الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



نظافة المدن بعد الانتخابات البلدية:

دار لــــقـــمــــان عــلــى حـــــالــــــها...



إعداد: صبرة الطرابلسي

روائح كريهة وأنهج متسخة وفضلات ملقاة هنا و هناك في قلب العاصمة والأنهج المتاخمة لها ...تلك ملامح المشهد البيئي اليوم بعد ما يناهز الشهرين من تشكل المجالس البلدية و انتخاب رؤساء البلديات التي طالما انتظرها المواطن التونسي أملا في تحسن نظافة المدن والقطع مع تلك الفوضى العارمة و الإنفلات البيئي الذي شوه العاصمة ومختلف المناطق لسنوات بعد ثورة 2011 ,ليظل العمل البلدي إلى حد الآن منحصرا في صور تسويقية لبعض رؤساء البلديات الذين أرادوا من خلالها إظهار مشاركتهم الميدانية في حملات النظافة دون أن نرى لذلك رجع صدى ميدانيا يجسمه تغير المشهد البيئي خاصة بالعاصمة التي تمثل واجهة البلاد لتظل دار لقمان على حالها.

فما هي الأسباب التي أدت إلى تواصل الوضع المتردي لنظافة المدن وما هي الآليات التي من شأنها إحداث نقلة نوعية على هذا المستوى ؟

«الصحافة اليوم» حاولت من خلال هذا التحقيق الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها .

لطالما برّر مسؤولو النظافة والبيئة تردي الوضع البيئي بعدم استقرار الوضع بالبلديات منذ الثورة وعدم قدرة النيابات الخصوصية على إحداث النقلة المنتظرة على مستوى نظافة المدن التي عرفت طوال السنوات الأخيرة فوضى كبيرة نتيجة عوامل مختلفة منها معضلة المصبات وتكرر إضرابات أعوان النظافة ونقص المعدات وغيرها والنتيجة شوارع متسخة وفضلات سرعان ما تتراكم حتى بعد رفعها بساعات قليلة و هنا لا يمكن إنكار قلة وعي المواطن على هذا المستوى.

السيد ابراهيم الدريدي هو شيخ سبعيني حدثنا بنبرة تأسف على ما أصبحت تعيشه تونس من تلوث واتساخ مبينا أن عقلية التونسيين في حد ذاتها قد تغيرت ليغيب ذلك الوعي بضرورة المحافظة على النظافة فلم نعد نرى تلك المشاهد القديمة عندما كان أصحاب المحلات على اختلاف أعمالهم يحرصون على تنظيف محيط عملهم ويحترمون أوقات إخراج الفضلات كما كان العمل البلدي منتظما ويولي أهمية للمناطق الخضراء و لمداخل المدن .

وأضاف أن أغلب التونسيين تطلعوا إلى أن تسترجع العاصمة و مختلف المناطق رونقها ونظافتها بعد استقرار الوضع البلدي وتشكل مجالس البلديات ولو بصفة تدريجية لكن ما نلاحظه اليوم بعد نحو شهرين من تاريخ تنصيب رؤساء البلديات أن الوضع لم يتحسن قط فعادت الفضلات تغزو الشوارع و عاد الإنتصاب الفوضوي ليحتل بعض أنهج العاصمة المعروفة الأمر الذي يرسم نقطة استفهام حول صمت البلديات إزاء هذا الوضع و تأخر تدخلها لتحسين الوضع البيئي للعاصمة بصفة خاصة باعتبارها تمثل واجهة البلاد .

مجهود لتعزيز التجهيزات

أفادنا السيد كمال الكتاري و هو مكلف بمهمة بوزارة البيئة والشؤون المحلية أن الوزارة تلعب دورا لوجستيا لمعاضدة دور البلديات وهي تعمل في إطار الشراكة معها للمحافظة على نظافة المدن وحماية محيطها خاصة على مستوى تنظيم الحملات التحسيسية مبينا أن الوزارة قامت بجهود هامة لتدعيم تجهيزات النظافة فقد تم سنة 2017 اقتناء 33 ألف حاوية فضلات تم توزيعها على مختلف البلديات إلى جانب اقتناء 20 ألف حاوية أخرى خلال السنة الجارية إضافة إلى العمل على العناية بنظافة الشواطئ و تركيز 1200 حاوية على امتداد 120 كلم من الشواطئ التونسية بمعدل 50 مترا لكل حاوية.

وفي سياق متصل أبرز محدثنا أن أعضاء رؤساء البلديات المنتخبين يقومون حاليا بدورات تكوينية لفهم والتمكن من محتوى مجلة الجماعات المحلية مشيرا الى أن هذه المرحلة تعتبر مرحلة إنتقالية بالنسبة للبلديات لذلك تحتاج بعض الوقت لتشكيل رؤية واضحة للتمشي الذي سيتم اعتماده مستقبلا فيما يخص العناية بنظافة المدن.

