الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الإتّجار بالبشر والعبودية الحديثة

هل تـونــس بــلـــد مـنـشــإ أم منطقـــة عــبـــور ؟



إعداد: عواطف السويدي

تتخذ العبودية المعاصرة في تونس، أشكالا مختلفة، حيث تحيلك هذه الكلمة عند سماعها أحيانا، على استعباد الأشخاص بسبب لون البشرة، لكن جريمة الاتجار بالبشر تعد أحد أهم مظاهر العبودية المعاصرة التي تنتشر في المجتمعات اليوم ،و تصنف تونس على أنها بلد منشإ و بلد عبور للاتجار بالبشر وتبقى الأرقام المعلنة حول الظاهرة مفزعة ، حيث ورد في تقرير لمؤسسة «وولك فري» لسنة 2018 ، أنّ 25 ألف شخص في تونس يصنفون على أنهم عبيد.

ويصل عدد العبيد في العالم إلى 40 مليون شخص، حسب ما ذكره التقرير الذي أشار إلى أنّ 89 مليون شخص حول العالم تعرضوا إلى شكل من أشكال العبودية الحديثة لفترات من حياتهم يمكن أن تمتد من بضعة أيام إلى 5 سنوات.

وذكر التقرير ان تونس سجّلت تحسنا على مستوى مكافحة ظاهرة العبودية الحديثة.

وحسب «مؤشر العبودية العالمي لعام 2018» هناك 40.3 مليون شخص في العالم يرزحون تحت العبودية الحديثة، بما في ذلك 400 ألف شخص في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، ونحو 136 ألف شخص في بريطانيا.

ويذكر التقرير أن العبوديةَ الحديثةَ، تشمل الاتجار بالبشر، والعمل القسري، والاستعباد باسم الدين، والزواج القسري، وبيع واستغلال الأطفال، فضلا عن العبودية في مفهومها القديم. ويقدم التقرير أرقاما صادمة عن ضحايا العبودية الحديثة في أكثر من 160 دولة حول العالم.

وجاء في التقرير ان حكومة تونس لا تلبي بشكل كامل الحد الادنى من معايير القضاء على الاتجار بالبشر ، و مع ذلك فهي تبذل جهودا كبيرة للقيام بذلك ، وأشار الى ان تونس اجرت سنة 2018 حوالي 28 تحقيقا اوليا في جرائم العمل القسري المحتملة و57 حالة جرم استغلال جنسي محتملة وتم القبض على اشخاص بتهم إجبار نساء على البغاء.

وأشار إلى أن وزارة المرأة و الأسرة و الطفولة حددت 373 حالة محتملة للاتجار بالأطفال ، كما فتحت وزارة الداخلية تحقيقات قضائية بشأن 195 متهم في ملفات الدعارة القسرية والتسول القسري والعمل القسري تحت طائلة القانون المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر.

وصنف التقرير تونس في الفئة الثانية مع 81 دولة من بينها الامارات العربية المتحدة ومصر والاردن وسلطنة عمان وقطر وذكر انها باتت منذ خمس سنوات وجهة و مصدرا ومركز عبور محتمل ايضا للمهاجرين غير الشرعيين.

فما هي مظاهر الاتجار بالبشر في تونس و أسبابها وما هي أهم أنواع هذه الجرائم و سبل التصدي لها ؟

يعد المهاجرون الأجانب و خاصة الأفارقة أكثر الضحايا في جريمة الاتجار بالبشر في بلادنا ، حيث قالت الباحثة في الهجرة إيمان الغيضيوي إن الدراسة التي قام بها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية سنة 2013 هي اول دراسة تتعرض لوضعية الأجانب في تونس و خاصة منها وضعية الأفارقة ، و أضافت أنه تبين خلال الدراسة أن الأفارقة هم الأكثر عرضة لعديد الصعوبات خاصة منها الاستغلال الاقتصادي و الاجتماعي مشيرة إلى أن المهاجرين من ساحل العاج هم الأكثر اقبالا على تونس يليهم المهاجرون من السنغال ثم الكامرون.

جرائم عائلية

و تؤيد رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر روضة العبيدي هذا المعطى إذ ذكرت ان اكثر انواع الاتجار بالبشر يتعرض المهاجرون و خاصة منهم الأفارقة بسبب الاستغلال الاقتصادي و أضافت في تصريح لـ «الصحافة اليوم» أن هذه التجاوزات يتم الإعلان عنها في الماضي عن طريق منظمات المجتمع المدني واليوم أصبحت الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر تتلقى الشكاوى اين يجدون المساندة و المأوى و العناية الطبية.

واعتبرت ان التسول و العمل المنزلي تسمى جرائم عائلية ، و بينت روضة العبيدي ان ظاهرة الاتجار بالبشر بالنسبة للتونسيين تتلخص في تشغيل الاطفال و خاصة منهم القاصرات كعاملات منازل مشيرة إلى وجود تعاون كبير بين الهيئة و وزارة الداخلية و وزارة الشؤون الاجتماعية و عديد الأطراف المتداخلة . و دعت روضة العبيدي الى تطبيق القانون والقيام بحملات توعوية وتحسيسية لإقناع الناس بضرورة التصدي لهذه الجرائم مؤكدة ان هناك بداية وعي مجتمعي حول المسألة.

