الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



«استهلك تونسي»

لمــــاذا لا يــشـــجّـــــع الـتـــونـــسي منتوجه الوطني ؟



إعداد: عواطف السويدي

يُعَدّ استهلاك المنتوج الوطني عاملا أساسيا لدعم الاقتصاد والمحافظة على نسيج المؤسسات التونسية ومواطن الشغل، ومع تدهور قيمة الدينار التونسي في السنوات الأخيرة وتفاقم العجز التجاري سعت عديد الأطراف الى محاولة ارجاع الثقة في المنتوج التونسي والاقبال عليه في ظل احتداد المنافسة مع السلع الأجنبية.

وللوقوف على مدى إقبال التونسيين على المواد الاستهلاكية المحليّة والاخرى المستوردة، أنجز المعهد الوطني للاستهلاك بحثا حول «المستهلك التونسي واستهلاك المنتوج الوطني»، ويهدف البحث إلى معرفة تمييز المستهلك التونسي للمنتوج الوطني ومعرفة سلوكه إزاء المنتوج الوطني ومثيله الأجنبي ومحددات اختياره بينهما إلى جانب معرفة المنتوج الوطني في نظر التونسي ومدى استعداده لدعم المنتجات الوطنية وشروط تحقيق ذلك.

وبهدف مقاطعة السلع المستوردة ودعم المنتجات المحلية وفي محاولة لتقليص عجز الميزان التجاري وإنقاذ الدينار التونسي من الانهيار امام العملات الاجنبية ، أطلق منذ سنة تقريبا ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك والتويتر حملة ضخمة تحمل «هاشتاغ #استهلك 619» لتشجيع المواطنين التونسيين على استهلاك المنتوج التونسي وانقاذ الدينار بعد هبوط قيمتة بشكل سريع، ويرمز رقم 619 إلى المنتوجات التونسية.

وتدعو الحملة إلى الاستغناء عن كل المواد والكماليات التي يتم تصديرها من الخارج وتعويضها بمنتجات تونسية كالملابس والسجائر والمواد الغذائية والخمور لدفع العجلة الاقتصادية وتعديل الميزان التجاري وترشيد التوريد.

فهل يتسنى لهذه المبادرات والحملات تحقيق أهدافها المتمثلة في استرجاع ثقة المستهلك التونسي في منتوجه الوطني ودفع عجلة الاقتصاد ؟ ام ان الازمة اعمق والأسباب شائكة في هذا المجال وتتطلب معالجة اشمل؟

29.5 بالمائة فقط من التونسيين يفضلون شراء المنتوج التونسي على الاجنبي، هذا ما خلصت اليه الدراسة الحديثة التي انجزها المعهد الوطني للاستهلاك حول «المستهلك التونسي واستهلاك المنتوج الوطني»، وهو ما يعني ان نحو ثلثي التونسيين يفضلون استهلاك المنتوج الاجنبي. وهذا يعد مؤشرا خطيرا اذ ان اقتصاد بلادنا لا يمكن ان يصمد ويستمر اذا لم يجد حاضنة في الداخل الى جانب المنافسة الكبيرة للمنتوجات الاجنبية في مجالات كثيرة منها النسيج والملابس والاحذية والمواد الغذائية.

تفضيل المنتوج الأجنبي

وترتفع نسبة العزوف على استهلاك المنتوج التونسي بالخصوص لدى فئة الشباب، وتشير الأرقام الى ان نسب تفضيل الكهول والشيوخ للمنتوج التونسي اعلى منها لدى الشباب، ذلك ان الدراسة اظهرت ان التونسي مستعد لان ينفق اكثر في سبيل الحصول على جودة افضل اذ اشار 30.7 بالمائة من التونسيين الى انهم مستعدون لشراء منتوج تونسي أغلى من المنتوج الأجنبي فقط لأنه تونسي ، في حين أن 45.9 بالمائة من التونسيين غير مستعدين للدفع أكثر لشراء منتوج أجنبي بداعي أن المنتوج المستورد أفضل. اما بخصوص الفئة التي تفضل المنتوج الأجنبي، عوضا عن المنتوج الوطني، فإن اسباب ذلك تعود وفق نفس الدراسة لاقتناعهم بأن المنتوج الأجنبي أفضل بنسبة 31.8 بالمائة، ولعدم ثقتهم في جودة وسلامة المنتوج التونسي بنسبة 27.9 بالمائة .

