الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



استمرار الأزمة السياسية والاقتصادية:

هل أدى إلى تشكيل هويّة جديدة للمجتمع ؟



اعداد: سميحة الهلالي

لاشك ان تبعات الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها بلادنا منذ تشكّل الائتلاف الحاكم بعد ما سمّي في حينه بمرحلة الانتقال الديمقراطي وبعد انتخابات 2014 قد ألقت بظلالها على الواقع المجتمعي فهذه الأزمة الخانقة كانت لها انعكاسات وخيمة على المجتمع حيث اتسعت الهوّة بين شعارات الثورة وطموحات الثوار من جهة و واقع البلاد و العباد من جهة ثانية بل أن عديد الظواهر قد برزت بصفة كبيرة للوجود بعد أن كانت حكرا على المجتمعات الغربية وأصبحت تؤرّق الباحثين و المهتمين بالشأن الاجتماعي في بلادنا نخصّ منها بالذكر لا الحصر ارتفاع نسبة الانتحار وتزايد الاقبال على الهجرة السرية وغيرها من الآفات الأخرى والتي منها أيضا انهيار الطبقة المتوسطة وولادة طبقة موسعة من المفقرين واصبحنا نتحدث اليوم عن طبقة الجياع و العائلات التي «تسترزق» من القمامة .

لقد أنتج الفشل في ادارة الشأن الاقتصادي والسياسي وضعا كارثيا بمختلف المقاييس فقد فيه المواطن كل مقومات العيش الكريم كما أنتج حالة من الفوضى والتفكك في العلاقات والضوابط الاجتماعية بسبب تفاقم مظاهر الفقر والبطالة والانحراف والبؤس وانهيار للقيم وغير ذلك من الأزمات الاجتماعية التي يؤدي تراكمها إلى تهديد النظام الاجتماعي بأكمله. فماهي مظاهر تداعيات الفشل الاقتصادي و السياسي على المنظومة الاجتماعية؟ وكيف يشخّص أهل الاختصاص الواقع الاجتماعي التونسي ؟ وماهي الحلول الممكنة للحفاظ على ما تبقّى من النسيج الاجتماعي الذي طبع «هويتنا التونسية» ؟

كانت المجتمعات التقليدية السابقة قبل ظهور المنظومة الليبيرالية الحالية تعرف لحمة حقيقية وتتميز بالانسجام و التناغم بين أركانها ومقوماتها وثوابتها ولكنها تفككت اليوم ذلك ما عبر عنه الدكتور في علم الاجتماع مصباح الشيباني مضيفا ان بلادنا تعرف تغيرا غير مسبوق للبنية التحتية للمجتمع ويعود ذلك وفق النظرية الماركسية الى تغير البنية الفوقية نتيجة هيمنة رأسمال على المجتمع الذي يقوم على سلعنة كل شيء أي ان كل العلاقات تقوم على نظرية الربح والخسارة كما ان البنية الفوقية (قوانين وتشريعات..... ) لم تعد لها القدرة و القوة في الحفاظ على تماسك المجتمع. ويضيف دكتور علم الاجتماع ان المشاكل الاجتماعية موجودة منذ القدم ولكن ما يتم الحديث عنه اليوم هو التزايد وبنسق سريع لهذه المشاكل اضافة الى بروز نوعية جديدة من الاجرام وشكّل تواتر حدوثها وظهورها نوعا من التعايش و التعوّد واصبحت مألوفة للمواطن كالخبز اليومي ولم تعد محلّ استنكار و استهجان من الجمهور كما كان يحدث سابقا ويسوق محدّثنا مثال ظاهرة الانتحار إذ كانت في السابق بمثابة الصدمة للمجتمع ولا يكفّ الحديث عنها لسنوات ولكن اليوم لم يعد لها نفس الوقع و الحدة على المجتمعات وباتت تعتبر امرا عاديا شانها شأن بقية المشاغل .

تفكّك العلاقات الاجتماعية

هذا الواقع الجديد على حد قول محدثنا يعتبر نتيجة حتمية لتفكك عرى العلاقات الاجتماعية نظرا لتهاوي وضعف أجهزة الدولة بل يمكن القول أنه لم تعد لدينا دولة بالمفهوم الحقيقي للدولة باعتبار ما تمثله من قوة رمزية او قانونية ضابطة للمجتمع لأنها محكومة من افراد ليس لهم أي نفوذ او عمق اجتماعي بل هم مجرّد أدوات تنفيذ لمنظمات وجهات أجنبية دولية على غرار البنك الدولي وغيره ..لذلك فقدت الدولة شرعيتها على حد تعبير مخاطبنا لأنها مسنودة من قبل قوى خارجية ولا تستند لشرعية وطنية.

كما ابرز محدثنا ان هناك اكثر من 80 جمعية تعمل على تطبيق مشاريع فرنسا في تونس كل هذا احدث فراغا في المجتمع و اصبحت العلاقة بين الدولة والمجتمع رهينة حكم الوسيط الاجنبي ورغباته و أجنداته ومخططاته وبالتالي فقدت الدولة سيادتها على تكييف حكمها و أحكامها على مواطنيها بما ترضاه هي و يلقى قبولا واستساغة لدى الشريحة الواسعة من المجتمع التي تحكمها فالدولة لا تتحكم في مستوى وضع سياساتها مما ادى الى ظهور توترات عديدة نتيجة عدم التزام الحكومة بالاتفاقيات التي ابرمتها مع الاطراف الاجتماعية مثل الاتحاد العام التونسي للشغل لأنها فاقدة لشرعيتها و لم تعد قادرة على السيطرة والتحكم في سياساتها وضبط المخطّطات واعداد البرامج و الاستراتيجيات واستشراف الابعاد والاهداف المستقبلية وهو ما افرز عدة اشكاليات كبرى كالفساد الذي يقوم على شرعية قانونية مثال ذلك قانون المصالحة .كما يضيف محدثنا ان تفكك المجتمع اليوم يعود خاصة الى ان الدولة ليست لها جدية او ارادة حقيقية في القضاء على كل المشاكل العميقة مثال ذلك هيمنة التجارة الموازية بنسبة تقدر تقريبا بـ60 بالمائة في حين يمثل القطاع المنظم نسبة 40 بالمائة.

