الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



بإحداث مؤسسة جديدة موازية :

السـيــادة المعـلــوماتـيّــة للــدولــة مهــدّدة ؟



إعداد : شكري بن منصور

عادت الأزمة داخل المركز الوطني للإعلامية لتطفو على السطح من جديد بعد إصرار وزارة تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي على المضي قدما في قرار إحداث مؤسسة «التونسية للتنمية الرقمية» وتواصل رفض أعوان المركز لهذا القرار بشكل قطعي. وتتهم النقابة العامة للمركز الوطني للإعلامية وزير تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي، بالهروب إلى الأمام واتخاذ قرار أحادي على إثر مصادقة المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 20 جوان 2018 على إحداث الوكالة التونسية للتنمية الرقمية والتي اعتبرتها مؤسسة موازية تقوم بنفس مهام المركز الوطني للإعلامية بما من شأنه المس من السيادة المعلوماتية للدولة التونسية. إلا أن الوزير يعتبر أن المؤسسة المزمع إحداثها لا تتعارض من حيث المهام مع مهام المركز الوطني للإعلامية بل هي مكملة لعمل المركز مبينا أن الهدف من إحداث المؤسسة الجديدة هو تطوير الاقتصاد الرقمي في بلادنا عبر دعم التجارة الإلكترونية والسهر على تنفيذ مشروع تونس الرقمية. وما يبرز أهمية الخلاف حول إحداث المؤسسة الجديدة الزيارة التي قام بها الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي للمركز الوطني للإعلامية في إطار مساندة موظفي المركز ودعمهم، والتأكيد على ضرورة حمايته من التجاذب السياسي وكذلك إعلانه عن اعتزامه عقد جلسة عمل مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد حول هذا الموضوع لاطلاعه على الأمر وحيثياته وما يحاك لتونس خاصة في المسألة المعلوماتية حيث يعتبر الاتحاد التونسية للتنمية الرقمية مؤسسة موازية ستسهم في ضرب مؤسسة وطنية عريقة هي المركز الوطني للإعلامية.

فما هي أوجه التعارض بين دور المركز الوطني للإعلامية والمؤسسة الجديدة وهل يعكس ذلك مخاطر جدية على المعطيات الشخصية الحساسة في بلادنا؟

تندرج المخاوف من أن تضع جهة سياسية بعينها يدها على مؤسسة غاية في الحساسية على غرار المركز الوطني للإعلامية ضمن الوضع العام المضطرب الذي تعيشه البلاد وكذلك كون البلاد مقبلة على انتخابات رئاسية وتشريعية خلال سنة 2019. فحياد الإدارة وعدم تسييسها وإبعادها عن سلطة الأحزاب الحاكمة شرط ضروري لتكافؤ الفرص وإنجاح مرحلة الانتقال الديمقراطي الذي تعيشه البلاد. والمركز الوطني للإعلامية كغيره من المرافق العمومية الأخرى يجب أن يبقى بعيدا عن التجاذبات السياسية والأجندات الحزبية نظرا لان المعطيات التي هي تحت تصرف المركز على قدر كبير من الأهمية بحسب ما يؤكده الخبراء والأعوان العاملين صلبه مشددين على ضرورة تحييد المركز الوطني للإعلامية إدارة وإشرافا نظرا لصبغة المعلومات التي يعالجها ويؤويها، وذلك لحماية المعطيات الشخصية وسرية الأمن الوطني للمعلومات ولضمان حيادية المرفق العام .

وضمن هذا الإطار يعتبر محمد طه ساسي كاتب عام النقابة الأساسية للمركز الوطني للإعلامية أن المشاكل بدأت منذ سنة 2017 عندما تقرر إحداث وكالة تونس الرقمية بقرار من المجلس الاستراتيجي للاقتصاد الرقمي مع الإشارة إلى أن المجلس ليس له سلطة قرار بل دوره يقتصر على اقتراح الحلول فقط وهو ما يطرح عديد التساؤلات حول الجهة التي تقف وراء هذا القرار الاعتباطي. وللإشارة فإن المجلس الاستراتيجي للاقتصاد الرقمي تشكل سنة 2014 زمن حكومة المهدي جمعة بغاية إحداث إصلاحات بالمركز الوطني للإعلامية ومنذ ذلك الحين تبنى جميع وزراء الاقتصاد الرقمي الذين تداولوا على الوزارة نفس التوجه لكن إحداث الهيكل الجديد لم يتم الحديث عنه إلا عندما جاء الوزير الحالي محمد أنور معروف.

وكالة خاصة بصبغة غير قارة ! !

وتتميز وكالة تونس الرقمية التي تعتزم الحكومة إنشاءها بكونها وكالة خاصة ذات صبغة غير قارة وستقوم بالتعاقد مع مؤسسات خاصة لتسيير عملها الأمر الذي يطرح مخاطر تمكين جهات خاصة من قاعدة بيانات ومعطيات خاصة بالتونسيين. وفي تقدير محدثنا يطرح ذلك خطورة على مستويين: الأول هي التضارب الصريح بين دور المركز الوطني للإعلامية والهيكل الجديد وهو ما يطرح تجريد المركز من أدواره الأساسية التي كان يقوم بها. أما المستوى الثاني فهو كشف معطيات حساسة لمؤسسات خاصة ستقوم بإمضاء عقود مع وكالة تونس الرقمية وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر استغلالها سياسيا واقتصاديا . ويبقى العنصر الأخطر وفق النقابة الأساسية هو المسّ من السيادة المعلوماتية للدولة وتهديد الأمن الوطني للمعلومات والمعطيات الحساسة للدولة وللمواطن المخزنة في هذا المرفق العام.

