الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



كلفة الانتاج في ارتفاع متواصل

متى يتوقف ارتفاع أسعار المواد الأساسية ؟


اعداد: شكري بن منصور

يمثل ارتفاع كلفة انتاج المواد الأساسية أهم أسباب ارتفاع الأسعار ونقص بعض المنتوجات من حين إلى آخر. وقد سعت الحكومة إلى تجاوز اشكاليات نقص المواد الأساسية من خلال اللجوء المتكرر إلى التوريد وهي حلول اعتبرها المهنيون مسكنات ولا تخدم الفلاحين والمربين وكذلك المستهلك. فالفلاحون يطالبون بضرورة توجيه الأموال المقرر توجهها لاستيراد الحليب لدعم الفلاح باعتباره الضمانة الأساسية لاكتفاء السوق من هذه المادة بينما تعتبر وزارة التجارة أن هذا الإجراء وقتي وقع اتخاذه كحل عاجل لتزويد السوق وتفادي النقص الحاصل من الحليب. وفي علاقة بهذا الموضوع يشتكي المواطنون من تفشي ظاهرة البيع المشروط الذي يمارسه تجار الجملة والتفصيل على حد سواء مما جعل المستهلك المتضرر الرئيسي داخل هذه المنظومة المهترئة التي عجزت جميع جهود الحكومة خلال السنوات الأخيرة عن حلها. ومما زاد الطين بلة تسجيل نقص في مواد أخرى كالزبدة والبيض وصولا إلى الطماطم المعلبة التي ستسجل على ما يبدو انقطاعا خلال شهر أفريل القادم بسبب نقص الإنتاج ونقص المخزون حسب ما أعلنت عنه وزارة الفلاحة. ويعتبر اللجوء إلى التوريد في ظل تواصل انزلاق الدينار أمام العملات الرئيسية من أهم أسباب ارتفاع الأسعار وهو ما ينذر بموجة جديدة من الزيادات في الأسعار التي ستشمل عديد المواد الأساسية.

فماهي أسباب تواصل نقص عديد المواد الأساسية وماهي الحلول لتجاوزها؟

تمر منظومة الألبان بمرحلة حرجة جدّا وتعيش أوضاعا صعبة تتمثل في تفاقم خسائر المهنيين بجميع حلقاتها إنتاجا وتجميعا وتصنيعا جرّاء الارتفاع المتواصل لأسعار مكونات الإنتاج من الأعلاف والأدوية واليد العاملة و الأراخي ومعدات النقل والتحويل والتعليب إلى جانب ارتفاع أسعار قطع الغيار وكلفة صيانة المعدات والشاحنات وغيرها من عناصر الإنتاج المباشرة وغير المباشرة. كما أن منظومة الدواجن تمر أيضا بصعوبات أدت إلى ارتفاع سعر البيض ليبلغ سعر بيع البيضة الواحدة 250 مليم وهو مستوى غير مسبوق تسجله أسعار هذه المواد الأساسية مما دق ناقوس الخطر للبحث عن حلول لمنظومة عادت بالضرر على الفلاح ولم يستفد منها المستهلك.

وضمن هذا السياق اعتبر منور الصغيري مدير وحدة الإنتاج الحيواني أن أسباب ارتفاع أسعار عناصر الإنتاج تعود إلى عدّة عوامل أهمها المعطيات المناخية حيث توالت سنوات الجفاف والصعوبات المالية وأساسا سعر صرف الدينار مقابل العملات الأجنبية نظرا لارتباط إنتاج الحليب ببلادنا بتوريد جل مكونات الإنتاج إلى جانب الإجراءات التي تضمنها قانون المالية 2018. فبلادنا تشهد للموسم الرابع على التوالي عوامل مناخية صعبة تميزت بقلّة الأمطار وعدم انتظامها وهو ما اثر سلبا على المتوفرات من الموارد العلفية وارتفاع أسعار الأعلاف الخشنة.

أما الصعوبات المالية فتتمثل أساسا في تراجع سعر صرف الدينار التونسي الذي يشهد انهيارا غير مسبوق مقارنة بالعملات الأجنبية و خاصة الدولار واليورو حيث تراجع سعر صرف الدينار التونسي مقابل اليورو بحوالي ٪32 خلال الفترة المتراوحة بين جانفي 2017 وسبتمبر 2018 مما أدى إلى ارتفاع كلفة توريد المواد المستعملة في إنتاج الحليب على غرار الأعلاف والأدوية البيطرية والميكنة الفلاحية ومواد التعليب ووسائل النقل وغيرها.

سوء ادارة

وعوض البحث عن حلول أدت الإجراءات التي اتخذتها الحكومة إلى تعكير الوضع من خلال قانون المالية لسنة 2018 حيث أن عديد الإجراءات ساهمت بصفة مباشرة أو غير مباشرة في ارتفاع كلفة الإنتاج على غرار الترفيع في المعاليم الديوانية بمعدل ٪15 والترفيع في نسبة الخصم الموظف على مادتي فيتورة السوجا والقطانيا بنسبة ٪0.5 لتصبح 2.5 عوضا عن 2 %. إضافة إلى الترفيع في الأداء على القيمة المضافة بنسبة 1 % ومراجعة معلوم الاستهلاك والترفيع في تعريفة المعلوم الوحيد على التأمين بنسبة تتراوح بين 1 و 2 %، إلى جانب ذلك تم الترفيع في معاليم التامين بخصوص المسؤولية المدنية بنسبة 25 %.

