الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



النفاذ إلى المعلومة و حماية المعطيات الشخصية

هل أمكن تحقيق المعادلة دون المساس بالحقوق ؟


إعداد : عواطف السويدي

لئن يمثل النفاذ إلى المعلومة حقا يكفله القانون فإن الأمر يثير جدلا بعض الشيء عند الحديث عن حق آخر وهو حماية المعطيات الشخصية بما يفتح الباب على إشكال مهم وهو ضرورة إيجاد المعادلة التي تضمن حق النفاذ إلى المعلومة دون المساس بالمعطيات الشخصية. فقد دخل القانون المتعلق بحق النفاذ إلى المعلومة حيز النفاذ منذ نشره بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية في مارس 2016 ،وبعد سنتين تقريبا ولدت الهيئة المعنية بتطبيقه حيث تحصلت على المقر منذ جانفي 2018 ، ومع انطلاق الهيئة في فتح الملفات وإصدارها لسلسلة من القرارات يطرح السؤال حول مدى التزام الجهات المعنية من وزارات ومؤسسات وغيرها بتنفيذ قراراتها واليوم وبعد مرور ما يقارب الثمانية أشهر على انطلاق أعمالها وإصدارها لعديد القرارت ما هو مدى تفاعل الجهات المتداخلة معها في هذا المسار؟

 

إنّ النفاذ إلى المعلومة حقّ من الحقوق التي يتمتع بها كلّ شخص مادي أو معنوي وفق ما ينصّ عليه الفصل الأول من القانون الأساسي عدد 22 المؤرخ في 24 مارس 2016 والمتعلق بالحق في النفاذ إلى المعلومة.

 

ومن ابرز المهام التي تقوم بها هيئة النفاذ إلى المعلومة طبقا للفصل 38 من القانون المنظم لها البت في الدعاوى المرفوعة لديها في مجال النفاذ إلى المعلومة وللغرض يمكنها عند الاقتضاء القيام بالتحريات اللازمة على عين المكان لدى الهيكل المعني ومباشرة جميع إجراءات التحقيق وإبداء الرأي وجوبا في مشاريع القوانين والنصوص الترتيبية ذات العلاقة بمجال النفاذ إلى المعلومة والعمل على نشر ثقافة النفاذ إلى المعلومة. وبالتالي فان هناك مهاما قضائية وأيضا مهام رقابية تتعلق بمدى احترام الهياكل لنشر المعلومة وفي هذا السياق أفاد ان كل المؤسسات لها مواقع الكترونية ما عدا وزارة حقوق الإنسان والعلاقة مع الهيئات الدستورية بالإضافة إلى بعض البلديات المحدثة مؤخرا.

 

قرارات جريئة

وقد أكّد رئيس هيئة النفاذ إلى المعلومة «عماد الحزقي» في حديث لـ«الصحافة اليوم»، أنّ قرابة 50 بالمائة من القضايا المنشورة أمام الهيئة، هي قضايا مرفوعة ضدّ وزارات وتتعلّق بالنفاذ إلى معلومات ذات علاقة بإدارة الشأن العام، وبيّن الحزقي انّه من بين هذه الوزارات توجد وزارات الصحة والتربية والتعليم، إضافة إلى رئاسة الحكومة، مؤكدا في المقابل وجود تجاوب إيجابي من قبل الهياكل العمومية بخصوص القرارات الصادرة عن الهيئة، خاصّة بعد صدور منشور رئيس الحكومة عدد 19 لسنة 2018 المتعلّق بالنفاذ إلى المعلومة وتفسير أحكام القانون عدد 22 الخاص بالنفاذ إلى المعلومة ، ولفت إلى أنّ هيئة النفاذ إلى المعلومة، أصدرت قرارات جريئة من شأنها تكريس ثقافة الشفافية والمساءلة على المستوى المحلي والوطني، موضّحا انّه وإلى غاية اليوم، أكثر من 264 قضية منشورة أمام الهيئة وأنّه تم الفصل في أكثر من 110 منها، ولاحظ أنّ هذه القضايا متنوّعة وتقدّمت بها جمعيات ومنظمات وأفراد، منها ما هو خاص بالشأن المحلي ويتعلّق بمطالب نفاذ إلى محاضر مجالس بلدية أو ميزانيات .

 

وهنا قال محدثنا ان نصف الملفات التي بلغت الهيئة يتعلق بقضايا ضد وزارات وفي حدود 120 شكاية على غرار وزارة التعليم العالي، وزارة التربية،وزارة الدفاع،وزارة التجهيز ووزارة الشؤون الخارجية، و35 ضد مؤسسات ومنشآت عمومية و35 ضد بلديات، أما عن فحوى ونوعية الوثائق المطلوب النفاذ إليها فقال الحزقي أغلبها يتعلق بصفقات عمومية ومناظرات وكذلك إجراءات إسناد رخص وتمويل الأحزاب السياسية بالإضافة إلى تقارير تتعلق بالبنك المركزي الذي توجد ضدّه عديد الدعاوى أيضا.

 

وذكر في نفس السياق أن الهيئة قد قضت بقبول أغلب تلك الدعاوى وبالتالي إلزام الجهات المعنية بضرورة التنفيذ.

 

عدم تفاعل

وذكر عماد الحزقي ان هناك تفاعلا ايجابيا إجمالا من قبل الهياكل العمومية والوزارات مع القرارات التي تصدر عن هيئة النفاذ إلى المعلومة ولكن توجد بعض الاستثناءات على غرار وزارة التجهيز والإسكان التي لم تتفاعل في عديد القضايا المرفوعة ضدّها في النفاذ إلى المعلومة إذ توجهت لها الهيئة بمراسلات لطلب وثائق معينة في مرحلة التحقيق والتقصي إلاّ أنها لم تستجب ودون أن تبرّر هذا الموقف.

