الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



بين المحاسبة وتصفية الحسابات

..ومايزال الجدل قائما حول ملف رجال الأعمال



إعداد: لطيفة بن عمارة

مازال ملف رجال الأعمال في تونس يراوح مكانه كغيره من الملفات المعلقة والمؤجلة التي لم يقع التطرق لها أو أريد لها ذلك لغاية في نفس يعقوب..حتى أنه لم تتم معالجة الملف بصفة عامة و معالجة صورة رجل الأعمال لدى الرأي العام من خلال علاقته بالسلطة ودوره الطبيعي في بناء الدولة حيث لم يقع التطرق لهذه الصورة بعمق ولم تقع معالجتها في أطرها الشرعية بل تحول هذا الملف إلى وسيلة للمزايدة حينا والتوظيف السياسي أحيانا أخرى حسب رأي عديد المتابعين للشأن العام.خاصة وأن ملف محاسبة رجال الأعمال الفاسدين كان من مطالب الثورة باعتبار أنّ بعضهم قد أجرموا في حق هذا الشعب وامتصوا عرقه ودمه وتحالف بعضهم مع رموز الفساد في النظام السابق الذين طغوا في البلاد وعاثوا فيها فسادا ومثّل التعاطي مع رجال الأعمال المورطين في الفساد النقطة السوداء في سجل الحكومات المتعاقبة ما بعد الثورة، وتطرح اليوم هذه المسألة بأكثر وضوح نظرا لدخول بعض رجال الأعمال على الخط الحكومي بصفة علنية ورسمية وأصبحوا من الفاعلين السياسيين وأصحاب القرار وجزءا من تركيبة الحكومة. وتتجنب الأحزاب الكبرى الخوض بعمق في ملفات الفساد المتشعبة نظرا لعلاقتها الوطيدة بالمال السياسي وأيضا في علاقة هذه الأحزاب برجال الأعمال خاصة الضالعين منهم في قضايا فساد ويبقى هذا الملف محل جدل واسع خاصة في هذه المرحلة الدقيقة التي تسبق الانتخابات التشريعية والرئاسية.فلماذا تم تسييس ملف رجال الأعمال في تونس؟ وماهي تداعيات عدم الخوض في هذا الملف وحلّه من جذوره؟

إن مسار المصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال يراوح مكانه بعد ثماني سنوات على الثورة حيث لم يتم إبرام الصلح إلا مع سبعة رجال أعمال فقط من جملة 660 رجل أعمال متهمين بنهب المال العام. ويثير هذا الملف الجدل باستمرار نظرا لحاجة الدولة الملحة لاسترجاع الأموال خاصة في هذا الظرف الحساس والدقيق الذي تمر به البلاد بسبب الوضع الاقتصادي الصعب. لكن تعطيل هذا المسار يرجعه الخبراء أساسا إلى غياب توافق تام حوله بين الفرقاء السياسيين وكذلك إلى عدم قناعة العديدين بالجدوى الاقتصادية منه بل على العكس من ذلك يتهمون مسار العدالة الانتقالية عموما وهيئة الحقيقة والكرامة خصوصا بالتحول إلى عائق لعودة الاستثمار وترسيخ التخوفات لدى رجال الأعمال. وكان من المتوقع أن يساهم قانون المصالحة الإدارية والاقتصادية الذي اقترحته رئاسة الجمهورية بالإضافة إلى مسار العدالة الانتقالية في عودة الانتعاش للاقتصاد من خلال عودة الاستثمار حيث يأمل المسؤولون من خلال هذا القانون في إنعاش الاقتصاد بمليارات الدولارات وإعطاء إشارات إيجابية للمستثمرين في الداخل والخارج لضخ أموالهم خاصة وأن تونس تعاني من عجز مالي كبير في ظل انحسار مواردها وتباطؤ النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة. وفي هذا الإطار اعتبر رئيس جمعية الدفاع والحفاظ على المؤسسات الاقتصادية الطيب السويسي أن إعادة النظر في ملفات رجال الأعمال ستكون في مصلحة تونس وصورة تونس على المستوى الدولي ،كما ستكون لها انعكاسات اقتصادية هامة على المستوى الوطني. وأضاف أنه من الضروري تهيئة الأرضية السانحة للاستثمار وتشجيع كل رجال الأعمال من خلال تغيير العقلية وتطبيق القوانين وإرساء دولة القانون والمؤسسات مشيرا أنه على رجال الأعمال الخروج والحديث عن المشاكل التي يعيشها الاقتصاد التونسي، وعلى ضرورة الحديث بكل جرأة عن الوضع العام الذي تعيشه تونس خاصة من قبل السياسيين والحكومة إلى جانب أنه يجب إجراء إصلاحات اقتصادية حتى تكون تونس دولة ذات قدرة تنافسية في الأسواق العالمية. واعتبر أن النظام الاقتصادي الذي تعيشه البلاد بحسب تقديره لا يساعد المؤسسات ويؤدي بها إلى الانهيار بسبب كثرة المشاكل مثل التجارة الموازية إضافة إلى مشاكل أخرى كالرشوة والمحسوبية وشدد على أن نسبة نجاح المؤسسات في تونس لا تتجاوز ٪10 لكن البقية تمر بصعوبات سواء هيكلية أو ظرفية مثل المؤسسات الصغرى والبنوك العمومية... كذلك من الإشكالات التي تعرض لها نجد التعطيلات الإدارية والمعاملات الديوانية وغياب ثقافة العمل لدى أغلب التونسيين.

