الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



التوزيع العادل «للظلم»:

«الهدم الانتقائي» للبناءات العشوائية


اعداد :سميحة الهلالي

المسكن اللائق حلم يراود كل التونسيين بل لعلّه يعدّ هدفا يحظى بأولوية مطلقة ضمن استراتيجية عيشه وسلّم اهتماماته، ولئن لا يختلف اثنان في مشروعية تحقيق هذا الحلم و أهميته وقيمته وتأثيره على البنية النفسية والاجتماعية و المادية للفرد فإنّه كذلك يؤثر بشكل مباشر و جليّ على عدّة قطاعات أخرى ذات صلة به وبمستويات متفاوتة مثل سوق الشغل وبعض الحرف اليدوية المرتبطة بأشغال البناء اضافة لقطاع النقل والصناعات الثقيلة من اسمنت وحديد وصولا للقطاع الخدمي الاداري والقانوني وما يترتّب عنه من ملفات قروض بنكية وأمثلة هندسية و تراخيص من السلط البلدية و المحلية...لا غرابة إذن ـ وهو بهذا التشعّب و الاهميةـ أن تتولّى شأن ادارته و تنظيمه ترسانة قوانين وتشريعات صارمة تفرض علويّتهاوضرورة الانضباط لها على الجميع الانصياع اليها و الامتثال لضوابطها ونواميسهامن أجل فرض شكل معماريّ راق يضع حدّا لتفاقم ظاهرة البناء الفوضوي بعد الثورة والتي استفحلت في مختلف الولايات بشكل ملفت للانتباه خاصة أن البعض تعمد الاستيلاء على الملك العمومي والبناء دون تراخيص قانونية. فقد نبهت عديد الأطراف إلى مخاطر هذا الاستهتار والتجاوز. وكان لابد أن تتحرك مختلف الهياكل المعنية لمجابهة هذه الظاهرة وردع المخالفين بإصدار قرارات هدم للبناءات الفوضوية حيثما وجدت. ولئن سجلت عديد ولايات الجمهورية مئات قرارات الهدم فإن تنفيذها اقتصر على أطراف دون غيرها على حد تعبير عدد من المتضررين بل اعتبر العديد منهم ان تنفيذ قرارات الهدم كان انتقائيا ويؤشر لشبهات فساد في ملف البناءات العشوائية فلماذا تبقى العديد من قرارات الهدم حبرا على ورق ؟ والى أي مدى يمكن القول ان عمليات الهدم انتقائية؟وهل يؤشر هذا على أن أخطبوط الفساد والافساد قد استوطن هذا الملف أيضا ؟

الملفت للانتباه في هذا الموضوع هو «استقالة» أو غياب الجهة التي أوكلت اليها مهمة الاشراف والتنظيم و استصدار الرخص والتراخيص عن مسرح الاحداث واكتفت بدور المراقب حينا و الشريك أحيانا وذلك بالتغاضي عن عديد التجاوزات مما حدا بعدد كبير من المتضررين من البناءات العشوائية بالتوّجه الى القضاء لإنصافهم ورغم حصولهم على قرارات هدم للبناءات مصدر الازعاج المجاورة او الملتصقة ببناياتهم الا ان قرار تنفيذ الهدم لم ينفذ بعد على غرار ما تحدثت عنه السيدة «بية» التي مازالت تنتظر الى حد هذه الساعة ان ينفذ قرار هدم للبناء المخالف للقانون وتحدثت عن معاناتها اليومية المتمثلة في الذهاب الى البلدية مرارا وتكرارا للمطالبة بهدم البناء مصدر الازعاج لها وليست السيدة «بية» الحالة الوحيدة ممن يعانون من البناءات العشوائية بل كثيرون امثالها يمرّون بالوضع نفسه .

كما تحدث البعض من نشطاء المجتمع المدني ومواطنين عن ظاهرة الهدم الانتقائي وشبهات الفساد في هذا المجال فالبعض يطبّق عليه القانون الفوري وينفذ عليه قرار الهدم والبعض يبقى القرار مجرد حبر على ورق ولا ينفذ مما يثير الريبة والشك ويؤشر لوجود شبهات فساد و تساءل عدد كبير منهم عن مقاييس تنفيذقراراتالهدم لبناءات بعينها في حين يتمّ غض النظر عن اخرى في المكان نفسه؟....

