المجال؟

يجمع الخبراء اليوم على أن غياب الربط بين سدود الشمال بسدود الوسط ساهم في تفاقم أزمة المياه في بلادنا ،من ذلك أن سدّ نبهانة يشعّ على أربع ولايات القيروان والمهدية وسوسة والمنستير مع تزايد الطلب على الزراعات الملتهمة مثل الطماطم والبطاطا فضلا عن تسجيل انقطاعات متواصلة لمياه الشرب خلال السنوات الفارطة- بسبب حالة الجفاف التي عاشتها بلادنا طيلة الثلاث سنوات الفارطة -ببعض أرياف هذه الولايات بسبب الصعوبات الحاصلة في نقل المياه من السدود الأخرى.

فيما ذهب عدد اخر من الخبراء الى اعتبار ان الأزمة المائية اليوم ببلادنا تعود الى أسباب هيكلية تتمثل في غياب سياسة مائية واضحة وأن الخطط العشرية للموارد المائية وعددها أربع لم يقع تقييمها بالشكل العلمي والموضوعي وخاصة الخطة العشرية 2010/2000 .

وتفيد اخر الأرقام أن مخزون السدود يقدر بحوالي 944 مليون متر مكعب أواخر جوان 2017، في المقابل سجلت السنوات الثلاث الفارطة معدل مخزون يناهز 1400 مليون متر مكعب، هذا واتسمت الفترة ما بين 2016 و2017 بنقص تعبئة مياه السدود حيث قدرت الموارد المائية المسجلة منذ غرة سبتمبر 2016 بـ 800 مليون متر مكعب أى ما يعادل نسبة ٪42 من المعدل السنوي.

حيث أن مخزون سد سيدي سالم مثلا والذي يعد من أكبر السدود في تونس،والذي يوفر معظم حاجيات تونس الكبرى والوطن القبلي والساحل وصفاقس من مياه الشرب، بلغ أواخر صائفة الماضية 195 مليون متر مكعب ولم تتجاوز نسبة تعبئته 36 % كما سجل نفس السد خلال سنة 2017 تدفق 137 مليون متر مكعب، في حين يقدر المعدل السنوي بـ625 مليون متر مكعب،وتستخدم أيضا الموارد المائية لهذا السد في سقي الزراعات في كل من ولايات نابل وبن عروس وبنزرت وأريانة ومنوبة وباجة.

تراجع هام في مخزون السدود

وأكد فائز مسلّم مدير عام السدود والأشغال المائية الكبرى بوزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري في تصريح لـ« الصحافة اليوم» أن طاقة الخزن الجملية للمياه بتونس تقدر بـ2 مليار متر مكعب،مشيرا أننا حاليا في فترة تفريغ السدود للاستهلاك ولسنا في فترة إيرادات،حيث يقدر المخزون الجملي للسدود التونسية المستغلّة حاليا بـ850 مليون متر مكعب.

وبين مسلّم أنه تم منذ غرة سبتمبر 2017 إلى اليوم تسجيل معدّل إيرادات تقدر بـ مليار و 433 مليون متر مكعب ،في المقابل قدرت إيرادات الشمال في نفس هذه الفترة بـ 963 مليون فقط، وهو ما يمثل تراجعا في مخزون السدود،في اشارة الى أنها وضعية لم تشهدها البلاد التونسية من قبل بسبب 3 سنوات جفاف متتالية، حيث سجلت بلانا السنة الفارطة معدل إيرادات قدر بـ 680 مليون متر مكعب

وأكد مسلّم في هذا الإطار أن هذا التراجع في مياه السدود خلال السنوات الأخيرة من شأنه أن يؤثر على الوضع العام للمياه في تونس ويجعلنا نعمل تحت الضغط إضافة إلى أن بلادنا ستدخل الموسم الجديد للإيرادات في وضع غير مريح وهو ما سيؤثر عن المورد الجملي للإيرادات،هذا وتوجد بعض السدود الفارغة كليا من المياه بسبب السنوات الأخيرة للجفاف.

وأضاف مدير عام السدود أن سد سيدي سالم يعد من أكبر السدود في تونس حيث تقدر سعته الجملية بـ 700 ألف متر مكعب، مشيرا أن وضعيته الحالية تعتبر غير مريحة حيث يوجد به حاليا 124ألف متر مكعب أي لا يحتوي إلا على 23 % من سعته الجملية من الإيرادات، كما يعد أيضا سد نبهانة سدا محوريا للماء الصالح للشراب لـ 5 ولايات وخاصة وقت ذروة الاستهلاك وهي المنستير والمهدية وسوسة والقيروان الا أنه سجل مؤخرا نسبة ايرادات قدرت بـ 2 مليون متر مكعب في تراجع ملحوظ بالنسبة الى السنوات الفارطة والتي سجل فيها هذا السد نسبة ايرادات قدرت بـ 7مليون و500 م3 من المياه.

لابدّ من حلول جذرية..

