الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



مبادرة النهضة لتعميم اللغة العربية بين الحاجة المجتمعية والحسابات السياسية:

إعادة طرح قضايا الهوية من «باب اللغة»


اعداد : عواطف السويدي

لطالما دعت أطراف سياسية ومدنية في بلادنا الى دعم اللغة العربية وتعميم استخدامها من خلال اصدار قانون ملزم في هذا الشأن باعتبار عدم ادراجها بصفة كلية في البرامج التعليمية وفي بعض الاختصاصات وايضا الانتشار الواسع للغات الاجنبية في الفضاء العام . ومؤخرا صادق المجلس البلدي لمدينة تونس العاصمة على قرار يلزم المتاجر والمحلات بكتابة معلّقاتها باللغة العربية، ولكن هذه الخطوة أحدثت جدلا وانقساما واسعا بين التونسييّن، بين من أثنى على أهميتها في تعزيز اللغة العربية وترسيخ هوية البلاد، ومن رأى فيها دعوة إلى الانغلاق والعودة إلى الوراء.وينّص الدستور التونسي في فصله 39 على أنه «من واجب الدولة ترسيخ اللغة العربية ودعم استخدامها»، وهو الفصل الذي اعتمدت عليه بلدية تونس، لإصدار قرارها القاضي، بضرورة تعريب اللافتات الإشهارية للمحلات التجارية.

وفي نفس السياق ايضا أعلنت مؤخرا كتلة حركة النهضة بمجلس نواب الشعب، عن تقديمها مبادرة تشريعية ترمي إلى ترسيخ اللغة العربية وتعميم استخدامها في الفضاءات العامة. وتنص هذه المبادرة على منع المزج بين اللغة العربية وغيرها من اللغات في أي مجال من المجالات وتفرض أن تكون اللافتات التوجيهية والاشهارية في الطرقات والفضاءات العامة محرّرة بالعربية. ويعاقب أي إخلال بالإجراءين المذكورين بخطية مالية قدرها 5 آلاف دينار، ويلزم المقترح حال المصادقة عليه، الحكومة باعداد برنامج متدرج لتعميم استخدام العربية علاوة على فرض استخدامها في تحرير جميع الاتفاقيات والمعاهدات التي تبرمها تونس.

ولئن يمثل مقترح قانون يتعلق بتعميم استخدام اللغة العربية مسألة على غاية من الاهمية ، فان اختصاص حركة النهضة في الدفاع عن هذه المسألة يعد خطوة اخرى في اتجاه دفاعها عن قضايا الهوية واصرارها على تمايزها بقضايا الهوية المتعلقة بالدين وباللغة ..فهل تسعى كتلة النهضة الى اعادة استقطاب قاعدة انتخابية أوسع قبيل الانتخابات ؟

لقد ابرزت معطيات احصائية خلال سنة 2016 ان اللّغة العربيّة اليوم في المستوى العالمي تقع ضمن اللّغات العشر الأولى في العالم اعتبارا لمساحة انتشارها وعدد المتكلّمين بها ، وتبلغ نسبة المتحدّثين بها 6,6 بالمائة ، وقد تمّ اعتمادها رسميّا سنة 1974 لغة رسميّة سادسة في منظّمة الأمم المتّحدة ، وهي أيضا في المرتبة الرّابعة من حيث العدد الكليّ للمتكلّمين بها ، وعددهم في حدود 480 مليون.

وقال النائب عن كتلة حركة النهضة الحبيب خضر انه بالتزامن مع الذكرى الخامسة للمصادقة على الدستور، ارتأت الكتلة ان تقدم مبادرة تشريعية تشكل احد اوجه تنزيل المادة الدستورية في فصلها الاول وفي فصلها الـ39 الذي اقر الزاما محمولا على الدولة بان تعمل على دعم اللغة العربية سعيا لتعميم استخدامها وترسيخها كلغة للدولة التونسية .

مضمون المبادرة

ويرى الحبيب خضر ان مقترح القانون المتعلق بالمبادئ الرامية الى ترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها يأتي استجابة لحاجة تشريعية حقيقية ملموسة في الدولة والمجتمع ، فيلاحظ أن عديد التخصصات التعليمية لا يتلقى فيها الدارس أي مادة باللغة العربية مما يؤثر سلبا على امتلاكه زمام لغته الوطنية، كما اعتبر عديد الإدارات أو المؤسسات العمومية والخاصة ما زالت تستعمل غير اللغة العربية في مراسلاتها ووثائقها وتشمل المسألة توقيع المعاهدات الدولية حيث تم التفطن الى وجود اتفاقيات موقعة بلغة اجنبية قبل الثورة .

وشدد محدثنا على ان حضور اللغة العربية في التعليم بكل مستوياته مسألة اساسية ولايجب ان يخلو أي اختصاص من مادة او اكثر من اللغة العربية فمن غير المقبول حسب تقديره من دولة لغتها العربية ان لا يتوفر في اختصاص ما أي مادة واحدة باللغة العربية .

