الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



استقلالية البنك المركزي

ضرورية للانتعاش الاقتصادي أم مفروضة من الخارج؟



الصحافة اليوم - بن قردان:

سلطت مداخلة محافظ البنك المركزي التونسي خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب التي خصصت لمناقشة الترفيع في نسبة الفائدة المديرية الضوء على أهم مؤشرات الاقتصاد التونسي ودقت ناقوس الخطر حول مخاطر تواصل هذه الأرقام ضمن المنطقة الحمراء . كما أعادت الجدل حول حدود استقلالية البنك المركزي ومجال عمله وتدخله وصلاحياته إضافة إلى مدى تداخل دوره مع دور الحكومة خاصة وأن عديد النواب اتهموا مجلس إدارة البنك بالعمل على تطبيق املاءات البنك الدولي وصندوق النقد ووصل بهم الأمر إلى حد التهديد بسحب الثقة من المحافظ مروان العباسي . كما بلغ صدى قرار الترفيع في الفائدة المديرية اتحاد الشغل الذي انتقد بشدة هذا الترفيع وهدد الأمين العام نور الدين الطبوبي بأنّ المنظمة الشغيلة في حل من كل التزام مع الحكومة في حال إصرار البنك المركزي على إقرار الترفيع في نسبة الفائدة المديرية . وشددت الحكومة من جهتها على أن البنك المركزي التونسي مستقل والحكومة تحترم قراراته لكنها حريصة في الوقت ذاته على ألا ينعكس قراره سلبا على المواطنين ولا يؤثر سلبا على المتحصلين على قروض سكن وقامت بإدراج فصل في قانون المالية لسنة 2019 يتعلق بعدم انعكاس الترفيع في نسبة الفائدة على قروض السكن.

فماهي حدود استقلالية البنك المركزي؟ وكيف تؤثر هذه الاستقلالية على الأداء الاقتصادي؟

أبرز محافظ البنك المركزي مواطن الخلل العديدة في الاقتصاد التونسي بعد أن باءت محاولات وقف نزيف مخزون العملة الصعبة وتراجع الدينار بالفشل وحتى قانون استقلالية البنك المركزي الذي انطلق العمل به منذ أكثر من سنتين لم يمكّن من تحسين الوضع بل على العكس من ذلك أصبحت هذه الاستقلالية محل اتهامات بالتقصير والتسبب في مزيد تعكر الوضع الاقتصادي والتي تصل في بعض الأحيان إلى درجة تطبيق املاءات البنك الدولي. حيث كان الهدف الاستجابة للحوكمة العصرية والنأي بالبنك المركزي عن أي تجاذبات سياسية محتملة أو املاءات سياسات نقدية معينة. وأمام تدهور الوضع المالي مثّل منح البنك مزيدا من الاستقلالية لتعزيز أدائه خيارا ملحا خاصة بعد فشل جميع الحكومات في وضع حد للنزيف الاقتصادي.

مسؤولية مشتركة

وضمن هذا الإطار يعتبر الأستاذ الجامعي منجي السماعلي أن التذرع بان استقلالية البنك المركزي تمكنه من التعامل لوحده ودون الرجوع إلى الحكومة هي حجة واهية في تقديره لان هناك تقصيرا حكوميا في كيفية التعامل مع ملفي مخزون العملة الصعبة والتهريب.فالنص القانوني ينص صراحة على استقلالية البنك المركزي مقارنة بالسلطة التنفيذية بداية من طريقة تعيين محافظ البنك المركزي التي لم تعد من مشمولات رئيس الجمهورية كما كان في السابق بل يقترحه رئيس الحكومة ويصادق عليه مجلس نواب الشعب لضمان أكبر قدر ممكن من الاستقلالية لكن ذلك لا يعني أن الحكومة لا تتحمل مسؤولياتها كجهاز تنفيذي . فبهدف تعديل السوق والحفاظ على استقرار الأسعار يستعمل البنك المركزي عند الحاجة آلية سعر الفائدة لكن الانحدار الأخير في مخزون العملة الصعبة جعل من محافظ البنك يراسل الحكومة لتتخذ الإجراءات الحمائية اللازمة التي هي من صلاحيات وزارة المالية للحد من التوريد وهذا الأمر تتيحه قوانين المنظمة العالمية للتجارة في صورة وجود مخاطر على الاقتصاد الوطني أي أن المحافظ قام بدوره على أكمل وجه واتخذ الإجراءات التي هي من صلاحياته وطلب من أجهزة الدولة الأخرى أن تتخذ ما هو مناسب لوضع حد للنزيف الحاصل لان الإجراءات الحمائية ليست من مشمولات البنك المركزي . فالبنك المركزي ليست له سلطة للمراقبة المباشرة وظاهرة انتشار حجم العملة الصعبة في السوق السوداء التي لا يمكن للبنك مراقبتها بل ذلك من مهام الحكومة ممثلة في الديوانة والأمن وكذلك ظاهرة تبييض الأموال لان مهمة مكافحة التجاوزات المالية هي من مشمولات الحكومة لان البنك المركزي يراقب فقط الأموال التي تمر عبر حساباته وليس الأموال التي تكون في السوق الموازية فهذا دور وزارة المالية وأجهزة الأمن التي تراقب مسالك التوزيع والتهريب . وبالنسبة إليه من الصعب أن تكون هناك استقلالية مطلقة وهذا غير معمول به حتى في أكبر الاقتصاديات المتقدمة في العالم لكن بالأحرى يجب أن يكون هناك تنسيق بين البنك المركزي ووزارة المالية لذلك من الضروري أن تكون العلاقة بينهما قائمة على المرونة حتى ولو أدت إلى بعض السلبيات كالتضخم. وعموما يمكن القول أن الاستقلالية في هذا الخصوص هي استقلالية نسبية ترتكز على التساؤل الهام: ماذا نريد من البنك المركزي؟ التركيز على التضخم فقط أم على السياسة النقدية في المطلق؟ وهذا الأمر غير واضح في تونس ومرتبط بالمشهد السياسي الذي يبدو معقدا جدا قبل الانتخابات القادمة.

