الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



ملف الممتلكات المصادرة على خطى السلحفاة

نقائص بالجملة وتعقيدات قانونية وإجرائية...وحصيلة هزيلة


اعداد : جيهان بن عزيزة

على الرغم من استيفاء كل آليات المصادرة المخولة للدولة لاسترجاع الأموال والممتلكات المكتسبة بصفة غير شرعية من توفر إطار قانوني ينظم العملية بتحديد أهدافها ونطاقها والياتها وإجراءاتها وإطار مؤسساتي يضبط الهياكل المتدخلة وأدوارها وعليه تم بمقتضى المرسوم عدد 13لسنة 2011 المؤرخ في 14 مارس 2011 والمتعلق بمصادرة أموال وممتلكات منقولة وعقارية إحداث لجنة المصادرة تتمثل مهامها في الكشف عن الأموال والعقارات والحقوق المكتسبة بعد 7 نوفمبر 1987 والراجعة إلى الرئيس السابق للجمهورية التونسية وزوجته وبقية الأشخاص بالقائمة الملحقة بالمرسوم وغيرهم ممن قد يثبت حصولهم على أموال منقولة أو عقارية أو حقوق جراء علاقتهم بأولئك الأشخاص إلا انه وبعد مرور ثماني سنوات من أحداث الثورة بان بالكاشف أن عملية المصادرة شابتها العديد من النقائص من ذلك سكوت النص القانوني عن بعض الحالات التي لا يمكن التعامل معها دون استيضاح يمكّن من معالجتها كتطبيق استثناء الميراث من المصادرة ومحدودية الموارد البشرية والمادية اللازمة لإنجاز عمليات الرصد والضبط والتوجه والمعاينة وعدم توفر معطيات كافية حول الأملاك المصادرة لدى بعض الهياكل العمومية كإدارة الملكية العقارية التي تقتصر على توفير سندات الملكية العقارية في شكل لا مادي دون توفير العمليات المنجزة بخصوص العقارات.

وكنتيجة حتمية لكل هذه المعوقات لم تتوصل لجنة المصادرة إلى تحقيق نتائج مرجوة من عملية المصادرة التي ثبت أنها لم تستوف كل جوانبها القانونية والإجرائية وإزاء هذه الوضعية من طول آجال التثبت في الملفات بمعدل 494 يوم وتراجع قيمة الأملاك المصادرة والتفويت من قبل أشخاص في الممتلكات دون وجه حق أوصت لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام بمجلس نواب الشعب في تقريرها بخصوص منظومة المصادرة والتصرف والاسترجاع بضرورة تغيير هيكلة لجنة التصرف في الأموال المصادرة إلى وكالة تصرف وخلق هيكل مشرف موحد للهياكل المتداخلة في عملية التصرف تضم لجنة المصادرة ولجنة التصرف ونزاعات الدولة ووزارة العدل وتخليص أعمال المصادرة من قيود الإجراءات الجزائية مع خلق تفاعل إجرائي بين قرارات المصادرة وإثارة الدعوى العمومية وإضفاء الصبغة التنفيذية عليها خارج تراب الوطن.

وبات ملف الأملاك المصادرة من الملفات الشائكة والحارقة والمتشعبة وربما يعود ذلك في جانب منه إلى أن الدولة لم تكن غداة الثورة متهيئة للمصادرة وللتعقيدات التي المتعلقة بتطبيقها خاصة وان المصادرة طرحت إشكالات التصرف في تلك الأموال وهي من المسائل المستحدثة ثم إن انتقال الممتلكات الخاصة إلى ملك الدولة الخاص وضعها في مأزق وهو ما يفسر إلى حد ما اللجوء إلى التصرف القضائي.

اخلالات وعراقيل

عملية التصرف في الأموال والممتلكات المصادرة هي الأخرى لم تكن في المستوى المطلوب فنسق الاجتماعات الدورية للجنة الوطنية للتصرف في تلك الأموال المعنية بالمصادرة أو الاسترجاع لفائدة الدولة لم تكن بشكل دوري وتمكنت اللجنة من إصدار 995 قرار مصادرة و633 شركة منها ٪46،6 تم بشأنها اتخاذ قرارات تفويت أو تصفية فيما تم التفويت في 11 شركة.