من افرازات هذه الاخلالات والتصدّعات التي أصابت الدولة ما نعيشه من أوضاع حرجة على مستوى الوضع الاجتماعي كالبطالة وارتفاع نسبة الانتحار بالإضافة الى الهجرة غير الشرعية وتفشي ظاهرة تعاطي المخدرات في صفوف الشباب .ويرى محدثنا ان هذه الافرازات هي نتيجة حتمية لتخلخل وتفكك هيكلة الدولة في كل المجالات مما ادى بطريقة واضحة ودقيقة الى الانعكاس سلبا على المجتمع وخلف ضغوطات كبيرة في صفوف عديد العائلات من بينها اهتراء المقدرة الشرائية وتوسع رقعة المفقرين والمهمشين وكذلك تفكك العلاقات الاجتماعية واصبح مجتمعنا تطغى عليه الفردانية والانغلاق ويقتصر التواصل بين أفراده فقط عبر العالم الافتراضي بما هو هروب من الواقع المادّي مما جعل مجتمعنا اليوم في خطر كبير نتيجة الفشل السياسي والاقتصادي للحكومات المتعاقبة وغياب كل بوادر الاصلاح.

مؤشّرات خطيرة

لقد انعكست الازمة الاقتصادية بصفة مباشرة على المجتمع ويبرز ذلك من خلال ثلاث مؤشرات يتمثل المؤشر الاول في التضخم المالي الذي بلغ نسبة 7.5 بالمائة وهو ما ادى الى انهيار الطاقة الشرائية حيث لم يعد المستهلك قادرا على مجابهة المصاريف اليومية وهو ما انعكس سلبا على عديد العائلات كما ان الوضع الاقتصادي المتدهور وانعكاسه الجليّ على الواقع الاجتماعي يتجلّى من خلال المؤشر الثاني و المتمثّل في ارتفاع نسبة البطالة التي تقدر بنسبة 15.3 بالمائة التي القت بظلالها على فئة موسعة من اصحاب الشهائد العليا وخلفت عديد المشاكل على غرار الانتحار والامراض النفسية .كما ان البطالة انعكست سلبا على عديد العائلات التي تدرس أبناءها لسنوات طويلة بلا جدوى ولا مردودية حيث تكون خيبة الامل وخيبة الانتظار بالنتيجة الصادمة و المصير المحتوم المتمثل في البطالة المطولة للعديد من خريجي الجامعات الذين يمثلون امل عائلاتهم في الخروج من بوتقة الفقر والتهميش، ذلك ما عبر عنه الخبير الاقتصادي معز الجودي مضيفا ان الوضع الاقتصادي المتدهور خلف حالة من اليأس التي تفشت في المجتمع وكانت لها انعكاسات وخيمة عليه. ويبرز الجودي ان المؤشر الثالث يتمثل في انعدام جودة الحياة في كل المجالات( الصحة والتعليم والنقل....) والتي جعلت المواطن غير قادر على تسيير حياته بطريقة عادية حيث قلبت كل موازين حياته وغيرتها نحو الأسوإ وجعلته يعيش في دوامة مغلقة مازالت بوادر الخروج منها غير واضحة بل مازالت الحلول لتجاوزها غير متوفرة .

في ظل وضع سياسي متأزم ومؤشرات اقتصادية كارثية وأوضاع اجتماعية خانقة وبطالة مستفحلة وارتفاع صاروخي للأسعار وتدهور مريع للمقدرة الشرائية وتنامي الجريمة والإفلات من العقاب وتحول بلادنا من بلد تتوفر فيه الحماية للصناعة الوطنية الى بلد يستورد أكثر مما يصدر ويقتات مما يجود به عليه صندوق النقد الدولي الذي يفرض عليه منوالا اقتصاديا واجتماعيا يشكل خطرا على وحدته وتماسكه، وازدهار السوق الموازية وامتلاء جيوب الفاسدين ومن يحميهم من الطبقة السياسية على حساب قوت ضعاف الحال وحاملي الشهائد العليا الذين سُدّت في وجوههم آفاق التشغيل والحياة الكريمة فلجأوا الى قوارب الموت هروبا من الوضع البائس الذي يمرون به وبحثا عن حفظ كرامتهم التي انتهكت وارتفاع عدد ضحايا الانتحار وارتفاع نسبة المرضى نفسيا كلها مؤشرات تبرز حقيقة الوضع المخيب للآمال الذي لم يكن يتوقعه الشعب بعد 14 جانفي .

أزمة حقيقة تمر بها بلادنا اليوم لامست كل المجالات دون استثناء السياسية و الاقتصادية والاجتماعية ويبقى المواطن الحلقة الضعيفة بل الاضعف الذي يدفع فاتورة باهظة للخيارات الفاشلة للساسة الذين لا يعنيهم ما يحدث في بلادنا سوى ارضاء الجهات المانحة و الممولة والمحافظة على مصالحهم الضيقة ومزيد الاستثراء بل هم على استعداد لمزيد الدفع بالأوضاع الى المجهول نظير البقاء في سدّة الحكم وفدية لمآربهم وقربانا لطمعهم و جشعهم وتزلّفا للأجنبي الذي يخطط لمزيد اذلال هذا الشعب ومعاقبته بأيادي بني جلدته.