الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



واقع المؤسسات التربوية:

بين تقدير السّلَف ... وإهانة الخلَف!!!



اعداد سميحة الهلالي

قيل في المأثور : اصبر لدائك إن أهنت طبيبا....واصبر لجهلك إن أهنت معلّما و لعلّ القائل استشرف ما يحدث لهذه الطبقة التي حظيت بالمكانة الأعلى لدى كل الحضارات و الشعوب وعلى مرّ العصور.فلطالما ارتبطت عصور الازدهار في أغلب الحضارات بمدى الاحتفاء والحظوة التي يلقاها أهل العلم فيها ، يصل الى حدّ التقديس والتنزيه و التأليه في بعض الاحيان .في المقابل ، تشهد ذاكرة التاريخ أن عصور الانكسار والانحطاط التي تمرّ بها الدول و الحضارات عادة ما يصحبها موجة اجحاف و ظلم وتحقير يتعرض لها علماء ذلك العصر ..وبين هذين الزمنين ما فتئت المؤسسات التربوية العمومية ببلادنا تشهد مظاهر عنف ترتقي لمستوى الجريمة في اغلب الاحيان .على غرارما جد مؤخرا من تعرض استاذ تربية بدنية بمعهد محمود المسعدي بحي التضامن لاعتداء بـ«يد بالة» من قبل دخلاء لا ينتمون للمعهدوالاعتداء العنصري الذي تعرّض له معلم بجهة صفاقس من طرف ولية احد التلاميذ.....ليست هذه الحادثة الاولى بل سبقتها حوادث اخرى تضاهيها او تفوقها خطورة وتؤشر لهشاشة الوضع الذي باتت تعرفه مؤسساتنا التربوية .فلقد عرفت المؤسسات التربوية سابقا أعمالا تخريبية من قبل بعض المنحرفين والذين حولوا المدارس و المعاهد في بعض الجهات إلى اماكن لشرب الخمر وتعاطي المخدرات في غياب تام للحراسة وفي ظل الوضع الاستثنائي الذي تعرفه بلادنا بعد الثورة.حيث استباحت عديد الأطراف الدخيلة حرمة المؤسسة التربوية ومست من رمزيتها...حوادث مفزعة تحدث بمؤسساتنا التربوية و المؤسف انها تتكرر ولكن بطرق مختلفة تتشابه فقط في البشاعة وحجم الرعب الذي تتركه في قلوب المنتمين للمؤسسة التربوية بصفة خاصة والمجتمع بصفة عامة. مظاهر اعتداءات باتت تهدد المنظومة التربوية العمومية .عديد الاطراف المتدخلة في هذا المجال اكدت ضرورة تجريم مثل هذه الاعتداءات .فلماذا اصبحت المؤسسات التربوية العمومية عرضة للاعتداءات والانتهاكات من قبل الغرباء؟ هل تفتقد للحماية ام أن منظومة الحماية المعتمدة قد عجزت عن التصدي لبطش الغرباء؟ ومن يقف وراء مثل هذه الاعتداءات؟ ام هل هي نتيجة لحملات التجييش التي تقودها بعض الاطراف المناوئة للعمل النقابي؟

من المؤسف اليوم ان يتم الحديث عن جرائم خطيرة تتعرض لها الناشئة والاطر التربوية على اختلاف تصنيفاتها.وقد بات من الضروري توضيح ما يحدث للراي العام ومن يقف وراء هذه الجرائم الخطيرة ولابد ان تتحمل كل الاطراف المسؤولية في حماية محيط المؤسسات التربوية من المخاطر التي تحدق بها خاصة من العناصر الدخيلة على المنظومة التربوية .

فهذه الظاهرة على حد تفسير بعض علماء الاجتماع لها أسباب ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، فالعنف في المحيط التربوي على اختلاف انواعه ليس عنفاً مفصولًا عن العنف في المجتمع، وهو امتداد لعنف أسري واجتماعي واقتصادي تعرفه بلادنا منذ سنوات وليس وليد ما بعد الثورة.

تجاسر المنحرفين ....

رئيس الجمعيّة التّونسيّة لجودة التّعليم سليم قاسم بين في هذا الاطار انّ غياب الانضباط ـ الذي هو من الشروط الأساسيّة لكلّ تربية سليمة ـ قد أدّى إلى أمرين على غاية من الخطورة هما عجز المدرسة عن تأطير أبنائها وتعزيز مناعتهم ضدّ الأخطار الوافدة عليهم من الشّارع، وتجاسر المنحرفين عليها واختراق أسوارها بعد أن تفطّنوا إلى ضعفها.