في المقابل اعتبر الدكتور في هندسة البيئة والمحيط عيسى الحليمي في تصريح لـ «الصحافة اليوم» أن حالة الجفاف التي مرّت بها بلادنا طيلة السنوات الثلاث الأخيرة مناسبة لأن تجعل القائمين على قطاع المياه من سلط معنية وخبراء أن يفكروا فعليا في حلول جذرية لضمان الأمن المائي.

وأكد الخبير عيسى الحليمي أن هذه الحلول في اغلب الأوقات تكون باهظة الثمن لكنها في المقابل ستضمن أريحية كاملة في مجال المياه والاستجابة الحينيّة لكافة طلبات المواطن والمؤسسات وتنعش القطاع الفلاحي وهو ما يتطلب مخطط مارشال من خلال تحديد استراتيجية كاملة في علاقة بالسدود ومياه الأمطار،مشيرا الى ضرورة التركيز في هذا الاطار على تجربة تحلية المياه وتعميمها على مختلف المناطق وهو ما شرعت فيه بلادنا منذ سنوات واثبتت نجاحها في مختلف المناطق التي ركّزت فيها قواعد لتحلية المياه.

واقترح الدكتور في هندسة البيئة والمحيط في هذا الصدد أنه يمكن تخفيض الكلفة المالية لتحلية المياه من خلال اعتماد الطاقات المتجدّدة وخاصة في الجنوب التونسي، مؤكدا على ضرورة استنساخ هذه التجربة واعتمادها في القرى الصغيرة التى تعاني من أزمة مياه على غرار منطقة بن قردان من ولاية تطاوين، معتبرا ان السدود التى أحدثت من عهد المستعمر إلى حد الآن في حاجة ماسة إلى إعادة تهيئتها وتنقيتها من الرواسب التي تقلل من مستوى طاقة استيعابها.

وفي السياق ذاته ذهب الحليمي الى ابعد من ذلك حيث أشار في هذا المستوى الى ضرورة مزيد تزويد المناطق الداخلية بمياه الشرب مثل مدينة القيروان وتخفيف الضغط على السدود كسدّ نبهانة بكميات هامة من المياه على غرار المناطق الساحلية من أجل تخفيف الضغط على الطلب.

كما اعتبر الدكتور في هندسة البيئة والمحيط أن مشكلة المياه تستوجب اضطلاع الدولة والمجتمع المدني بدورهما في ضمان الحق في الماء تناغما مع ما تضمنه الفصل 44 من دستور الجمهورية الثانية،والتفكير ضمن رؤية استراتيجية مشتركة وبعيدة الأمد من أجل ضمان الماء للأجيال القادمة.

الإسراع بحل مشكلة ترسبات السدود

من جهته بيّن الخبير في الموارد المائية محمد بن سقة في تصريح لـ «الصحافة اليوم» أن بلادنا تعيش منذ 3 سنوات على وقع حالة جفاف مما تسبب في أزمة مائية في مختلف المناطق ونقص في المخزون العام للسدود وهو ما أصبح يشكل صعوبة في الاستجابة الى الطلب سواء لحاجيات المواطن أو المؤسسات الاقتصادية والسياحية.

وأكد الدكتور بن سقة انه فضلا عن نقص المياه فان السدود التونسية تعاني اليوم من مشكلة حقيقية تتمثل في الترسّبات الهائلة للسدود بما يقلّص من نسبة استيعاب الإيرادات من المياه،مشيرا الى أن وضعية السدود اليوم تتطلب ضرورة الإسراع بمعالجة هذه المسألة من خلال إزالة هذه الترسّبات حتى ولو كانت مكلفة لأنها ستضمن طاقة خزن حقيقية للمياه ستمكننا من الاستجابة للطلب بأريحية مطلقة.

وأوضح ان نسبة السدود في وضعها الحالي نتيجة الترسبات عبر مرور السنين أصبحت لا تستوعب إلا 50 % من طاقة استيعابها الحقيقية تقريبا على غرار سد سليانة الذي أصبح لا يستوعب إلا 38 % من طاقة استيعابه الحقيقية بسبب الترسبات التي اكتسحته بنسبة ٪62 وهو ما يتطلب تدخلا عاجلا لصيانة هذه السدود من اجل ضمان طاقة خزنها العادية.

واعتبر ان المواطن يجب ان يعمل في المستقبل على عدم توزيع المياه بصفة عشوائية وإنما يجب اعتماد طريقة «الكوتا» والذهاب الى تكثيف العمل بـ«الماجل» وتخزين مياه الأمطار في مختلف مناطق البلاد للاقتصاد في الماء واستغلاله على أحسن ما يكون.

وجدير بالتذكير أن معدل التساقطات للبلاد التونسية يقدر بـ36 مليار متر مكعب في السنة حيث سجلت بلادنا اقل نسبة تساقطات في موسم1993 ـ 1994 بـ11 مليار متر مكعب في حين يعتبر الرقم القياسي الذي تم تسجيله هو في موسم1969 ـ 1970 بايرادات قدرت بـ90 مليار متر مكعب بكامل تراب الجمهورية التونسية من برج الخضراء الى كاب سيراط ببنزرت.