اشكاليات قانونية

تعترض عمليات تنفيذ قرار الهدم في عديد من الحالات اشكاليات قانونية وصعوبات فنية تحول دون تنفيذ قرار الهدم وحتى وان نفذ ينفذ جزئيا وهو مايبرر ضعف نسبة تنفيذ قرارات الهدم ذلك ما عبر عنه السيد عادل بوقرة مدير الشؤون القانونية بوزارة الشؤون المحلية والبيئة مبينا ان من اهم الاشكاليات القانونية دخول اعوان التنفيذ الى المحلات الاهلة بالسكان _موضوع قرارات الهدم _وهو ما من شانه عدم تنفيذ قرار الهدم الى جانب ضعف عملية المراقبة من طرف الاعوان المؤهلين لذلك ولئن ضبطت احكام مجلة التهيئة الترابية والتعمير اجراءات اتخاذ قرار الهدم وآجال تنفيذه فإنها لم تأخذ بعين الاعتبار الوضعيات الواقعية التي يكون فيها البناء المخالف قد وقع اشغاله من طرف اشخاص مما يحتم اخراجهم من قبل الشروع في اعمال التنفيذ ولئن يعتبر قرار الهدم قرارا صادرا عن السلطة العامة و يتمتع بقرينة المشروعية ويصطبغ بالقوة التنفيذية ويكون واجب التنفيذ بذاته طالما لم يتم الطعن فيه او توقيف تنفيذه وذلك اما بصورة اختيارية من المخالف او عن طريق التنفيذ الجبري المباشر فان الاشكال المعروض لا يتعلق بقرار الهدم في حد ذاته و انما بتتبعات تنفيذه باعتبار ان المحل أهل بالسكان ويستوجب اخلائه قبل مباشرة اعمال التنفيذ لا سيما ان مجلة التهيئة العمرانية والتعمير لم تعالج مسالة التنفيذ في عقار وقع اشغاله من طرف المتساكنين.

وفي غياب النص القانوني الذي يبين مسالة التنفيذ في بناية مسكونة وتفاديا لكل اخلال بالحقوق والحريات المكفولة بمقتضى الدستور واعتبارا لان البناء قد اكتمل وقع اشغال البناية من طرف المخالف فانه يستحسن التوجه الى القضاء لتسهيل عملية تنفيذ قرار الهدم وتمكين المخالف من كل الضمانات التي تكفل حقوقه المضمونة بمقتضى الدستور.

ضعف الرقابة

ويضيف محدثنا ان ضعف عملية مراقبة البناء المخالف باعتبار ان الجهاز المكلف بالمراقبة والتنفيذ اصبح خاضعا لمصالح وزارة الداخلية ولم يعد خاضعا مباشرة لسلطة رئيس البلدية وهو ما أثّر سلبا على مستوى التنسيق بين مصالح البلدية والمصالح الامنية في عملية التنفيذ من ذلك مثلا ان نسبة هامة من قرارات الهدم تحال على المصالح الامنية ولم يتم تنفيذها بسبب عدم توفر التعزيزات الامنية اللازمة في جل الاحيان علاوة على قيام الجهاز المكلف بالمراقبة وبالتنفيذ بالمهام الامنية الراجعة اليه بالنظر كتأمين المباريات الرياضية والامتحانات الوطنية الى جانب مقاومة الاستغلال المفرط للرصيف وغيرها من المهام الامنية الاخرى وهو ما يفسح المجال امام المخالفين تعمد الاسراع في انجازالبناء المخالف وانهاء الاشغال خاصة ايام الاحاد والليل والعطل الرسمية والاستغلال الفوري للبناية لإيواء عائلاتهم.