وتشير الدراسة الى ان الفئة التي تفضل استهلاك المنتوج التونسي يقوم 50.6 بالمائة منها بهذا الاختيار لاقتناعهم بجودة وسلامة المنتوج الوطني، و16.1 بالمائة تشجيعا للمؤسسات الوطنية والمحافظة على وجودها، و14.2 بالمائة بواعز حب الوطن، و10.3 بالمائة نظرا لمقبولية السعر.

ويشار الى أن البحث الميداني شمل عينة تتكون من 2016 مستهلك تفوق اعمارهم او تساوي 20 سنة، حسب خصائص التوزيع الجغرافي، والوسط، والعمر والجنس. ويهدف البحث إلى معرفة تمييز المستهلك التونسي للمنتوج الوطني ومعرفة سلوكه إزاء المنتوج الوطني ومثيله الأجنبي ومحددات اختياره بينهما إلى جانب معرفة المنتوج الوطني في نظر التونسي ومدى استعداده لدعم المنتجات الوطنية وشروط تحقيق ذلك .

دعم المنتوج التونسي

وتكشف الدراسة أن 85.5 بالمائة من التونسيين من عاداتهم التثبت من مصدر المنتوج قبل شرائه، منهم 50 بالمائة يتثبتون دائما وان 69.3 بالمائة من التونسيين يميزون بين المنتوج التونسي والمنتوج الأجنبي بعبارة «صنع في تونس». وفي المقابل فان 9.4 بالمائة فقط من التونسيين يعلمون ان الترقيم بالأعمدة للمنتوج التونسي يبدأ بالرقم 619، في حين أن 90.6 بالمائة من المستجوبين ليس لهم علم بالترقيم الخاص بالمنتوج الوطني. من جهة اخرى يضع 50 بالمائة من التونسيين المواد الغذائية في المرتبة الأولى من حيث التميز والحضور في الأسواق، وبنسبة أقل منتوجات الصناعات التقليدية، ثم الأدوية ومواد البناء. وتعتبر 69 بالمائة من العينة المستجوبة أن الصناعات التقليدية تتميز بجودة عالية كذلك مواد البناء التي تحظى برضى 46 بالمائة من المستجوبين تليها الأدوية بنسبة 45 بالمائة.وبالنسبة للمواد التي يرى التونسي ان جودتها ضعيفة كشف البحث أنها تتعلق أساسا بالأحذية، ثم المواد الإلكترونية والكهرومنزلية، ثم مواد التجميل. ويرى 25 بالمائة من التونسيين وفق ما خلص إليه البحث أنه يجب مكافحة المنتجات المقلدة وتنظيم مسالك التوزيع والحد من التجارة الموازية لدعم استهلاك المنتوج الوطني، في حين يرى 14.6 بالمائة من العينة ضرورة تحسين طرق العرض والتعليب، و13.2 بالمائة أهمية تحسين الجودة.كما يوصي المعهد الوطني للاستهلاك بأهمية التركيز على العلاقة بين استهلاك المنتوج الوطني ودعم الاقتصاد والمحافظة على نسيج المؤسسات التونسية ومواطن الشغل، لا سيما وان عديد المنتجات تحظى بثقة كبيرة لدى المستهلك التونسي، لذلك يجب العمل على دعمها وتحسين ترويجها .

عودة الإنتاجية

ذكر وزير المالية السابق حسين الديماسي أن توجه المستهلك التونسي للمنتوج الأجنبي بدا منذ تسعينات القرن الماضي ويشمل عديد المواد منها التجهيزات واللباس والمواد الغذائية مبرزا أن الأسباب الأساسية لإقبال التونسي على المنتوج الأجنبي تتمثل في افراز المجتمع التونسي لفئة ثرية جدا تقتني هذه المنتوجات.