ولم يخل التصرف في المساهمات من اخلالات تعلقت بضعف استخلاص مستحقات الدولة بعنوان أرباح الشركات وبتأمين السير العادي للشركات المصادرة وتأهيل الممتلكات مما أدى إلى تأخر عملية التفويت نتيجة تعدد المتدخلين وغياب التنسيق وقصور دليل الإجراءات وطول آجال التفويت ووجود عديد العقارات المصادرة المرتبطة برسوم وحقوق أخرى أو منابات غير مصادرة أو مصادرة وغير مرسمة أو موضوع عقود بيع أو مقاسمة كانت جارية قبل 14 جانفي 2011 ولم ترسم بعد أو موضوع شروط سقوط الحق.

كما شاب التصرف في مصادرة العقارات عديد الاخلالات التي أثرت على النتائج منها خاصة عدم احترام إجراءات التفويت وعدم التقيد بقواعد المنافسة عند الإعلان عن طلبات العروض ونقص في دقة نتائج عمليات التقييم التي يتم اعتمادها كأثمان مرجعية عند التفويت وبطء نسب تقييم العقارات ولم تشمل عمليات التشخيص التي أمنها المؤتمنون العدليون كافة العقارات ولم تبين ما يفيد توليهم القيام بصيانة وترميم العقارات وهو ما حال دون المحافظة على هذه الأملاك حيث تحملت خزينة الدولة أعمال صيانة بلغت كلفتها 300 ألف دينار في 2015 فضلا عن عدم تسويغ عدد من العقارات الشاغرة رغم خلوها من موانع مادية أو قانونية وشملت 46 عقارا خلال الفترة من 2011 إلى 2015 وهو ما يعد مخالفة لدليل الائتمان العدلي.

وما يلفت الانتباه أن عملية التصرف في مصادرة أصول على غرار السيارات والمراكب ومنقولات منها الأثاث والمعدات والمعادن النفيسة والأسلحة النارية خلال عرضها في معرض لم تمكن من تغطية سوى ٪40 من جملة المصاريف البالغة نحو 910 آلاف دينار كما أن لجنة التصرف لم تتول إرجاع المبنى الذي استغلته لتنظيم المعرض لمدة ستة أشهر إلى الشركة المسوغة إلا خلال شهر أوت 2015 أي بتأخير تجاوز السنتين وهو ما أدى إلى إثقال كاهل الدولة بمبلغ 1,83 مليون دينار.

في جانب آخر قدرت القيمة الجملية لمحافظ الأوراق المالية المصادرة بحوالي 133,4 مليون دينار صدر في شأنها 57 قرارا وقد تم تحصيل مبلغ 8,5 مليون دينار بعنوان الأرباح الموزعة بعنوان الأوراق المالية المصادرة وارتفع المبلغ المصادر إلى نحو 136,9 مليون دينار إلا أن ذلك لم يكن بالعمل الهين فقد واجهت لجنة التصرف عدة صعوبات في هذا الجانب منها عدم تجاوب عدد من البنوك مع المراسلات الموجهة لها لتسوية وضعية المبالغ التي استخلصتها دون موجب بعد 14 جانفي 2011 من الحسابات البنكية المصادرة (15،6 مليون دينار).

وأوصت لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام بضرورة العمل على استكمال رفع التصرف القضائي عن الشركات المصادرة ومزيد الحرص على استخلاص مستحقات الدولة المتعلقة بأرباح الشركات المصادرة بما يساعد على تلافي تقادم دعوى خلاص تلك المستحقات طبقا للفصل 288 من مجلة الشركات التجارية وفي ما يتعلق بالعقارات رأت اللجنة ضرورة القيام بتقييم شامل لكل منظومة مصادرة الأموال والممتلكات والتصرف فيها وإبراز الاخلالات الإجرائية والمؤسساتية المسجلة ووضع مؤشرات دقيقة حول الممتلكات. أما بخصوص السيولة فأوصت اللجنة باستكمال تجميع المحفظة وطلب رفع التجميد على ما تبقى من الأموال المجمدة والتفويت في ما تبقى من المحفظة ذات الحجم الضعيف وإعادة مكاتبة البنوك لتسوية وضعية السيولة المصادرة التي تحت تصرفها ولم تتول إحالتها إلى صندوق الأموال المصادرة.

