الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



التجاوزات في مياه الشرب

مياه مجهولة المصدر خارج سيطرة الرقابة



إعداد: صبرة الطرابلسي

بعد هجر التونسيين لمياه الحنفية التي قطعت مع القاعدة العلمية للماء ليصبح لها لون ورائحة بات الإقبال على المياه المعدنية المعلبة الحل الأوحد للأغلبية الذين أجبروا على إضافة كرتونات الماء لقائمة المشتريات اللامتناهية فيما اختار البعض قسرا التخفيف من تكلفة مياه الشرب بالإقبال على المياه المعبّأة التي يروجها بعض الأشخاص في أوعية بلاستيكية بأسعار منخفضة دون حسيب ولا رقيب رغم تحذيرات وزارة الصحة من مخاطر هذه المياه غير المراقبة على صحة المواطن إلا أن هذه الظاهرة ما تزال متواصلة رغم تحذيرات وزارة الصحة من مضارها إن لم نقل في تزايد وفق ما أكدته الهياكل الرقابية .

كما طرحت كذلك مسألة جودة المياه المعدنية بعد أن وجه عدد من الأشخاص انتقادات متعلقة بتغير طعم الماء لبعض الماركات التجارية للمياه المعدنية المعلبة إلى جانب التلاعب بأسعار بيعها الأمر الذي يطرح عديد التساؤلات حول مدى جودة المياه المروجة في السوق أمام ارتفاع نسق الاستهلاك الذي يصل إلى 43 بالمائة خلال الصائفة وفق دراسة حديثة للمعهد الوطني للاستهلاك.

فهل حافظت المياه المعدنية المعلبة على جودتها ؟ وماهي أسباب تزايد ترويج المياه المعبّأة غير المرخص لها وتأثير ذلك على صحة المواطن؟

كثيرة هي المشاكل والتشكيات التي تعلقت بمياه الشرب في تونس فبين افتقاد عديد المناطق التونسية خاصة الريفية منها لهذه المادة الحياتية وبين تراجع جودتها والإضطرار إلى استبدالها بالمياه المعدنية المعلبة التي لا يستطيع الاف المواطنين شراءها تطرح عديد التساؤلات خاصة بدخول بعض التجار على الخط واستغلالهم احتياج المواطن لماء الشرب ليبيعونه مياها غير خاضعة لشروط السلامة الصحية.

وقد بينت الأرقام تزايد إقبال المواطنين على استهلاك المياه المعدنية المعلبة من سنة إلى أخرى فقد ارتفعت مبيعاتها من 290 مليون لتر سنة 2010 إلى 1700 مليون لتر سنة 2017 أي بنمو يناهز 385 بالمائة ,كما تحتل تونس المرتبة 12 عالميا على مستوى الاستهلاك الفردي للمياه المعدنية الذي بلغ 170 لتر للشخص الواحد سنة 2017 إلى جانب تزايد عدد شركات تعليب المياه المعدنية التي تعد اليوم 28 شركة دون احتساب مطالب الحصول على تراخيص بإحداث مصانع جديدة لتعليب المياه التي تم إيداعها لدى الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء.

ومع انطلاق الفترة الصيفية وارتفاع نسق استهلاك المياه المعدنية تطفو على السطح ظواهر سلبية منها بالخصوص الزيادة غير القانونية في أسعار بيع المياه المعدنية المعلبة واختلافها من تاجر إلى اخر فقد بيّن المعهد الوطني للاستهلاك أن الزيادة في سعر بيع المياه المعدنية للعموم تراوحت بين 50 مي و 100 مليم للقارورة الواحدة واعتماد بعض المحلات تعريفات مختلفة بين ما هو مبرد وما هوغير مبرد إلى جانب ظهور محلات تبيع المياه المصفّاة بسعر 100 مي للتر الواحد أو أكثر خاصة بالأحياء الشعبية وقد ساعدت الانتقادات الموجهة لمياه الحنفية في الإقبال على هذه النوعية من الماء.

وفي هذا السياق أفادنا السيد رزيق الوسلاتي رئيس مدير عام الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء أن قطاع المياه المعدنية يخضع لرقابة صارمة من قبل 3 هياكل حكومية وهي وزارات الصحة والتجارة والفلاحة وذلك وفق معايير جودة معتمدة في العالم وهو ما يعرف بمعياري 933 و984 وهي مواصفات تضمن جودة المياه المعدنية المعلبة مضيفا أن أغلب التشكيات التي تصل الى منظمة الدفاع عن المستهلك حول تدني جودة المياه المعدنية وتغير مذاقها يتبين فيما بعد أن معظمها شكايات كيدية , وبين محدثنا في السياق ذاته أنه يجري حاليا إعداد كراس شروط سيتم من خلاله ضبط شروط نقل المياه المعدنية من مكان الإنتاج إلى تجار الجملة والتفصيل لتوفير ضمانات أوفر لصحة المستهلك .