وبالتالي فقدت البلديات بعد عملية الادماج الية هامة من اليات الرقابة التي لم تعد خاضعة لسلطة الاشراف والذي غالبا ما ادّى الى غياب التنسيق المحكم في تنفيذ قرارات الهدم كما ان من بين اسباب ضعف عملية المراقبة عدم تفعيل مقتضيات الفصل 88 من مجلة التهيئةالترابية والتعمير وذلك بعدم اتخاذ تدابير عملية من قبل الوزارات والهياكل ذات العلاقة ( التجهيز- املاك الدولة – الثقافة –الفلاحة) قصد حراسة الاراضي الراجعة لها بالنظر وايضا طول اجراءات تسوية وضعيات البنايات المخالفة وهومايتيح للمخالف فرصة اتمام عملية البناء واشغال البناية.

صعوبات فنية

تعترض فريق التنفيذ في العديد من الحالات اثناء شروعهم في تنفيذ قرار الهدم صعوبات فنية تحول دون القيام بعملية التنفيذ اواستكمال تنفيذ قرار الهدم في احسن الحالات على حد تعبير محدثنا ومن اهم هذه الصعوبات تعطّب وسائل التنفيذ ومعدات الهدم في اغلب الحالات ويصعب تعويضها في الابان لعدم توفر الامكانيات المادية للعديد من البلديات وخاصة منها البلديات الصغرى محدودة الدخل وايضا عدم توفر المعدات والآليات اللازمة والضرورية للتنفيذ خاصة اذا ما تعلقت بوجود بناية بمنحدر وبعقّار تربته طفلية وهوما قد يعرّض سلامة البناية الى خطر الانزلاق او الانهيار في حال الشروع في التنفيذ او بناية تتكون من ستة طوابق علوية مثلا وتنفيذ قرار الهدم لا ينصب على كامل البناية (التنفيذ يتعلق بالطابقين الخامس والسادس دون المساس ببقية الطوابق ) في هذه الحالة وفي صورة تم الشروع في تنفيذ قرار الهدم هناك خطر مؤكد يتمثل في انهيار كامل البناية لعدم توفر معدات هدم متطورة وامام بروز مثل هذه الاشكاليات القانونية والصعوبات الفنية بالرغم من توفر النصوص القانونية والترتيبية يتأكد لنا وجود بعض الثغرات التي حان الوقت لتجاوزها حتى تتلاءم هذه النصوص مع الواقع والجانب التطبيقي بما يمكن من رفع التباين الموجود حاليا بين القانون والتطبيق.

شبهات فساد

يرى محدثنا ان هناك حالات نلاحظها للأسف في الواقع تتمثل في اتخاذ قرار الهدم من طرف رئيس البلدية ويبقى عمدا دون تنفيذ وهذه الحالات تتمثل خاصة في وجود حالات اجتماعية لبعض المخالفين المعنيين بقرار الهدم (عائلات معوزة ،اشخاص اصحاب احتياجات خصوصية....)اضافة لاعتبارات انتخابية حيث ان رئيس البلدية يسعى لكسب بعض الاصوات في حملته الانتخابية ليفوز بدورة نيابية ثانية من خلال عدم تنفيذ قرارات الهدم او البحث عن حلول مخالفة للقانون لعدم تنفيذها وايضا وجود قرائن لشبهات فساد خاصة في الحالات التي تتواصل فيها الاشغال المخالفة على مرأى ومسمع كافة السلط المحلية والجهوية دون ان تتخذ البلدية المعنية اي اجراء في الغرض وحتى ان اتخذ قرار في الهدم فانه يبقى اجراء شكليا وفي احسن الحالات ينفذ جزئيا او صوريا ثم يستأنف المخالف الاشغال من جديد.

وفي بعض الحالات الاخرى المخالفة للقانون يقوم رئيس البلدية بعرض موضوع قرار الهدم على انظار لجنة الاشغال التي تقرّ بأن البناء المخالف لايمسّ من حقوق الاجوار وبالتالي يحفظ قرار الهدم ولا ينفذ علما وان لجنة الاشغال التابعة للمجلس البلدي لايجوز لها قانونيا البت او النظر في تسوية الملفات الفنية المخالفة للقانون والصادرة في شأنها قرارات هدم.