الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الترفيع في نسبة الفائدة المديرية

ما هي تداعياته على المؤسسات وعلى المستهلك ؟



إعداد: عواطف السويدي

اصبح التضخم المالي من أهم المؤشرات التي تتهدد الاقتصاد التونسي بعد الثورة إذ بلغ أرقاما قياسية في السنوات الأخيرة وبلغ خلال شهر ماي 2018 نسبة 7.7 بالمائة وهي أرقام لم تعرفها بلادنا منذ ثلاثين سنة ، وساهم التضخم في ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وانهيار الاقتصاد مما اضطر الحكومات المتعاقبة إلى الترفيع في نسبة الفائدة المديرية عدة مرات وآخرها في مناسبتين خلال هذا العام .

وقد بلغت نسبة الفائدة المديرية 6.75 بالمائة، ويرجح أن تتعمق أكثر في الفترة القادمة، كما قرر مجلس إدارة البنك المركزي التونسي اتخاذ إجراءات مصاحبة لتوفير السيولة اللازمة قصد الحفاظ على مناخ مالي ملائم للاستثمار تبعا للترفيع في نسبة الفائدة المديرية ، بـ100 نقطة أساسية ، وأوضح البنك المركزي في بلاغ أصدره، يوم 14 جوان 2018 أن هذه الإجراءات تتمثل في إرساء تسهيلات جديدة تسمح بتوفير سيولة بشكل هيكلي على غرار تركيز شباك طلب عروض ذي أجل بستة أشهر لفائدة البنوك موجه لإعادة تمويل قروض الاستثمار في المشاريع الجديدة وخاصة منها المسندة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة .

وتهدف هذه الآلية، التي تعمل على إدماج حركية جديدة في سياسة إعادة التمويل للبنك المركزي، إلى توفير سيولة أكثر استقرارا لفائدة النظام البنكي وتحفيزه على تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة وذلك في إطار تحسين ظروف إسداء القروض ومزيد استهداف القطاعات المنتجة .

مقابل ذلك أجمع جل الخبراء الاقتصاديين والمنظمات الاجتماعية على أن الزيادة بـ100 نقطة كاملة في نسبة الفائدة المديرية أمر خطير وله تداعيات وخيمة على المؤسسات وعلى القدرة الشرائية وعلى الاستثمار.

فهل أن الترفيع في نسبة الفائدة المديرية شر لا بد منه ام هناك حلول بديلة؟ وما هي ابرز تداعيات هذه الزيادة على المواطن التونسي بعد ارتفاع نسبة الفائدة على مستوى القروض ؟

 

أبرز البنك المركزي أن قرار الترفيع في نسبة الفائدة المديرية تم اتخاذه على ضوء دراسة المؤشرات الأخيرة للوضع الاقتصادي الدولي والوطني وخاصة تحليل التطورات الأخيرة في مجال تضخم الأسعار وانعكاسات ذلك خلال الأشهر القادمة.

وقد أظهر التحليل أن ضغوطات التضخم مرجحة للزيادة، إلى موفى سنة 2018، مع انعكاسات سلبية على الانتعاشة الأخيرة للنمو الاقتصادي وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، لذلك كان من الضروري اتخاذ قرار استباقي ملائم على مستوى معدلات الفائدة، ذلك ما أكده البنك المركزي مذكرا أن معدل التضخم خلال ماي 2018 ارتفع إلى حدود 7.7 بالمائة بحساب الانزلاق السنوي مقابل 4.8 بالمائة، في ماي 2017

ومن المرجح أن يواصل التضخم نسقه التصاعدي ويناهز 8 بالمائة كمعدل بالنسبة الى كامل سنة 2018 وذلك بسبب الزيادة المشطة للأسعار الدولية للطاقة ولأغلب المنتوجات الأساسية وتطور التضخم لدى الشركاء الرئيسيين لتونس وارتفاع الأجور دون تحسن الإنتاجية إضافة إلى تواصل العجز التجاري لمستوى غير محتمل وتسارع الطلب الداخلي من الاستهلاك.

