الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الاندماج الاقتصادي المغاربي

حلمت به الشعوب وحالت دونه الخلافات



إعداد: شكري بن منصور تمثل الذكرى السنوية لتأسيس اتحاد المغرب العربي أو الاتحاد المغاربي في 17 فيفري من كل عام فرصة تتجدد فيها التساؤلات حول واقع التبادل التجاري بين البلدان الأعضاء وسبل تجاوز العوائق التي حالت ولاتزال دون تحقيق تكامل اقتصادي وتجاري مغاربي حقيقي. فالدراسات تشير إلى أن التأخير في إنشاء تكتل اقتصادي مغاربي على غرار الاتحاد الأوروبي يفقد بلدان الإتحاد ما يقارب 2 إلى 3 نقاط نموسنويّا كما تبين بعض الدراسات أن كلفة «اللامغرب» على بلدان المنطقة تترجمها خسارة حجم مبادلات تجارية بحوالي 6 مليار دولار سنويا. كما أن الناتج الداخلي لكل دولة سيسجل قفزة كبيرة في صورة تحقيق الاندماج خاصة وأن اقتصاديات البلدان الأعضاء تتميز بالتكامل في ظل ارتكاز اقتصاد كل من الجزائر وليبيا على الثروات الطاقية بينما تتأتى أغلب مداخيل المغرب وتونس من السياحة والفسفاط وموريتانيا من الفلاحة والصيد البحري. وتتعدد العناصر التي تعيق تشكيل تكتل اقتصادي يعود بالنفع على سكان هذه المنطقة الحيوية على غرار الاتحاد الأوروبي أومجلس التعاون لدول الخليج أهمها الأزمات والصراعات السياسية التي تعصف بالمنطقة منذ عقود وأهمها الخلاف بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء الغربية التي كان من الممكن تحييدها وإبعادها عن الملف الاقتصادي وحرية تنقل الأشخاص والأموال بين البلدان المغاربية.

فماهي العوائق التي تحول دون تحقيق الاندماج الاقتصادي المغاربي وماهي فوائده على المنطقة وشعوبها؟

وفي حوار وكالة الأنباء الإسبانية منذ أسابيع أقر الأمين العام للاتحاد المغاربي الطيب البكوش بأنه وبالمقارنة مع التكتلات الأخرى في إفريقيا وبقية أنحاء العالم فإن حجم التبادل التجاري بين البلدان المغاربية من بين الأضعف في العالم مشيرا إلى أن «الخسائر فادحة للجميع وأعرب عن أسفه لحالة الانقسام العميق الموجودة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الذي لم يجتمع رؤساء دوله منذ عام 1994. وتضمنت دراسة أعدتها إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي أن إجمالي الناتج المحلي المشترك لبلدان المغرب العربي كان من الممكن أن يبلغ في صورة الاندماج سنة 2017 حدود 360 مليار دولار وهو رقم يعادل دخل دولة الإمارات النفطية. كما أن نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الإقليمي يمكن أن يصل إلى 4 آلاف دولار أمريكي. وكشفت الدراسة أنه حتى يتحقق ذلك على الحكومات القيام بجملة من الإجراءات أهمها تخفيض حواجز التجارة والاستثمار وربط الشبكات وتحرير أسواق السلع وتحسين مناخ الأعمال إلى جانب تكامل الاندماج الإقليمي مع اندماج المنطقة عالميا. ويتمثل الإشكال في عدم التكامل بين هذه الاقتصاديات حيث يتسم الاقتصاد المغاربي بمحدودية القاعدة الإنتاجية ومحدودية السوق فجميعها يعتمد على تصدير المواد الخام إلى الدول الأجنبية واستيراد ما تحتاج إليه من السوق الدولية، مثلما يركز معظمها على النشاط السياحي الذي يعد أساسا غير صلب بما فيه الكفاية لبناء اقتصاد متماسك يصمد في وجه التغيرات.كما تعرف البلدان المغاربية فجوات هائلة في ما بينها على مستوى التنمية ونفس الشأن ينطبق على مشكلة المديونية، التي نجدها مرتفعة في بعضها ومنخفضة في أخرى، وهوالأمر الذي يصعب العثور على سياسات اقتصادية موحدة تناسب كل الدول المغاربية المتفاوتة تنمويًّا.وفي كل الأحوال فإن واقع التجارة البينية بين البلدان المغاربية متواضع جدًا، لا يتجاوز 2 % من الحجم الإجمالي لمبادلات بلدان المغرب العربي.