أضف إلى ذلك الانتدابات العشوائيّة التي تمّت، والتي سمحت لبعض المنحرفين بالانضمام إلى سلك المدرّسين والقيّمين والعملة، حتّى لم يعد من الغريب أن تطالعنا الأخبار عن تورّط منتمين إلى هذه الأسلاك في التّرويج للفكر المتطرّف أو للمخدّرات أو في اعتداءات جنسيّة على منظوريهم، كما ان تفاقم ظاهرة الغيابات والإضرابات وسوء إعداد جداول الأوقات إرضاءً للمدرّسين على حساب التّلاميذ، وهو ما يجعل هؤلاء التّلاميذ يقضّون القسم الأكبرمن يومهم، وأحيانا يومهم كلّه، في الشّارع ليصيروا عرضة لكلّ الأخطار.

ويضيف محدثنا أنّنا أمام وضع كارثيّ بكلّ المقاييس، وهو للأسف مرشّح لمزيد من التّفاقم. ولئن كانت الإجراءات الرّدعيّة ضروريّة، فإنّ الحلّ الجذريّ لا يمكن أن يكون إلاّ بقرار شجاع بفرض قواعد الحوكمة الرّشيدة في إدارة الشّأن التّربوي من علويّة للقانون ومساءلة ومحاسبة لكلّ المخلّين والمذنبين أيّا كانت صفاتهم وانتماءاتهم، وشفافيّة تقطع مع التّستّر عليهم وعلى كلّ مظاهر الخلل في اتّخاذ القرارات وتطبيقها، وتشاركيّة تنهي احتكار الشّأن التّربوي من قبل النّقابة والوزارة وإقصاء الأولياء والخبراء والفاعلين الاقتصاديّين والثّقافيّين.

تكثيف المراقبة الامنية...

ان تزايد موجة العنف بالمؤسسات التربوية في أغلب جهات الجمهورية يعكس خطورة الوضع الذي آلت اليه من استباحة للحرم التربوي وتهميش للتعليم العمومي.

لذلك فانه من الضروري اليوم ان تتحمل كل الاطراف مسؤولياتها في انقاذ المؤسسة التربوية والتصدي لكل محاولات النيل منها والمس بحرمتها عبر تشديد العقوبات وتطبيق القانون وتجريم الاعتداء على المربّين وعلى المؤسسة التربوية مع الاسراع باتخاذ إجراءات حماية الإطار التربوي من العنف داخل المدارس، وذلك أمام هول وفداحة الاعتداءات المتكرّرة والمتواصلة تجاه المربين والاداريين والتلاميذ.

حيث افاد السيد رضا الزهروني رئيس الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ ان مظاهر العنف المتنامية بمحيط المؤسسات التربوية العمومية تعودإلى تقصير كل الاطراف المتدخلة في المجال التربوي معتبرا ان هناك غيابا لتحمل المسؤولية والتعاطي مع ظاهرة العنف والجرائم التي تتعرض لها الاطر التربوية والمتعلمين بحرفية امام غياب استراتيجية وطنية واضحة لمقاومة العنف بمختلف مظاهره واسبابه لذلك من الضروري على حد تعبيره ان يتم وضع استراتيجية مفصلة وناجعة بكل مؤسسة تربوية يشرف عليها المدير والاطارات التربوية بتشريك الاولياء وكذلك الاطراف المختصة على غرار المؤسسة الامنية وايضا مكونات المجتمع المدني لإعداد استراتيجية لكل مؤسسة تربوية لان مظاهر العنف والمخاطر الخارجية تختلف من مؤسسة الى اخرى وطريقة العلاج تختلف ايضا من مكان الى اخر .

وابرز محدثنا اهمية تشريك الولي في الشأن التربوي نظرا لأهمية الدور الذي قد يلعبه في حماية منظوره من المخاطر . واكد محدثنا انه من الضروري ايضا القيام بحملات تحسيسية لمعالجة ظاهرة العنف بطريقة ناجعة وتكثيف المراقبة الامنية بمحيط المدرسة وان امكن احاطة المؤسسات التربوية بسور عال يحمي المؤسسات التربوية من المخاطر.

وايضا القيام بدورات تكوينية وتحسيسية للاطار التربوي والأولياء لكيفية التوقي من مخاطر الشارع من عنف وجرائم باعتماد منظومة متكاملة بها مختصين وعلماء الاجتماع والنفس .

مسؤولية الجميع ...

ان مؤسساتنا التربوية اليوم قد اصبحت مستباحة، فبعض المدارس اما لعدم تسييجها او عدم توفر حراس بها تصبح عرضة لاقتحامها من طرف الغرباء . واكبر دليل على ذلك الاعتداءات البشعة التي شهدتها ومازالت تشهدها عديد المؤسسات التربوية. ولعل بعض الحلّ وليس كلّه يكمن في سن قانون يجرّم الاعتداء على المؤسسات التربوية .

وعلى كل السلط المعنية من وزارة الداخلية والتربية والسلط القضائية حماية المؤسسات التربوية من المخاطر التي تهددها. ومن الضروري تحمّل كل طرف مسؤوليته تجاه مايحدث من جرائم في مؤسستنا التربوية والقطع مع سياسة تهميش المؤسسات التربوية العمومية واهمالها . .