رفض القرار

يذكر أن الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية أعرب، في بيان عن استيائه من قرار البنك المركزي الترفيع في نسبة الفائدة المديرية خاصة وان الامر يتعلق بعملية الترفيع الثانية منذ بداية سنة 2018 . واعتبرت منظمة الأعراف أن القرار ستكون له انعكاسات سلبية على القدرة التنافسية للمؤسسات الاقتصادية وعلى تمويل الاستثمار بسبب ارتفاع كلفة التمويل التي ستفضي إليها في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى إجراءات تحفز على الاستثمار وإحداث المشاريع والتشغيل.

وعبر الاتحاد العام التونسي للشغل، في بيان عن رفضه قرار الترفيع في نسبة الفائدة المديرية بـ100 نقطة لتصبح 6.75 بالمائة الذي اتخذه مجلس إدارة البنك المركزي ، واعتبر أن قرار الترفيع في نسبة الفائدة المديرية بـ100 نقطة والذي تم اتخاذه بتعلة الحد من نزيف التضخم الذي بلغ 7.7 بالمائة في موفى شهر ماي 2018 ، له انعكاسات سلبية على الاستثمار والنمو، ومن شأنه أن يعمق الأزمة الاقتصادية الحالية ويزيد من تدهور المقدرة الشرائية للأجراء المتهرئة أصلا، مؤكدا رفضه لمثل هذه السياسات المتخذة على حساب الطبقة الضعيفة والمتوسطة مشيرا إلى أن البنك المركزي قد التجأ الى الحل السهل في ظل عجز الحكومة وغياب الارادة لمقاومة الاقتصاد الموازي والتهريب واخذ الاجراءات اللازمة للحد من عجز الميزان التجاري وترشيد التوريد.

ودعت المنظمة الشغيلة في هذا السياق، الحكومة إلى العمل على مقاومة التهرب الضريبي، والتهريب، والاقتصاد الموازي، ومراقبة مسالك التوزيع، إضافة إلى مزيد التنسيق مع البنك المركزي لإرساء سياسات جبائية ونقدية تمكن من دفع الاستثمار والنمو، وخلق مواطن الشغل .

وذكّر في هذا الصدد بان مصادر التضخم في تونس ليست نقدية فحسب، بل هي مرتبطة اساسا بالممارسات الاحتكارية والانزلاق المتسارع للدينار، إضافة إلى الأثر التضخمي لبعض الإجراءات الجبائية المدرجة في قانون المالية لسنة 2018، والتي أدت إلى ارتفاع الضغط الجبائي .

استثناء قروض السكن

و أكد رئيس الجمعية المهنية التونسية للبنوك والمؤسسات المالية أحمد كرم في تصريحات إعلامية أن الترفيع الأخير في نسبة الفائدة المديرية ستتحمله البنوك فقط ولن يشمل الحريف، مشيرا إلى أن البنوك قررت تقليص هامش ربحها لكي لا تضطر للترفيع في نسبة الفائدة التي تطبقها على الحرفاء .

وقال أحمد كرم أن هامش ربح البنوك التونسية سيتم تقليصه إلى نسبة 1 بالمائة لكي لا تلجئ للترفيع في نسبة الفائدة وفقا لمتطلبات نسبة الفائدة الجديدة التي وقع الترفيع فيها بـ100 نقطة، حيث أن البنوك اتفقت على عدم تطبيق قرار الترفيع على حرفائها . و أوضح كرم أن البنك المركزي لم يستشر الخبراء و المصرفيين قبل تقرير الزيادة في الفائدة المديرية رغم أن أغلبهم لا يعارضون هذا القرار، نظرا لكونه جاء لتعديل السوق رغم تأثيره الشديد على النمو وفق تعبيره ، و شدد كرم على ضرورة إيجاد الحلول و الآليات لدفع النمو، كدعم الإنتاج وتعديل السوق ومحاربة السوق الموازية، «كي لا تضطر الدولة مجددا الى تطبيق إجراءات مالية صعبة مثل الترفيع في نسبة الفائدة»، حسب تصريحه .