وفي الفضاء العام بين خضر انه يلاحظ أيضا تغييبا للغة العربية على قارعة الطرق من خلال اللافتات التوجيهية والإشهارية التي كثيرا ما تكتب بغير اللغة الوطنية مقرا ان الأسوأ هو ما يتم أحيانا من مزج مخل بين اللغة العربية وغيرها خاصة في مجال الاشهار .

واكد النائب عن كتلة حركة النهضة أن تعميم استخدام اللغة العربية لا يعني الانغلاق على اللغة الوطنية وتجاهل غيرها، فلا مانع من أن تكون الصيغة العربية من أي نص مرئي أو مسموع متبوعة أو مرفقة بصيغة أخرى.

ومن اجل نجاح هذا المشروع دعا الحبيب خضر الى وضع الحكومة لبرنامج استراتيجي تدريجي لتعميم وتوسيع مجال استخدام اللغة العربية ، وذكر ان النهضة لا تطرح مشروعا مستجدا يتعلق بالهوية وإنما هذا التزام ورد في الدستور وإمر محسوم وليست قضية خلافية .

مطلب قديم

اعتبر النائب عن كتلة الجبهة الشعبية ان طرح كتلة النهضة لمبادرة من اجل تعميم استخدام اللغة العربية لا يأتي استجابة لمشاغل المجتمع وانما لتقول انها مستأمنة على الدين واللغة للتأثير في وعي الناس وخاصة البسطاء منهم .

اما بالنسبة الى تعميم اللغة العربية فاوضح زياد لخضر في حديث لـ«الصحافة اليوم» ان الفصائل السياسية كانت سباقة لطرح هذا الموضوع في منابر متعددة ومن بينها الاتحاد العام التونسي للشغل والجامعة العامة للتعليم الثانوي وهي مسألة اساسية لان اللغة العربية هي جزء من هويتنا لكن السؤال الحقيقي الواجب طرحه هل هي لغة العصر وهل واكبت التطور العلمي ؟

واكد زياد لخضر على ضرورة ايلاء اهمية لللغة العربية كلغة وطنية في التعليم وفي اللافتات الاشهارية والتوجيهية مع الانفتاح على اللغات الاخرى باعتبارنا بلدا سياحيا .

واقر محدثنا بان حركة النهضة اليوم وامام الازمة العميقة لمجتمعنا تحاول ان تتمايز من جديد من خلال اعادة طرح قضايا الهوية لكن الجدل الذي يجب ان يطرح حسب راي زياد لخضر هو حول قضايا المنوال التنموي والخيارات الاقتصادية والاجتماعية وهذا ما تتهرب منه حركة النهضة لان ليس لها ما تختلف فيه مع الطبقة الحاكمة .

الإطلاع على التجارب المقارنة

«لا يمكن لمقومات الهوية التونسية ان تكون موضوع نزاع في البلاد لكن في تونس قضية الهوية لازالت قضية تجاذب وهناك اختراقات من دول اجنبية» ، هذا ما قاله رئيس الحركة الديمقراطية والناشط السياسي احمد نجيب الشابي في تصريح لـ«الصحافة اليوم» الذي بين ان الهوية الوطنية مسألة امن قومي وكان مفروضا على رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ان توليا اللغة العربية مكانتها بما يتماشى مع الفصل 39 من الدستور ولكن ان يبادر البرلمان بذلك فهذا امر ضروري.

واعتبر احمد نجسب الشابي ان مشروع حركة النهضة قام على اساس التمسك بالهوية والتي كانت لديها قراءة محافظة واركايكية مشيرا الى انه لا يستغرب ان تاتي هذه المبادرة من النهضة وانما يتم الحكم على المبادرة على اساس وظيفتها ، ويبقى الاشكال في ان النهضة قدمت صورة تقليدية ومحافظة ادت الى نفور التونسيين منها وخاصة فئة الشباب الذي يتطلع الى التعصير والتحديث وهذا ما لم يساعد على التمسك بمقومات الهوية .

ودعا نجيب الشابي الدولة التونسية الى الاطلاع على التجارب المقارنة مثل كوريا الجنوبية التي تدرّس العلوم بلغتها الوطنية وحققت تحولا تكنولوجيا وعلميا هائلا في العالم .

اما استاذ التاريخ المعاصر عبد اللطيف الحناشي فيرى ان قضية التعريب وتعميم استخدام اللغة العربية كلغة رسمية للبلاد التونسية قضية قديمة وطرحت منذ الاستقلال وبناء الدولة الحديثة ثم في عهد بن علي خلال توقيع الميثاق الوطني سنة 1988 وتؤكد عليها باستمرار الاحزاب القومية قبل الثورة وبعدها ولم تبق حكرا على حركة النهضة ،مبرزا في تصريح لـ«الصحافة اليوم» ان دستور الجمهورية التونسية قد فصل في قضايا الهوية من خلال التنصيص على اللغة والدين في فصله الاول .

كما ذكر عبد اللطيف الحناشي ان حركة النهضة اليوم ليست في حاجة الى الاعتماد على قضايا الهوية لكسب اصوات جديدة من الناخبين باعتبار ان لديها نواة انتخابية صلبة لا يمكن لها ان تندثر مهما كان الامر.