الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الاقتصاد الاجتماعي التضامني

هل يكون البديل الأفضل للمنوال التنموي الحالي؟



إعداد: شكري بن منصور

تطرح التحديات المتزايدة على الدولة والمتعلقة بالتشغيل وإحداث مواطن الشغل للعاطلين عموما والمتخرّجين من أصحاب الشهائد الجامعية خصوصا مقتضيات جديدة لذلك تم مؤخرا إحداث قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص الذي يهدف إلى مساعدة الدولة على إيجاد حلول للمشاريع المعطلة خاصة من حيث صعوبات التمويل. فالمنوال التنموي الحالي أثبت عدم جدواه وأصبح من الضروري والملح التفكير في نمط اقتصادي جديد أكثر ملاءمة للواقع التونسي. ويبرز ضمن هذا الإطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي انتشر في البلدان الأوروبية خلال الخمسين سنة الأخيرة الذي يرتكز على قيم جوهرية مثل العمل التشاركي والتضامن وسمو العنصر البشري عن الرأسمال. كما أنّ الاقتصاد التضامني لا يقع تقديمه كبدیل للدولة ولا یتعارض معها وإنما یحاول من خلال تنظیماته التي تعّد من مكونات المجتمع المدني نسج روابط تكامل وشراكة مع الدولة. وأهم ما یمیّز الاقتصاد التضامني أنه یسهم في بلورة مجالات ترابیة متضامنة لها هویة محلیة وأنه یضفي قیمة على الموارد المحلیة البشریة والمادیة لأجل إحداث أنشطة ومشاريع وإیجاد فرص شغل. لذلك ما فتئ الاقتصاد الاجتماعي التضامني يكبر ويتطور في العالم نظرا لسلبيات الأنظمة الاقتصادية الأخرى لكنه لا يستطيع السير بمفرده وإنما يكمل النقص الحاصل في الأنظمة الاقتصادية الأخرى مع التركيز على مشاركة المواطن من خلال منظمات المجتمع المدني بما يتجاوز النظرة القديمة للمواطن كمستهلك فقط وإنما يجب أن يشارك في صنع القرار ونمو الاقتصاد. ويشدّد عديد الخبراء على أن الاقتصاد الاجتماعي التضامني يمكن أن يوفر حلا من ضمن الحلول للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد حاليا خاصة وأنه طريقة معتمدة من طرف كل بلدان العالم ومنها البلدان المتقدمة.

فماهو الاقتصاد الاجتماعي التضامني وهل من الممكن أن يمثل البديل الناجح للمنوال التنموي الحالي؟

منذ السبعينات عرفت تونس تجربة مشابهة للاقتصاد الاجتماعي التضامني هي تجربة التعاضد التي باءت بالفشل لأسباب عديدة. ومنذ الثورة تم تسجيل حالة واحدة بلورت هذا النوع من الاقتصاد هي واحة جمنة التي أثير حولها جدال كبير وكشفت أن الدولة مقصّرة في عدم ملاءمة قوانينها لمثل هذا النوع من الاستغلال للأراضي الدولية. ورغم نجاح التجربة نسبيا من خلال توفير عائدات محترمة للعاملين في الواحة إلى أن هناك من اعتبر أن ما حصل هو تمرّد على مؤسسات الدولة ولا يمكن إدراجه ضمن تجربة الاقتصاد التضامني والاجتماعي لأنه تم استغلال أراضي الدولة بصفة تعسفية. والجدير بالذكر أن ضعف الاقتصاد الاجتماعي يصنّف من بين الأسباب التي يشكو منها الاقتصاد التونسي ويبرز في نقطتين أساسيتين هما الفوارق الجهوية والاجتماعية وعدم خلق مواطن الشغل الضرورية لاستيعاب نسبة العاطلين المرتفعة في البلاد وهو ما مثّل بدوره عائقا أمام التنمية المحلية والشاملة.

منوال جديد

وضمن هذا السياق يعتبر الخبير الاقتصادي عادل الطويل أن منوال التنمية الحالي هو تواصل للمنوال القديم غير القادر على تحقيق سوى نسبة 4 أو ٪5 من النمو في حين أنّ تونس تحتاج إلى تحقيق ٪7 وهو ما يدعو إلى ضرورة إعادة النظر في هذا المنوال من خلال بعدين: بعد يتعلق بالقطاعات الاقتصادية ومدى تجانسها وبعد ثان يتعلق بالجهات وبخصوص القطاعات يجب إعادة النظر في الحجم الحقيقي لكل قطاع وعلى أساسه يقع تخصيص الاعتمادات اللازمة للنهوض به خاصة وأن الموارد الطبيعية لتونس محدودة. وعلاوة على ذلك يمكن القول أن المنوال التنموي القديم وصل إلى حده ولا يمكن مزيد التعويل عليه في تحقيق التنمية والى الآن لم يقع استنباط منوال جديد وهذا يمثل إشكالا تاريخيا في تونس وليس بالأمر الجديد. وللإشارة فان الاقتصاد الأمريكي بالرغم من أنه أكبر اقتصاد ليبرالي في العالم إلا أنه يرتكز في ٪10 منه على الاقتصاد الاجتماعي التضامني. ويشدد سعيدان على أن الاقتصاد الاجتماعي التضامني يمكن أن يوفّر حلا من ضمن الحلول للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد حاليا.