وفي ما يتعلق بتجربته الخاصة مع قانون إنقاذ المؤسسات أكد الطيب السويسي أن القانون بصيغته الحالية لا يساعد على إنقاذ المؤسسة مشددا على ضرورة دعم المؤسسات الصغرى والكف عن خدمة مصالح عدد من رجال الأعمال النافذين على حساب آخرين يرغبون في الاستثمار والتقدم بتونس نحو الأفضل وفق تعبيره.

 

محسوبية وابتزاز!!!

إن الخطابات السياسية في تونس تناولت في عديد المناسبات الأدوار التي لعبها رجال الأعمال وتنوعت الاتهامات التي وجّهت إليهم. وبالنظر إلى علاقة رجال الأعمال بالسلطة وقع تسجيل عديد التجاوزات واستغلال النفوذ ونهب المال العام وهذا لم يقتصر على النظام السابق فقط فحتى في عهد الترويكا بعد الثورة لم تنقطع العلاقة بين رجل الأعمال والسلطة وبالتالي فإن عديد الخبراء يشددون على انه لا يمكن محاسبة رجال الأعمال ومطالبتهم بتعويض مالي جراء تعاملهم مع النظام الحاكم.في هذا السياق بين الأستاذ الطيب بالصادق محامي رجل الأعمال سليم الرياحي أن التعامل مع ملفات رجال الأعمال في تونس فيه الكثير من المحسوبية وتصفية الحسابات وفيه ترسيخ لمبدإ المصلحة السياسية «أنت معي لتدعمني وتدعم مصالحي» وقدم مثالا كالذي حصل مع رجل الأعمال مروان المبروك الذي تم رفع التجميد على كل ممتلكاته بقرار حكومي في حين بقيت عديد الملفات لرجال أعمال آخرين غير معنية بالتعامل الحكومي المباشر. وأضاف أن هناك العديد من رجال الأعمال الذين وقع ابتزازهم سياسيا فاختاروا دعم الأحزاب السياسية محافظة على مصالحهم ريثما يحوّلون أموالهم إلى الخارج.وقال أن التعامل مع رجال الأعمال داخل الأحزاب السياسية كان دائما بسياسة المكيالين وهذا ما أثر على مناخ الاستثمار عموما. وعرج الأستاذ بالصادق على أن الحكومة تتعامل مع رجال الأعمال بمنطق المحاباة وتصفية الحسابات إما ينصاع إلى طلباتها وأجنداتها فتكون راضية عنه وإما أن يكون ضدها فيحاسب وتفرض عليه كل أشكال التضييق المتاحة وغير المتاحة. وأضاف أن وجود رجال أعمال ممنوعين من السفر كإجراء احتياطي ولا تتعلق بهم أحكام جزائية في انتظار استكمال التحقيق، يعني حسب رأيه وجود طاقات ومشاريع معطلة لم تستفد منها البلاد وقادرة على تنشيط الحركة الاقتصادية وتوفير مواطن الشغل خاصة في هذا الظرف الذي تواجه فيه بلادنا تسونامي من المطالب الحارقة التي لا تستطيع إمكانيات الدولة الاستجابة لها بحكم التركة الثقيلة التي ورثتها عن الحكومات السابقة بل الأدهى والأمرّ أن الدولة هي من تعطل هذه الاستثمارات وفق قوله.

خسائر كبرى !!!

عدد كبير من ملفات رجال الأعمال التي طرحت للمصالحة مع المكلف العام السابق بنزاعات الدولة تمت الموافقة على 80 ملفا فقط منها وتم إجراء المصالحة مع ثمانية أشخاص معنيين فقط. فالمتضرر حسب جل المتابعين للشأن العام هي الدولة والمكلف في صورة رفض الصلح فإنه يرفض حصول الدولة على أموال كبيرة هي في أمس الحاجة إليها لان موافقة المكلف بنزاعات الدولة على مطلب التحكيم شرط ضروري. وتعود أهم أسباب التعطيل إلى تسييس هذا الملف على غرار ما حصل عندما تمسّكت الحكومة بالتحكيم وعدم قبول الصلح في قضية البنك التونسي الفرنسي وفي الأخير كانت النتيجة خسارة تونس للقضية والحكم بالتعويض بحوالي 1000 مليون دينار.

660 رجل أعمال يرغبون في إبرام صلح مع الدولة وإرجاع الأموال المنهوبة لكن تمت الموافقة على 7 ملفات فقط من طرف المكلف العام بنزاعات الدولة والتي مكنت لوحدها من ضخ 750 مليار في خزينة الدولة. وهذه العملية تمت في عهد الحبيب الصيد عندما كان رئيسا للحكومة. وعبر محدثنا عن استغرابه من رفض الدولة للصلح وإعادة الأموال في حين أن رجال الأعمال المتهمين يطالبون بالصلح كما أن تقديرات هيئة الحقيقة والكرامة تشير إلى أنه لو تم التعاطي مع كل هذه الملفات لتمكنت الدولة من استرجاع أموال بقيمة 7500 مليار وهذا المبلغ يضاهي حجم الأموال التي اقترضتها تونس لمدة عامين من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.