دور الشرطة البلدية

على صعيد آخر أوضح السيد حبيب كربول عضو لجنة قيادة و تركيز جهاز الشرطة البيئية أن الشرطة البيئية قد عملت منذ إحداثها سنة 2017 على المحافظة على النظافة العامة و مقاومة مظاهر الفوضى من خلال عملها اليومي الذي يستهدف عديد المجالات منها إلقاء فضلات البناء الذي تم قطع خطوة هامة في خصوص الحد من فوضى انتشار هذه الفضلات في غير الأماكن المخصصة لها إلى جانب المخالفات المسجلة بالنسبة لإلقاء المواطنين أو أصحاب المحلات للفضلات بالطريق العام فقد تم تسجيل أكثر من 27 ألف مخالفة في هذا الخصوص منذ انبعاث جهاز الشرطة البيئية و التفاعل مع 13 ألف شكاية تقدم بها مواطنون تعلقت بالنظافة العامة حيث تم التحول ميدانيا الى المناطق محل الشكوى وإعداد تقارير في الغرض ومخالفة المتجاوزين.

و بين السيد كربول في السياق ذاته أن العمل الرقابي لهذا الجهاز يغطي 74 بلدية من مجموع 350 بلدية يؤمنه 300 عون مقسمون إلى 40 فرقة مشيرا أن هذا العدد غير كاف لتغطية كل متطلبات الرقابة البيئية و المساهمة في تحسين نظافة المدن و الحد من الظواهر السلبية التي تؤدي إلى تشويه الشوارع و اتساخها مضيفا أنه سيقع تدريجيا إضافة أعوان اخرين لتعزيز الفرق الحالية ليشمل عملها مناطق جديدة .

و أبرز محدثنا أن دور الشرطة البيئية يتكامل مع عمل البلديات و سيتم في أواخر الشهر الجاري إصدار دليل إجراءات عمل الشرطة البيئية الذي يتضمن أجوبة على مختلف التساؤلات المتعلقة بعمل هذا الجهاز و تسليمه لرؤساء البلديات لتوحيد الرؤى وتحديد الأوليات للتدخل و معالجة الإشكالات ذات العلاقة بنظافة المدن مشيرا أن هذا المجهود لن يكون ناجعا ما لم يكن منسجما مع عمل مكونات المجتمع المدني وتفاعل المواطن الذي يحتاج إلى تغيير سلوكه و احترام قواعد النظافة في الطريق العام .

تفعيل دور المواطن

أفادنا مصدر مسؤول ببلدية تونس أن العمل اليومي للعناية بنظافة العاصمة متواصل بنفس النسق في انتظار الإعلان عن الاستراتيجية التي سيعتمدها المجلس البلدي الجديد فيما يخص تحسين الوضع البيئي للبلاد و معالجة الإشكالات ذات العلاقة معه مبينا أن دور المواطن في المرحلة القديمة جوهري و الذي يجب أن يعاضد مجهود البلديات في المحافظة على نظافة الشوارع بعدم إلقاء الفضلات أو إخراجها في غير التوقيت المخصص لذلك و هي من الأسباب التي ساهمت في اتساخ الشوارع مهما بلغ مجهود أعوان النظافة في مقاومة هذه الظاهرة السلبية.

وأبرز المصدر ذاته أنه سيقع في الفترة القليلة القادمة تدعيم أسطول النظافة بمعدات جديدة حيث تم إبرام صفقة إطارية في الغرض بقيمة تناهز 80 مليون دينار سيتم توزيعها على مختلف البلديات مشيرا الى أن هذه المقتنيات الجديدة التي تتضمن شاحنات رفع الفضلات وسيارات لتنظيف الشوارع وغيرها ستساهم في دعم مجهود البلديات فيما يخص العناية بنظافة المدن وتحسين الوضع البيئي لا سيما أن تشكيل المجالس البلدية و تنصيب رؤساء البلديات قد تزامن مع فترة إعداد الميزانية التي من المتوقع أن يقع تخصيص جزء لابأس به منها لبرامج تتعلق بمقاومة مظاهر الفوضى في العاصمة ومختلف العوامل المساهمة في انتشار الأوساخ وتشويه مظهر العاصمة التي تعتبر واجهة البلاد فلم يعد مقبولا اليوم أن نرى الفضلات ملقاة في الطرق العامة والحيوية التي تمثل محطة عبور السياح وغيرهم .

وبين محدثنا أن المرحلة القادمة تحتاج الى مزيد تحسيس المواطن بضرورة التعاون مع أجهزة العناية بالنظافة وهي المرحلة الأولى التي يتم اعتمادها قبل الانتقال إلى المرحلة المالية التي يتم خلالها ردع المخالفين بتحرير خطايا مالية وهنا يبرز دور الشرطة البيئية التي بدأت تدريجيا تساهم في تعديل سلوك المواطنين وهي مسألة تحتاج الى بعض الوقت كي تتغير تلك العقلية التي تجعل المواطن يستخف بنظافة الطريق ويلقي الأوساخ في أي مكان .

وأضاف مصدرنا أنه من المتوقع أن يقع إحداث أحياء نموذجية تتضمن مكونات خاصة بالمحافظة على النظافة و البيئة إلى جانب العمل المشترك مع نقابات العمارات الذين يعدون من أبرز الأطراف التي يجب التعاون معها لتنسيق الجهود فيما يخص نظافة المدن خاصة على مستوى مقاومة الناموس .

ولئن تعمل مختلف الأجهزة والهياكل ذات الصلة على تحسين المشهد البيئي للعاصمة ومختلف المدن إلا أن هذه الجهود تظل غير كافية أمام عدم تغيير حالة الشوارع خاصة الرئيسية منها و تواصل مظاهر الفوضى و الاتّساخ .