وعلاوة على ذلك يقترح الخبير الاقتصادي عادل الطويل أن يتم توسيع دائرة تدخل البنك المركزي ولا يقتصر اهتمامه على استقرار الأسعار فقط بل كذلك على تحديد السياسة المالية والتنمية الاقتصادية للبلاد كما أنه من واجب محافظ البنك المركزي خلق مواطن شغل وقنوات للسياسة النقدية واثبات مدى تأثيرها على السياسة الجبائية لأن استمرارية هذا الغموض يمكن أن تولد تضارب المصالح بين هدف السياسة الجبائية وهدف السياسة النقدية المتمثل في السيطرة على الأسعار وعدم وجود تنسيق يتسبب في التضخم. وعموما فإن استقلالية البنك المركزي ليست هدفا في حد ذاتها بل هي إطار معين للوصول بها إلى نجاعة السياسة النقدية وتكون متناسقة مع الأهداف الاستراتيجية للتنمية الاقتصادية بالبلاد.

جهاز تنسيق

كما دعا محدثنا في ذات السياق إلى ضرورة تقنين وهيكلة جهاز للتنسيق بين البنك المركزي من جهة ووزارة المالية من جهة أخرى لضمان أفضل ما يمكن من النتائج في ما يتعلق بمعالجة الإشكاليات المالية للبلاد. ووفق النظام الحالي ليس لمحافظ البنك الهامش اللازم للتحرك رغم صدور القانون الجديد الذي يكرس استقلالية البنك المركزي. فالآليات المتاحة أمامه تكاد تكون مقتصرة على زيادة سعر الفائدة وليس بمقدوره لوحده معالجة تراجع مخزون العملة الصعبة الذي استفحل بسبب تحول العجز التجاري من عجز ظرفي إلى عجز هيكلي بفعل تنامي الواردات وتراجع الصادرات بشدة. وبالنسبة إليه تبقى للحكومة السلطة والمسؤولية الكاملة للتقرير في سياسة ميزانية الدولة وكذلك مجلس نواب الشعب بإمكانه مساءلة محافظ البنك المركزي والرقابة على أعماله وليس لرئيس الحكومة أي سلطة عليه. وأشار إلى أن الربط بين الاستقرار المالي واستقرار الأسعار ليس دائما صحيحا على اعتبار أن هناك أزمات مالية عديدة اندلعت رغم استقرار الأسعار وان الوضع في الأزمات يتبدل ويصبح كل شيء غير ثابت فيمكن للبنوك المركزية أن تتدخل بكل ثقلها لإنقاذ الاقتصاد ومن ذلك أن نسبة الفائدة الحقيقية تصبح سلبية أي أن سعر الفائدة اقل من نسبة التضخم.

وعلى اعتبار أن القانون الذي جرى إعداده بالتعاون مع صندوق النقد الدولي سيمكن من تطوير النظام المصرفي وتحديثه لكي يتلاءم مع المنظومة العالمية شرط أن تلتزم به الحكومة فان استقلالية البنك المركزي أمر ضروري ويجب التمييز بين الاستقلالية حسب الأهداف والاستقلالية حسب الوسائل. فالقانون الجديد الذي ينظم عمل البنك المركزي جعل الوسائل والأهداف تحت يد المحافظ لكن الدستور يقول أن المسؤول عن السياسية الاقتصادية للدولة في آخر المطاف هو الحكومة. فالاستقلالية في تقديره تعني أن البنك المركزي مستقل في اختيار الأهداف والوسائل كما أن الاستقلالية تكون نسبية لأن أهداف الحكومة وأهداف البنك المركزي قد تتعارض والفرق بينهما أن الحكومة تعمل تحت ضغوطات في حين أن البنك المركزي يعمل خارج الضغوطات والأهداف الآنية.