وأشار الديماسي في تصريح لـ«الصحافة اليوم» الى ان فتح الأسواق التونسية انطلق مع توقيع اتفاقية منظمة التجارة العالمية سنة 1993 والتي ساهمت في فتح الأسواق على بعضها البعض لكل المواد الأجنبية سواء لدول الاتحاد الأوروبي أو الصين أو تركيا والتي تقدم أسعارا زهيدة مقارنة بأسعار المواد المصنوعة في تونس بالإضافة الى تماشي أسعار المواد الأجنبية مع القدرة الشرائية للمواطن التونسي .

ولاحظ حسين الديماسي أن تزايد إقبال المستهلك التونسي على الفريب في السنوات الأخيرة خاصة من طرف الطبقة المتوسطة والثرية زاد في انخفاض اقتناء المنتوج التونسي، هذا فضلا عن عقدة كل ما هو منتوج اجنبي هو جيد بالضرورة في ذهنية المستهلك التونسي وتتطلب مصالحة التونسيين مع منتوجهم الوطني استراتيجية وطنية وليس مجرد حملات مؤقتة على غرار «استهلك تونسي» التي لن تكون نتائجها إيجابية باعتبار ان المواطن التونسي يقارن النوعية مع السعر عند شراء بضاعة ما وبالتالي فالعوامل موضوعية واقتصادية مرتبطة بالكلفة والسعر والجودة مبرزا ان الحل يتمثل في عودة الإنتاجية التي تراجعت في السنوات الأخيرة اذ بعودة الإنتاجية تتقلص كلفة الصنع وبالتالي تنخفض الأسعار بطريقة آلية.

منافسة غير شريفة

اما الخبير الاقتصادي معز الجودي فقد ابرز ان تونس تقوم بتصنيع منتوجات اكثر من بعض البلدان العربية مثل ليبيا والجزائر والمغرب خاصة في مجال الصناعات الغذائية وهذا رغم امتلاكهم لثروات طبيعية ولأسواق كبرى ، واعتبر الجودي في تصريح لـ«الصحافة اليوم» أن دخول البضائع الأجنبية كان في أواسط التسعينات بعد توقيع اتفاقية التبادل التجاري وفتح الأسواق واحتداد المنافسة في التجارة الخارجية. وقال الجودي ان التبادل التجاري ليس عيبا وانما الاشكال يتمثل في غزو البضائع الأجنبية لأسواقنا أكثر من البضاعة التونسية. وفي هذا الاطار ذكر الخبير ان مواد الرفاهية والكماليات والبضائع التركية تعدّ اليوم ثاني مورّد بالنسبة الى تونس بعد البضائع الصينية، وهي سياسة اغراق السوق من خلال بيع منتوجات تركية في السوق الأجنبية بسعر اقل من بيعها في السوق التركية وهي منافسة غير شريفة وجب مواجهتها على غرار بيع البسكويت التركي بسعر اقل من البسكويت التونسي والمفروض على تونس ان تؤطر التجارة الخارجية.

ودعا الخبير الحكومة الى ترشيد التوريد وذلك عبر مراجعة الاتفاقيات الثنائية وتفسير الوضع الاقتصادي الاستثنائي لشركائنا وتعليق التوريد الى حين تحقيق التوازن في الميزان التجاري

وحول مدى نجاعة حملات التشجيع على اقتناء المنتوج الوطني ذكر الخبير الاقتصادي والاستاذ الجامعي معز الجودي ان هذه الحملات مطلوبة واعتبر ان نجاح حملة «استهلك تونسي» في السابق يعود اساسا الى هاجس الخوف لدى المستهلك التونسي من التداعيات المحتملة لتواصل تراجع الدينار التونسي في سوق الصرف العالمي وهو ما جعل حملة مقاطعة المنتجات الأجنبية تجد اقبالا كبيراً من التونسيين.كما دعا محدثنا الى توعية المستهلك التونسي بان ليست كل المنتوجات الأجنبية جيدة بالضرورة حيث لدينا عديد المنتوجات التي لديها علامات جودة عالية وفي نفس الوقت يجب حماية منتوجاتنا من آفة التهريب التي تخلق منافسة غير شريفة ، كما اقترح الجودي تقليص الضرائب على الشركات التونسية المنتجة من اجل منحها هامش تحرك لتحسن منتوجها وتقلص في الاسعار.