وفي نفس السياق، أوضح الرئيس المدير العام لبنك الإسكان أحمد رجيبة في تصريح إذاعي أنّ الزيادة الأخيرة في نسبة الفائدة المديرية التي تمّ اقرارها من قبل البنك المركزي لن يتمّ تطبيقها على قروض السكن سواء السابقة منها أو الجديدة، وذلك تنفيذا لقرار الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية. و بيّن أنّ هذا القرار يندرج في اطار مراعاة المقدرة الشرائية للمواطن .

وفي هذا السياق أفاد الخبير الاقتصادي عزّ الدّين سعيدان أنّ هذا الإجراء يقضي بزيادة في قيمة الفوائض للودائع لدى البنوك مهما كان نوعها باستثناء نسبة ضئيلة جدّا منها معتبرا اننا مضطرون لهذا الخيار لمقاومة التضخم المالي الذي بلغ 7.7 بالمائة نهاية شهر ماي وهي اعلى نسبة منذ 30 سنة ، وفي تفسيره لمفهوم نسبة الفائدة المديرية أوضح سعيدان انها نسبة الفائدة للبنك المركزي و التي تبنى حولها كل أسعار الفائدة سواء بالنسبة للقروض أو التمويلات أو نسبة الفائدة المتداولة بين البنوك ، اما نسبة التضخم المحسوسة و المعيشة من طرف المواطن فتكون اكثر بكثير لأننا نستثني منها كل المواد المدعمة . و بين سعيدان في حديث لـ«الصحافة اليوم» ان الترفيع في نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي يهدف الى تحقيق ثلاثة نقاط ، تتمثل الأولى في محاولة مقاومة الارتفاع الكبير في نسبة التضخّم الذي سجل نسبة 7.7 بالمائة خلال شهر أفريل واستقرّ على نفس النسبة في شهر ماي الماضي، لافتا إلى أنّه وللأسف أصبحت هذه النسبة هيكليّة وليست ظرفيّة .ويتمثّل الهدف الثاني في ترميم ما يمكن ترميمه من الادّخار الوطني الذي انخفض إلى 8% وهو يعدّ أمرا خطيرا، وانخفاضه سيؤثر على الاستثمار ، و يتمثل الهدف الثالث في ترشيد السياسة النقدية استجابة لتوصيات صندوق النقد الدولي الذي يؤكد على مزيد المرونة في سعر صرف الدينار خاصّة أنّ فرص تونس في التداين أصبحت شبه معدومة .

وحول مدى فاعليّة هذا القرار اعتبره سعيدان، قرارا معزولا وغير كاف، مشيرا إلى أنّ أزمة الاقتصاد التونسي تتطلّب إصلاحا هيكليّا وشاملا، اذ ان الزيادة في سعر الفائدة تمت في 2017 ومنذ شهرين أيضا ولم تتقلص نسبة التضخم المالي ولازالت سلبية . وبيّن محدّثنا أنّ هذا القرار له تداعيات سلبية أكثر منها إيجابيّة، حيث أنّه سيساهم في الترفيع في كلفة تمويل المؤسّسات الاقتصاديّة، وهو ما سيؤدّي الى التضخّم المالي، أضف الى ذلك كلفة أنواع الاقتراض خاصّة مع تدهور المقدرة الشرائيّة للمواطن، مشيرا إلى أنّه باتخاذ هذا الاجراء سيتم الترفيع في كلفة الأسعار .

وفي تعليقه على قرار الجامعة المهنية للبنوك استثناء قروض السكن من الزيادة الأخيرة لنسبة الفائدة المديرية قال عز الدين سعيدان انه قرار غير إيجابي لأنه ستكون هناك ازدواجية في الأسعار في نفس السوق وهذا على حساب هامش الربح للبنوك مشيرا إلى انه إجراء مخالف لأصول المهنة حسب وصفه .