ظاهرة في تزايد

وبين لـ«الصحافة اليوم» السيد محمد الولهازي كاتب عام نقابة الشرطة البلدية أن فرق المراقبة التابعة للشرطة البلدية بالإشتراك مع المراقبة الصحية قد قامت خلال الـ7 أشهر الاولى من السنة الجارية بحجز أكثر من 22 ألف لتر من المياه مجهولة المصدر في تونس الكبرى يتم ترويجها عبر شاحنات متجولة مضيفا أنه تم تسجيل أكبر عدد من المخالفات في ولاية بن عروس كما تم حجز خلال الفترة ذاتها ما يناهز 19 ألف قارورة مياه معدنية منتهية الصلوحية بتونس الكبرى و464 لتر من المياه المعبّأة غير مرخص لها بالجهات إلى جانب حجز 192 شاحنة تقوم بترويج هذه المياه المعبّأة , وبين الولهازي في السياق ذاته أن ظاهرة ترويج المياه المعبّأة غبر المرخص لها في تزايد رغم المجهود الرقابي المبذول مشيرا أن عدد فرق المراقبة سواء الصحية أو التابعة للشرطة البلدية غير كاف لتطويق الظاهرة إلى جانب عدم توفر إطار تشريعي يساهم في ردع المخالفين فقد بقيت قيمة المخالفات زهيدة بالنظر الى الضرر الذي يمكن أن يلحقه الماء غير المراقب بصحة المواطن ذلك أن المرجعية القانونية المعتمدة حاليا قديمة وتعود إلى السبعينات ولم يقع تنقيحها إلى اليوم بما يتناسب والوضع الراهن من التجاوزات التي تحتاج إلى الترفيع في سقف العقوبات حتى يكون لها الدور الردعي الذي يمكن أن يخفض من انتشار هذه الظواهر.

وأضاف محدثنا أن للمواطن دورا كبيرا في تزايد انتشار بيع المياه المعبّأة باعتبار إقباله عليها دون معرفة مصدرها مستخفا بالأضرار التي قد تسببها له .

المراقبة الصحية

ولمعرفة الأضرار التي يمكن أن تسببها المياه المعبّأة غير المراقبة على صحة المواطن أوضح لنا السيد محمد الرابحي مدير عام إدارة حفظ صحة الوسط وحماية المحيط أن المضار متعلقة أساسا بالتركيبة الفيزيوكميائية للماء الذي يفتقر لبعض المعادن والأملاح المعدنية التي يحتاجها الجسم وبالتالي يمكن أن يتسبب شرب هذه المياه في إحداث خلل على مستوى حاجيات الجسم لهذه المكونات إلى جانب وجود إمكانية تلوث جرثومي ناجم عن الأوعية التي يتم تعبئة الماء فيها باعتبارها غير خاضعة للمراقبة ذلك أن مكونات هذه الأواني يمكن أن تحدث تفاعلات كيميائية مع الماء لتحتوي على بعض المعادن الثقيلة التي تتسبب على المدى الطويل في أمراض خطيرة وتضر بصحة المستهلك ,وأضاف أن 5 وزارات قامت بإصدار منشور يقضي بمنع ترويج المياه المعبّأة دون ترخيص وهي وزارات الداخلية والصحة والتجارة والفلاحة والصناعة مبينا أنه من الصعب مراقبة كل مسالك التوزيع الموازية نظرا لتنقل هؤلاء التجار من مكان إلى اخر إلى جانب نقص عدد فرق المراقبة الذي لا يمكنه تغطية مختلف التجاوزات التي تقع في هذا المجال لذلك يبقى المواطن هو الفيصل هنا ويجب أن يكون على قدر من الوعي الذي يمكنه من التمييز بين ما هو صحي وما هو ضار بصحته فلا يستهلكه مهما رخص ثمنه لأن الدنانير التي سيوفرها ستكون جزءا بسيطا أمام مصاريف العلاج الذي قد يضطر إلى الخضوع له إذا ما تسبب استهلاكه لمواد مجهولة المصدر في مشاكل صحية , وأشار الرابحي إلى ضرورة ترفيع سقف العقوبات الموجهة للمخالفين والتعامل مع الظاهرة بأكثر صرامة ذلك أنه يتم غض الطرف في بعض الأحيان من قبل بعض الولاة عن مروجي المياه المعبّأة في محلات مخصصة لذلك مبررين تغاضيهم بالحالة الإجتماعية لهؤلاء الأشخاص.

وفيما يخص مراقبة جودة المياه المعدنية المعبأة أكد الرابحي أنها تخضع لمراقبة دقيقة من قبل أطراف متعددة ولم يقع تسجيل تجاوزات على مستوى جودة هذه المياه وحتى على مستوى تعرض القوارير البلاستيكية لدرجات حرارة مرتفعة عند نقلها فإن المعايير المعتمدة لصنع هذه القوارير توفر الحماية اللازمة لحفظ الماء .

تشكيات

على صعيد اخر أوضح السيد لطفي الرياحي رئيس المنظمة الوطنية لإرشاد المستهلك أن التشكيات التي تصل المنظمة تتعلق بالخصوص بالمياه المعبّأة غير الخاضعة للمراقبة التي تشكل خطرا على صحة المواطن والتي تحتاج إلى مراقبة أكبر وعقوبات أكثر ردعية مضيفا أن المنظمة استقبلت تشكيات متعلقة بوجود رائحة وطعم غير مستساغ لمياه الحنفية التي تؤكد الـ«صوناد» سلامته من أي شوائب .

ولئن يخالف بعض التجار قواعد السلامة الصحية بترويج مياه معبئة مجهولة المصدر أومياه معدنية معروضة في أشعة الشمس وغيرها من المخالفات يبقى المستهلك هوالفيصل باعتباره صاحب القرار الذي يجب أن يراعي شروط سلامته ولا يستهلك مواد مشبوهة المصدر.