وبخصوص قلة اقبال الشباب التونسي على المنتوج المحلي افاد معز الجودي بان الدولة التونسية يمكن ان تتوجه اليه بالحملات التحفيزية عبر شبكات التواصل الاجتماعي ليكتشف البضائع في الفضاء الافتراضي وهذا يتطلب اعداد رسائل الكترونية دقيقة وواضحة وثورة رقمية حقيقية.

ازمة ثقة

و يعتبر المختص في علم الاجتماع غصن المرسني أن هناك أزمة ثقة لدى المستهلك التونسي في منتوجه الوطني منذ سنوات بسبب عدم جودة المنتوج ما أدى الى ظاهرة الاحتكار والغش في المواد الاستهلاكية ، وظهور القطاع الموازي في السوق وتكاثف توريد البضاعة الأجنبية من تركيا والصين وظهور الدخلاء على عكس الماضي عندما كانت هناك صناعات تقليدية ذات جودة .

وطالب غصن المرسني في حديث لـ«الصحافة اليوم» بان تتم بلورة استراتيجية وطنية تكون براغماتية وملائمة للسياق التونسي وتدعم المنتوج الوطني وتضم جميع الأطراف سواء الدولة او مكونات المجتمع المدني والشركات العمومية والخاصة ووسائل الاعلام وتساهم هذه الاستراتيجية في إيجاد برنامج عمل قابل للتطبيق على المدى الطويل ولا يتم الاقتصار فقط على الحملات الظرفية والوقتية ، ودعا في هذا الصدد أيضا إلى القيام بحملات مراقبة مستمرة.

وفيما يتعلق بمحدودية اقبال الشباب التونسي على المنتوج الوطني افاد محدثنا ان شبابنا اليوم مطلع على احدث صيحات الموضةخاصة في مجال الملابس ولذلك يستهلك المنتوج الأجنبي الذي يتميز بجودة عالية ويخير اقتناءها ويحتاج إقناعه بالإقبال على المنتوج الوطني الى حملات ورسائل واضحة على الشبكات الاجتماعية تروج للمنتوج الوطني ويمكن ان تشمل أيضا الاسرة ووسائل الاعلام .كما يرى المختص في علم الاجتماع ان احداث مصالحة بين المستهلك التونسي والمنتوج الوطني يتطلب تطوير منتوجاتنا ومحاولة فرض اللباس التقليدي والترويج له كلباس يجمع بين الاصالة والحداثة وقد تمت في هذا السياق عملية ترويجية هامة حين ارتدى المنتخب الوطني لكرة القدم اللباس التقليدي ، وبالتالي المسألة تستدعي تفكيرا استراتيجيا يفرز مخططا واضح الأهداف ويجمع جهود جميع الأطراف المتداخلة .

ويرى الخبراء في مجال الاستهلاك أنه من الضروري التركيز على فئة الشباب من أجل دعم إقباله على المنتوج الوطني ومواصلة العمل من خلال حملة وطنية تنخرط فيها عديد الهياكل والجمعيات من أجل دعم المنتوج الوطني ، كما دعا المعهد الوطني للاستهلاك الى التركيز على العلاقة بين استهلاك المنتوج الوطني ودعم الاقتصاد والمحافظة على نسيج المؤسسات التونسية ومواطن الشغل.

ودعا رئيس المعهد الوطني للاستهلاك طارق بن جازية في تصريحات إعلامية الى العناية اكثر بحاجيات الشباب التونسي حتى يجد في المنتوج المحلي مبتغاه واقترح ان يتم ايلاء التشجيع على استهلاك المنتوج التونسي اهمية اكبر في المنظومة التربوية خاصة وان الشباب في دول اخرى منها فرنسا يفضلون استهلاك المنتوج المحلي لبلدانهم بنسبة تصل الى 70بالمائة ومواصلة العمل من خلال حملة وطنية تنخرط فيها عديد الهياكل والجمعيات من أجل دعم المنتوج الوطني .