حلول

ولتجاوز الإشكاليات الحاصلة دعا اتحاد الفلاحين إلى ضرورة الترفيع العاجل في تسعيرة الحليب على مستوى الإنتاج إلى حدود 1,100 دينار للتر الواحد لتجاوز صعوبات ارتفاع الكلفة وحث المربين على إيقاف نزيف التفويت في القطيع خاصة إثر ارتفاع سعر العلف المركب في 4 مناسبات بعد الزيادة في سعر الحليب خلال شهر جويلية 2018 إلى جانب مراجعة منحة التجميع المخصصة لمراكز التجميع و منحة الاستغلال. وللإشارة فإنه إذا اعتمدنا مؤشر المردودية الاقتصادية المعتمد عالميا في تحديد سعر بيع الحليب ( المؤشر = سعر العلف المركب* 1.5 ) فإن سعر الحليب على مستوى الإنتاج يكون في حدود 1440 مليم للتر. ولا بد من اتخاذ إجراءات عملية وملموسة لتوفير الأعلاف محليا ودعمها لفائدة جميع المربين دون استثناء، ويقترح في هذا الشأن تنفيذ مخطط وطني لتنمية إنتاج الزراعات العلفية من خلال حذف المعاليم الديوانية ( 15 % ) والأداء على القيمة المضافة ( 18 %) الموظفة حاليا على توريد قرط الفصة وذلك لمدة 2 سنوات مع وضع آجال محددة لإخراج حليب الشراب نصف الدسم من منظومة الدعم وتوظيف الدعم المرصود بعنوان الاستغلال (حوالي 200 مليون دينار لدعم الاستهلاك) وتوجيهه للنهوض بحلقة الإنتاج.

ضرورة الإصلاح الهيكلي

يحي مسعود عضو المجلس التنفيذي لاتحاد الفلاحين المكلف باللحوم الحمراء والألبان أوضح من جهته أن أسباب نقص عديد المواد الأساسية في السوق واضحة وهي مرتبطة أساسا بالمردودية الاقتصادية. فالدولة تريد من الفلاح أن يبيع منتجاته بالخسارة وهذا غير مقبول لذلك اضطر عديد الفلاحين إلى بيع الأبقار والدواجن لعدم مردودية القطاع مما تسبب في نقص الإنتاج. كما أن الأزمة زادت في الظهور بشكل جلي مع تراجع الدينار لان أغلب المواد الأولية موردة من الخارج بالعملة الصعبة. وعلى سبيل المثال ٪70 من مكونات البيضة ارتفعت كلفتها مثل الكهرباء واليد العاملة والبناءات والصيانة وغيرها...واعتبر محدثنا أن الدولة بدل أن تقدم حلولا للمشاكل الملحة لقطاع الدواجن والأبقار سارعت إلى التوريد وهذه مجرد مسكنات ولا تعالج أصل الإشكال لذلك لا بد من الشروع في إصلاح القطاع بشكل جذري والتركيز على توجيه الدعم أساسا لمنظومة الإنتاج عوض توجيه الأموال نحو التوريد.

وتستعد المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك وفق ما أكده رئيسها سليم سعد الله لإصدار بيان للتنديد بالنقص الفادح في عديد المواد الأساسية محملة الحكومة المسؤولية في تواصل هذا النقص لغياب إستراتيجية واضحة إضافة إلى تسونامي الأسعار الذي يضرب البلاد منذ أشهر. و ترجع المنظمة هذا الوضع أساسا إلى غياب المراقبة الاقتصادية في مسالك التوزيع بالنظر إلى أن إنتاج الحليب والخضر متوفر في هذا الوقت من السنة أما بالنسبة لكلفة الإنتاج المرتفعة فلا يمكن أن يتحملها المواطن وليس من المعقول أن يتجاوز ثمن البيضة الواحدة 210 مليم وهو مستوى مرتفع أصلا قبلته المنظمة على مضض. ورغم أن الوزارة قامت بتحديد سعر مرجعي لبعض المواد إلا أن الباعة لا يلتزمون به وهنا يتساءل محدثنا عن غياب قدرة الدولة لإجبارهم على التقيد بهذا القرار علما وأن هذا النقص يشمل كامل ولايات الجمهورية. و من الأسباب الأخرى التي أدت إلا هذا النقص انتشار المضاربة على السلع وتعدد «القشاّرة» مما أدى إلى ارتفاع الأسعار وعلى سبيل المثال ليس من المعقول أن يرتفع سعر الزيت المدعم من 900 مليم إلى 1500 مليم للتر علما وأن هذه المادة تكلف الدولة 200 مليار كمصاريف دعم حتى يبقى سعره عند مستويات مقبولة للمستهلك البسيط.