حصيلة محتشمة

وكما تحتاج الأملاك المصادرة داخل التراب التونسي إلى ضبط قائمة تحددها فان الأموال والممتلكات المتواجدة خارج تراب الوطن هي كذلك تحتاج إلى ضبطها وتحديد قائمة فيها حتى تتمكن لجنة المصادرة في وقت لاحق من استرجاعها حيث تعهدت بهذه المهمة اللجنة التونسية للتحاليل المالية بالبنك المركزي التونسي منذ أواخر شهر جانفي 2011 أين توصلت إلى تحديد عديد الأموال الراجعة للأشخاص المذكورين بمرسوم المصادرة ووقع تجميدها في كل من سويسرا وإسبانيا وإيطاليا ولبنان إلا انه ورغم النجاح النسبي في تجميد البعض من تلك الأملاك والأموال فان العراقيل والصعوبات وقفت حائلا أمام عمل لجنة المصادرة على المستويين الوطني والدولي خاصة وان هذه المسألة تتميز بخصوصية على اعتبار أنها تتعلق بتطبيق اتفاقيات قضائية وتبقى رهينة بمدى تعاون الدول التي تربطنا بها اتفاقيات قضائية ثنائية والتي بحوزتها الأملاك والأموال المصادرة . ومن بين تلك العراقيل على المستوى الوطني ضعف الموارد البشرية ونقص الخبرة لدى القضاء التونسي بحكم عدم تعامله مع هذا النوع من القضايا وتراكم الملفات أمام القضاة وعدم تفرغهم التام للبت في ملفات الفساد المالي وهو ما اثر على سرعة البت فيها علاوة على تعقد الإجراءات وتشعبها وكثافة الوثائق المطلوبة من الجهات الأجنبية.

دوليا أثر طلب السلط القضائية الأجنبية تحديد الجريمة الأصلية التي تأتت منها الأموال المجمدة في الخارج وصدور أحكام باتة في المصادرة سلبا على نسب استرجاع تلك الأموال كما أعاق عدم حصول قضاة التحقيق في آجال معقولة على الوثاق البنكية للحسابات المجمدة في الخارج عملية تقصي الأموال وتحديد الشركات الواجهة التي تتصرف فيها إذ بينت التحريات التي تمت أن الحسابات والعقارات التي تم تحديدها مسجلة بأسماء مستعارة أو باسم شركات واجهة في غالب الأحيان في جنات ضريبية.

ولتفادي الحصيلة المحتشمة من الأملاك والأموال المجمدة في الخارج والتي لا تتجاوز طائرتين ويختين ومبالغ متفاوتة أوصت اللجنة بالبحث عن سبل بديلة للاسترجاع والاطلاع على جميع الانابات القضائية الموجودة بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي مع إحداث لجنة جديدة تحت إشراف وزارة أملاك الدولة.

ويبدو أن توجه الحكومة يتناسق مع مقترحات لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام في ما يتعلق بإحداث وكالة تكون مختصة في التصرف في الممتلكات الخاصة وهو اقتراح محل دراسة على المستوى الحكومي ستصنف إن أحدثت كمنشأة عمومية لا ينحصر نشاطها بالأملاك المعنية بالمصادرة وحسب وإنما ستكون بمثابة الهيكل الخاص بكل المسائل المشابهة أما نجاح هذه الوكالة من عدمه فيبقى رهين مهامها ومدى تطبيق ما جاء في تقرير اللجنة من توصيات تتجاوز الهنات القانونية والرقابية في ملف على درجة كبيرة من التعقيد وسيظل مفتوحا للمتابعة متى بقيت الآلاف من الدنانير والأملاك خارج قبضة الدولة.