تعهدات

وأضاف محدثنا أن أعوان المركز ماضون في تحركاتهم الاحتجاجية إلى أن يتم التراجع عن هذا القرار خاصة بعد التعهدات التي تحصلوا عليها من الاتحاد العام التونسي للشغل حيث سيعقد أمينه العام اجتماعا مع رئيس الحكومة حول هذا الموضوع.

وفي مقابل ذلك تنفي الوزارة ما تم تداوله من معلومات حول المركز الوطني للإعلامية والتونسية للتنمية الرقمية والمس بالمعطيات الحسّاسة للدولة، وذكرت في بيان أصدرته هذا الأسبوع أن حماية المعطيات الحساسة للدولة والمواطن وقواعد البيانات المخزنة بالمركز الوطني للإعلامية من المهام الرئيسية للمركز وهو المسؤول على حماية هذه المعطيات. كما نفت وجود أي نية للتخلي عن المركز الوطني للإعلامية بل العمل على تطويره وجذب الكفاءات إليه في إطار رؤية خاصة وأن المركز هو مسد للخدمات للدولة لا غير والحكومة تعمل اليوم على تطويره بعد أن وضعت 30 مليون دينار لبناء مقر جديد بمنوبة لإعطاء المركز بعده الجديد وتطوير خدماته حتى لا يبقى مجرد مسد للخدمات للدولة ،مشيرا إلى أن المركز لا يؤدي مهامه على الوجه الأفضل .

وفي تعليقه لـ « الصحافة اليوم» أكد وزير تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي محمد أنور معروف أن حماية المعطيات الحساسة للدولة والمواطن وقواعد البيانات المخزنة بالمركز الوطني للإعلامية تعتبر من المهام الرئيسية لهذا المركز وهي مسؤولية وطنية، من هذا المنطلق فإنّ المركز هو المسؤول على حماية هذه المعطيات وإنّ الترويج إلى وجود تهديدات من شأنها المساس بأمن المعطيات يعتبر توظيفا سياسيا يسعى إلى إعاقة سير عمل المركز ويحول دون تطوير خدماته. وأشار إلى أنّ قرار بعث مؤسسة «التونسية للتنمية الرقمية» كمؤسسة عمومية تم اتخاذه على مستوى المجلس الإستراتيجي للاقتصاد الرقمي لاستكمال المنظومة المؤسساتية للقطاع في اتجاه رفع نسق التحول الرقمي. وعلى خلاف ما تم تداوله نفى الوزير أي تضارب أو تداخل بين «التونسية للتنمية الرقمية» وبقية مؤسسات القطاع على غرار المركز الوطني للإعلامية وأكد في هذا الصدد أن «التونسية للتنمية الرقمية» لا تعنى بالتصرف أو بتخزين قواعد البيانات أو المنظومات الوطنية وبالتالي فان التلويح بأنها مؤسسة موازية وتهدّد ديمومة المركز الوطني للإعلامية هو مغالطة للرأي العام. وذكر أنّه تمّت دعوة كل الأطراف لعقد عديد الاجتماعات لتوضيح مهام ودور هذه المؤسسة تغليبا للمصلحة الوطنية وسعيا لرفع أي لبس متعلق بهذه المسألة.

ضرورة الحوار

وضمن نفس السياق أكد الوزير أن نسبة تقدم أشغال مشروع تونس الرقمية تجاوزت 20 %. ويتمثل المشروع في إحداث وكالة ستعنى بالتصرف في موارد قطاع تكنولوجيا الاتصال بهدف تنميته على اعتبار أن عائدات صندوق تنمية المواصلات وتكنولوجيا المعلومات تتأتى أساسا من الضرائب المفروضة على مشغلي الاتصالات الثلاثة بنسبة 5 بالمائة من رقم معاملاتها ، ويقدر أن تصل هذه العائدات خلال هذه السنة إلى 220 مليون دينار كموارد للدولة تصرف لتغطية المصاريف العمومية أي تغطية مصاريف عدد من المؤسسات العمومية من جهة وتغطية احتياجات البريد التونسي والديوان الوطني للإرسال من جهة أخرى.

وتؤكّد الوزارة على أهميّة الحوار الاجتماعي كركيزة لتدارس ونقاش المسائل التي من شأنها تطوير القطاع خدمة للصالح العام وتجاوز كل الخلافات التي تحول دون ذلك، على غرار الميثاق الاجتماعي الذي تم إمضاؤه أخيرا بين مؤسسة اتصالات تونس والجامعة العامة للاتصالات كنموذج يقتدى تسعى الوزارة إلى تعميمه على باقي مؤسسات القطاع.

يبقى المركز الوطني للإعلامية مثل بقية المؤسسات العمومية في حاجة إلى الإصلاح والتأهيل خاصة وأنه يتصرف في كمّ هائل من المعلومات التي تهم التونسيين في جميع جوانب حياتهم بداية من مرتباتهم التي تمر عبر المركز ووصولا إلى معطياتهم الشخصية. وبما أن حماية المعطيات الحساسة للدولة والمواطن وقواعد البيانات المخزنة بالمركز الوطني للإعلامية هي من المهام الرئيسية للمركز وهو المسؤول على حماية هذه المعطيات وبالتالي لابد من العمل على تطويره وتحسين خدماته دون وضعه في تنافس أو تعارض مع مؤسسة أخرى جديدة ستتدخل مهامها مع مهام المركز بما يحولها إلى مؤسسة موازية ويشكل خطورة على السيادة المعلوماتية للدولة خصوصا في هذا الظرف بالذات الذي يسبق الاستحقاقات الانتخابية القادمة، والذي تسعى فيه بعض الجهات الحزبية لإحكام سيطرتها على المؤسسات الحساسة للدولة.