ويشمل الاقتصاد التضامني ميادين عديدة أهمها المشاريع الصغرى والتصرف والبنية التحتية بما يتلاءم مع خصوصيات كل فئة وكل منطقة مع المحافظة على الملكية الخاصة ويوفر خدمات أفضل ويتعارض مع الصبغة الشمولية القديمة للمشاريع. هذا النوع من التنمية المتضامنة والاجتماعية يمكن تطبيقها في مجالات عديدة أهمها الصناعات التقليدية التي لديها صعوبات في التسويق ويمكن تجاوزه من خلال إحداث تعاضديات تسويقية تخدم القطاع ككل. إضافة إلى ذلك يمكن أحياء تجربة التعاضديات الاستهلاكية التي توفر نقاط بيع مباشرة بما يمكن من خفض إسعار البيع ويمكن توجيهها لفئة معينة مثل الطلبة والأساتذة وغيرها.

وتبرز بعض التجارب المقارنة التي يجب الاقتداء بها أهمّيّة المُواكبة المؤسساتية للقطاع التي تهدف إلى تحسينِ فعاليته من خلال برامج تتعلق بالمُساعدة على هيْكلته وتطويره وتقوم هذه المؤسسات في بعض الأحيان بتقديم خدمات مجانية لدعم القطاع ومساعدته ماديا. كما حرصتْ بعض البلدان على تطوير القطاع التعاوني عن طريق الدعم المالي وذلك بالاستناد إلى آلية الحوافز المالية (الحكومة المحلية بفالنسيا الإسبانية). كما نّ تطويرَ التمويل التضامني من قِبَل البنوك والصناديق التضامنية لتمويلِ مشاريع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يعتبر مثالًا جيدا ينبغي التركيز عليه (مقاطعة الكيبيك الكندية).

منظومة تشريعية

ويتطلب تركيز أسس الاقتصاد الاجتماعي التحضير له من خلال إعداد النصوص القانونية التي تفسر طرق الاستغلال وكيفية تقسيم الأرباح ضمن هذه المنظومة التشاركية الجديدة. وهو ما ذهب إليه رجل الأعمال والخبير الاقتصادي قيس المبروك من خلال التأكيد على ضرورة تحضير الإطار التشريعي لهذا النوع الجديد من المشاريع وكذلك توعية وتكوين إطارات قادرة على تسيير مشاريع ذات سياق تضامني اجتماعي من حيث طرق استخلاص الجباية وكيفية التصرف الأمثل في الموارد البشرية واللوجستية وربط علاقات جيدة بمحيط المؤسسة وغيرها. وتجدر الإشارة إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل قام بإعداد مبادرة تشريعية حول الاقتصاد التضامني والاجتماعي، تتمثل في مشروع قانون مرفوق بحزمة من التشريعات ينظّم هذا النوع الجديد من الاقتصاد تضم قرابة 53 فصلا وذلك بالاستعانة بـ 18 خبيرا، وتم عرض هذه المبادرة مؤخرا على مجلس نواب الشعب للنظر فيها.

وأشار محدثنا إلى أن الاقتصاد الاجتماعي التضامني هو جملة الأنشطة الاقتصاديّة الخاضعة لإرادة التسيير الديمقراطي (بالمفهوم الشامل للديمقراطيّة) وحيث تكون علاقات التضامن الاجتماعية سائدة وذات أولويّة على المصلحة الفردية والربح المادي.ويساهم الاقتصاد الاجتماعي التضامني بذلك في دمقرطة الاقتصاد انطلاقا من التزاماته تجاه كافة المواطنين.. وهذا الاقتصاد يمكن من بلوغ أسواق لا يمكن الوصول إليها في ظل الاقتصاد العادي بتعقيداته الإدارية التي نعلمها جميعا خاصة وأن عديد المشاريع في عديد المناطق لا يمكن توفير التمويل الضروري لها لذلك يمكّن للجمعيات لعب هذا الدور شريطة أن يتم ذلك تحت أعين الدولة وبشكل يمكن أن ينخرط ايجابيا في الاقتصاد الوطني من حيث الاستجابة للقوانين. وعموما يجب الإقرار بأن على الدولة أن تراجع قوانينها وتعمل على سن إطار تشريعي لهذا القطاع كأولى خطوات لدعمه.وللإشارة فإن بلدا مثل فرنسا قامت بتشجيع نموذج الاقتصاد التكافلي مما جعله يساهم بنسبة ٪13 من زراعتها..