 

كما أصدرت هيئة النفاذ إلى المعلومة مؤخرا قرارا يقضي بإلزام الهيئة العليا للحقوق والحريات الأساسية بتمكين المدعي علي المكي شقيق احد شهداء الثورة بمدينة دقاش من نسخة ورقية لقائمة الشهداء والجرحى وذلك بعد أن تم قبول الدعوى المرفوعة في الغرض شكلا وأصلا، هذا وقد تم تبليغ رئيس الهيئة بالحكم في تاريخ 3 أوت الجاري في انتظار تنفيذه من قبل توفيق بودربالة، في هذا الإطار قال عماد الحزقي «هذا القرار يعتبر هاما باعتباره يتعلق بملف مهم للغاية ومثير للجدل، إذ رأت الهيئة أن التقاعس الحاصل في عدم نشر الوثائق بالرائد الرسمي لا يمنع من حق النفاذ إلى المعلومة».

 

ولاحظ الحزقي ان اغلب الطلبات لم تتضمن إلا طلبين من الصحفيين والحال أنهم أكثر الأطراف المعنية بالحق في النفاذ إلى المعلومة .

 

بين الحق في المعلومة والمعطيات الشخصية

و فيما يتعلق بحماية حق النفاذ إلى المعلومة دون المساس بالمعطيات الشخصية ، قال عماد الحزقي ان القانون واضح وصريح إذ ينص على ان تبت الهيئة في دعاوى النفاذ إلى المعلومة دون المساس بالمعطيات الشخصية من خلال تحقيق المعادلة التوافقية بين الحقّين، وشدد على انه أحيانا عندما تكون المصلحة العامة أهم من حماية المعطيات الشخصية فانه يتم كشف المعلومة ومن بين القضايا التي أثيرت حول هذا الموضوع مطالبة عسكري متقاعد بالحصول على سجله العسكري ولكن وزارة الدفاع رفضت الأمر رغم ان الموضوع بسيط جدا وكذلك مطالبة طرف آخر الحصول على التنظيم الهيكلي لوزارة الداخلية ولكنها رفضت وادعت ان المسالة سرية ولا تنشر .

 

وابرز من جهته رئيس الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية «شوقي قداس» ان كل مجال يملك قانونا خاصا به مشيرا إلى ان قانون النفاذ إلى المعلومة أوضح العلاقة بين هذا الحق وبين حماية المعطيات الشخصية والحياة الخاصة وذلك في الفصل 24 من القانون الذي نص على ان حق النفاذ إلى المعلومة غير مطلق وأحال بذلك القانون إلى الفصل 49 من الدستور.

 

وقال شوقي قداس في تصريح لـ«الصحافة اليوم» ان الإشكال يبقى في التطبيق والالتزام بحق النفاذ إلى المعلومة من قبل كل الأطراف حسب ما نص عليه الفصل 27 من قانون حق النفاذ إلى المعلومة كما ذكر ان اللائحة الأوروبية أقرت بان الدول الأعضاء تنص في قوانينها على انه لا يوجد تعارض بين حق النفاذ إلى المعلومة وحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية. واعتبر ان هذا الحق من الحقوق الجديدة في مجتمعنا ويجب على هيئة النفاذ إلى المعلومة ان تقوم بدور توعوي وتثقيفي هام جدا في هذا الإطار حتى يتم التعود على هذه الممارسة.

 

وشدد شوقي قداس على ضرورة ممارسة هيئة النفاذ إلى المعلومة لصلاحياتها من خلال فرض عقوبات مالية على المخالفين وعدم الملتزمين بقراراتها باعتبارها هيكل شبه قضائي.

 

تغيير العقليات

واعتبر رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان «جمال مسلم» ان هيئة النفاذ إلى المعلومة هي هيئة ثورية حيث أصبحت تضمن تقديم المعلومات لكل مواطن يطالب بها. وبين «مسلم» في حديث لـ«الصحافة اليوم» ان الهيئة تقوم بمجهود في إطار ممارسة صلاحياتها الرقابية والقضائية وهي بصدد إصدار قرارات هامة رغم عدم التجاوب في كثير من الأحيان .

 

وقال محدثنا ان الإشكال يتمثل في تحقيق التوازن بين حق المواطن في المعلومة وحماية المعطيات الشخصية وكل معلومة تهم الأمن العام والصحة العامة والمصلحة العامة مشيرا انه لاحظ صعوبة تجاوب من الإدارات وبطء في التعامل مع طالبي المعلومة وهذا يعود حسب تقديره إلى تواصل ثقافة وعقلية قديمة حول سرية كل المعطيات.

 

وفي ما يتعلق بالمعطيات الشخصية قال محدثنا انه يجب حماية كل معطى شخصي لا يهم الشأن العام وهذا من خلال التقاء عمل هيئة النفاذ إلى المعلومة مع عمل هيئة حماية المعطيات الشخصية، وبخصوص المس من الأمن القومي أفاد جمال مسلم بان هناك ملفات فيها تجاوز للسلطة تتعلق بمواطنين تونسيين وأجانب لذلك تقوم الأطراف المعنية بالتثبت من المعطيات ومدى صحة الإجراءات القانونية.

 

وعموما بين «مسلم» ان مرحلة الانتقال الديمقراطي سترسخ ثقافة الشفافية والانفتاح لدى الإدارة التونسية وبالممارسة ستتعمق عقلية التعاطي الايجابي مع حق النفاذ إلى المعلومة خاصة وان عمل الهيئات أساس الاستقرار وصمام الأمان ضد انتشار الفساد.