أزمة السياسة المالية

اما وزير المالية السابق حكيم بن حمودة فقد ابرز ان التضخم هو السبب المباشر للزيادة في نسبة الفائدة المديرية لكن بالعودة الى الأرقام نجد ان التضخم المالي كان نتيجة لثلاثة أسباب هي أولا عدم التحكم في مسالك التوزيع و ثانيا تدحرج الدينار وتدهور قيمته و ثالثا قرارات الحكومة المتمثلة في الزيادة في بعض الاداءات خاصة منها تعديل أسعار المحروقات التي انعكست على الأسعار وعلى نسبة التضخم ، و أشار بن حمودة في تصريح لـ«الصحافة اليوم» انه قرار يفسر اكثر بضغط صندوق النقد الدولي .

واعتبر محدثنا ان الإشكال يتعلق بالأساس بوجود ازمة كبرى على مستوى السياسة المالية حيث خرجنا من سياسة مالية لينة الى سياسة مالية صلبة من خلال الترفيع في نسب الفائدة المديرية في مناسبات متتالية حيث تمت إضافة 175 نقطة في ظرف شهرين ، داعيا الى تفعيل الحلول الجذرية وهي مراقبة مسالك التوزيع والحد من انزلاق الدينار .

وأكد عضو المكتب التنفيذي للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية خليل الغرياني أن منظمته عبرت عن موقفها المتمثل لرفضها في تسرع البنك المركزي في زيادة 100 نقطة في الفائدة المديرية دون الإعلان عن كيفية احتساب نسبة الفائدة المديرية ، وقال الغرياني في حديث لـ«الصحافة اليوم» ان القرار سيكون له انعكاسات سلبية على القدرة التنافسية للمؤسسات الاقتصادية وعلى الاستثمار بسبب ارتفاع كلفة التمويل التي ستفضي إليها في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى إجراءات تحفز على الاستثمار وإحداث المشاريع والتشغيل .

عبء ثقيل

وشدد الغرياني على أن المؤسسة تعاني عبءا ثقيلا اليوم بسبب السوق الموازية والركود الاقتصادي وتدهور قيمة الدينار مطالبا بان تتم دراسة كل هذه الإشكاليات لمعرفة الوقت المناسب لإقرار الزيادة وفي أي ظروف ، واقترح عضو منظمة الأعراف ان تتم مراعاة وضعية المؤسسة بإقرار قروض خفيفة وبتمويل يحمل نسبة فائدة اقل ، كما طالب الحكومة بإعلان برنامجها الخاص بالضغط على التضخم المالي معتبرا ان المسالة ديناميكية والحل الوحيد هو الترفيع في مستوى الإنتاج لتصبح قضية وطنية بامتياز ولا تكون مجرد شعار لان الإنتاج هو الحل .

ويعد المستهلك التونسي احد ابرز المتضررين من الترفيع في نسبة الفائدة المديرية، حيث أكّد عضو منظمة الدفاع عن المستهلك توفيق بن جميع في تصريح لـ«الصحافة اليوم» أنّ الترفيع في نسبة الفائدة المديرية بـ100 نقطة سيكون له انعكاس سلبي مباشر على المستهلك خصوصا على مستوى قروض الاستهلاك والسكن وسيشكل عبءا ثقيلا على القدرة الشرائية للمواطن وفق تقديره .وأضاف بن جميع أن المواطن يمكن أن يقدم بعض التضحيات بشرط ان تتقاسمها جميع الأطراف وهي المستهلك والبنوك والدولة . كما رحب محدثنا باستثناء قروض السكن من الزيادة في نسبة الفائدة معتبرا إياه اجراء إيجابيا لكنه يبقى غير كاف في ظل وجود قروض الاستهلاك وقروض السيارات .

وشدد توفيق بن جميع على ان منظمة الدفاع عن المستهلك تتلقى تشكيات كل يوم من المستهلكين في كامل تراب الجمهورية حول غلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية ، وناشد القطاع البنكي أن يقوم بإجراءات استثنائية لفائدة المواطن .