فك الارتباط بين الجانب السياسي والجانب الاقتصادي

وضمن هذا الإطار يعتبر عبد الحفيظ السكروفي رئيس مجلس الأعمال التونسي الليبي أن هناك مقومات عديدة للتكامل بين بعض البلدان المغاربية وليس جميعها. من ذلك أن إرساء الاندماج الاقتصادي ممكن بين تونس والجزائر وكذلك ليبيا على اعتبار أنها تتكامل اقتصاديا لكن مع المغرب يصعب ذلك لأنها تعتبر بلدا منافسا لتونس والنسيج الاقتصادي للبلدين متقارب إلى حد بعيد. فقيام اتحاد المغرب العربي لا يمكن أن ينبني على شاكلة الاتحاد الأوروبي أي على أساس التقارب حيث أن اقتصاديات هذه البلدان تكاد أن تكون متباعدة من حيث المؤشرات الاقتصادية الهامة (عجز الميزانية والتضخم المالي والمديونية العمومية) باستثناء تونس والمغرب وهوما يدفع بنا إلى وجوب التفكير في تأسيس هذا الاتحاد على أساس التكامل بين هذه الاقتصاديات. كما أن الإرادة الشعبية لتحقيق الاندماج موجودة لدى شعوب المنطقة وإلى حد كبير لدى السياسيين لكن هناك عوامل خارجية تعيق ذلك بهدف الإبقاء على التبعية الاقتصادية للبلدان المغاربية تجاه فرنسا وبعض البلدان الأوروبية الأخرى. كما أن تعطل المسار الديمقراطي في المنطقة أعاق بدوره تحقيق الاندماج ويبقى العائق الأهم هوملف الصحراء الغربية وهو إشكال أزلي ولن يتحقق اندماج اقتصادي فعلي دون حل لهذا الملف. ولتجاوز هذا الإشكال يرى عبد الحفيظ السكروفي أن الحل يتمثل في إحداث اتحاد مغاربي دون المغرب والمضي قدما بفك الارتباط بين الجانب السياسي والجانب الاقتصادي . يضاف إلى ذلك أنه لا توجد سوق موحدة لـ 90 مليون ساكن هم مجموع سكان المغرب العربي مترامي الأطراف وحتى الدخل الخام لدول المغرب العربي الخمسة ليس بمستوى من القوة يمكنه من مقاربة حجم نقدي يزن في المعادلة الاقتصادية. فالمبادلات التجارية ضعيفة ولا تكاد تذكر كما أثرت الأوضاع في ليبيا سلبا على التبادل التجاري مما أدى إلى تراجعها في المجمل.وعلى سبيل المثال تراجع حجم التبادل التجاري بين تونس وليبيا ولم تعد ليبيا أول شريك تجاري لتونس في منطقة المغرب العربي . لكن في مقابل ذلك ارتفعت المبادلات مع كل من المغرب والجزائر لتصبح الجزائر أول شريك تجاري لبلادنا سنة 2016.

وعلاوة على ذلك ينبغي على الحكومات المغاربية إذا ما أرادت المرور إلى مرحلة الاندماج رسم حزمة أهداف مشتركة من بينها التفاوض بشأن اتفاقية جديدة للاندماج ووضع آليات لخلق الوظائف من خلال زيادة النمووانفتاح النموذج الاقتصادي لكل بلد وتحقيق التنمية الشاملة للجميع وتوسيع دائرة التجارة الإقليمية.

حلم مؤجل

وفي نفس السياق يشدد الناشط السياسي محمد الكيلاني على أن الاندماج الاقتصادي المعطل هوحلم قديم ومؤجل لشعوب المنطقة. فالبعد السياسي حاضر بقوة في تعطيل مسيرة الاندماج المغارب رغم أن خيار التكتل لكل دول العالم أصبح اليوم ضرورة ملحة لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية وقد وعت معظم بلدان المعمورة هذا الأمر فانخرطت في اتحادات اقتصادية وسياسية أبرزها الاتحاد الأوروبي والاتحاد اللاتيني والاتحاد الآسيوي. غير أن فكرة الوحدة المغاربية هي أقدم من كل تلك الاتحادات، لكن بالرغم من ذلك فإنها لا تزال حتى يومنا هذا حبيسة الورق. وعلى أرض الواقع يمكن القول أن المبادلات التجارية بين بلدان المغرب العربي متوقفة تماما باستثناء التجارة الموازية على بعض الحدود مثل تونس وليبيا أوتونس والجزائر لان الظروف العامة غير ملائمة وفي ظل غياب الوعي لدى هذه الدول بضرورة الاندماج في ما بينها بدل الارتباط وربط مصالحها ببلدان الخليج وأوروبا وأمريكا. وفي تقديره من الصعب تصور قيام تكتل اقتصادي مغاربي لان الوضع في ليبيا يتطلب من 5 إلى 10 سنوات ليعود إليها الاستقرار أما تونس فهي منشغلة بوضعها الداخلي وليس من أولوياتها تحريك هذا الملف في الوقت الحالي .والجزائر بدورها تضررت جراء تراجع أسعار النفط والغاز مما اضطرها إلى اتخاذ إجراءات تقشفية إضافة إلى علاقتها المتوترة مع المغرب ... وجميع هذه العوامل تجعل من المناخ العام غير ملائم وبالتالي يصعب التفاؤل بقيام الاتحاد المغاربي وسيبقى الحال على ماهوعليه لسنوات عديدة قادمة. وعموما تعتبر فوائد الاتحاد المغاربي عديدة وجلية لعل أهمها تداعيات العولمة التي فرضت على البلدان النامية خلال العقود الأخيرة وكذلك تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية ونزوع البلدان المتجاورة إلى الانتظام ضمن كيانات اقتصادية واسعة ومتكاملة، كل ذلك يجعل توطيد بناء ورفع تنافسية اتحاد المغرب العربي هدفا استراتيجيا حيويا بالنسبة لبلدان المنطقة.