وحول تجربة تونس في مكافحة هذه الجرائم ، أفادت روضة العبيدي أنه قبل إصدار القانون عدد 61 في 3 اوت 2016 المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته، لم نكن في فراغ تشريعي وإنما كانت هناك قوانين تجرّم بعض الأفعال التي تصنف كجرائم اتّجار بالأشخاص، لكنها كانت تصنفها ضمن جرائم أخرى. كما أن هذه القوانين كانت تمس من حقوق الضحايا مثال ذلك اعتبار الشخص الذي تم استغلاله جنسيا مساهما في الجريمة، إلا أن قانون منع الاتجار بالبشر أعطى للمعتدى عليهم صفة الضحية والدولة تتكفل بهم.

وفي تونس بصفة عامة تسجل أعلى نسبة جرائم الاستغلال الاقتصادي وأضعف نسبة على مستوى الاستغلال الجنسي، حيث يوجد في بعض الأرياف التونسية «سماسرة» يتصرفون في بنات المنطقة ويشغلونهن في المنازل ويتقاضون أموالا وفي مقابل ذلك هناك تداخل بين ملف تهجير الشباب إلى سوريا وليبيا وجرائم الاتجار بالأشخاص.

وذكرت العبيدي ان الهيئة ستعمل على تنقيح مختلف التشريعات لتكون متلائمة مع قانون مكافحة الاتجار بالبشر نظرا لوجود عدد من النقاط السلبية، من ذلك أن السن القانونية للطفولة يمتد إلى 18 سنة، لكن في مجلة الشغل نجدها تسمح للأطفال بالعمل في المنازل في سن 16 عاما ،وما يسهل عمل الهيئة هو وجود قانون متميز وتركيبة تضم ممثلين عن مختلف الوزارات والمجتمع المدني والإعلام إلى جانب وجود إرادة جماعية لمكافحة هذه الظاهرة حسب تعبيرها.

و أوضحت العبيدي ان الاتجار بالأشخاص من أسوإ أشكال الاعتداء على الذات البشرية وحقوق الإنسان، وهي أكثر جريمة تمس كرامة الإنسان ،وان هناك عديد الجرائم التي تصنّف ضمن الاتجار بالأشخاص منها الاستغلال الجنسي وعمالة الأطفال وبيع الأعضاء والاستغلال الاقتصادي.

وعموما يعد الاتجار بالأشخاص جريمة يمكن أن تكون وطنية أو عابرة للأوطان يقوم بها شخص أو شبكات واسعة ،وتونس تعتبر بلد منشإ للجريمة، حيث يوجد تونسيون يستغلون الأطفال والنساء، وكذلك هي وجهة لهذه الجرائم حيث يقيم بها أجانب يمارسون هذه الجرائم وينشئون شبكات لاستقطاب الناس من الخارج واستغلالهم في تونس.

وأكدت روضة العبيدي ان تونس تعتبر كذلك بلد عبور للجريمة نظرا لموقعها الاستراتيجي، وهناك شبكات تهرب الأشخاص عبر تونس لاستغلالهم في أوروبا أو في مناطق أخرى ،إلا أن جرائم الاتجار بالأشخاص في تونس لا ترتقي إلى مرتبة الظاهرة نظرا لحجمها الضعيف مقارنة بدول أخرى.

غياب الدراسات

و افاد استاذ علم الاجتماع و العضو في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عبد الستار السحباني بان هناك تصنيفين اثنين للفئات الاجتماعية هما اصحاب المهن النبيلة والمهمشون، وشدد محدثنا على ان اصحاب البشرة السوداء غير موجودين في مواقع القرار و بالتالي فالمشكل له خلفية ثقافية ، ولاحظ ان السبب الاخر لظاهرة الاتجار بالبشر يتمثل في استقطاب الأفارقة في تونس في اطار شبكات مصلحتها فقط تجميع المال فيتعرضون للاستغلال الاقتصادي ويكونون ضحية معاملات سيئة فيشتغل الرجال في الحضائر و النساء في المنازل كعاملات.

اما بالنسبة إلى الاتجار بالبشر على مستوى محلي وطني فظهرت حسب محدثنا كنتيجة لطول فترة الانتقال الديمقراطي و الانفلات فظهرت شبكات التسفير للخليج ولبنان وشبكات التسفير للمشاركة في الاعمال الارهابية و شبكات المتاجرة بالأعضاء و شبكات المتاجرة في الهجرة غير النظامية و هذا رغم وجود قوانين جيدة في اغلبها لا تطبق.

السحباني قال أيضا إن هناك أشكالا من الاتجار بالبشر من ذلك الاستغلال الجنسي للأطفال وتشغيلهم بصفة قسرية، وهي مسكوت عنها، كما أن هناك تخفيا وغموضا، في ظل غياب دراسات وإحصائيات رسمية حول هذا الموضوع، فما يسمّى بـ «جهاد النكاح» هو شكل من أشكال الاتجار بالبشر والاستغلال جنسيا عن طريق ترحيلهن بطرق مشبوهة إلى بؤر التوتّر، ولئن اختلفت الأسباب، فالنتيجة واحدة وهي الاتجار بالبشر واستغلالهن.

وبين عبد الستار السحباني ان الدولة لا تملك المعطيات الكافية حول مظاهر واشكال الاتجار بالبشر للمواطنين التونسيين وهي أيضا تحت ضغط لوبيات ،هذا فضلا عن قصور المجتمع المدني عن المعالجة بسبب قلة الامكانيات المادية.