الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



ارتفاع درجات الحرارة

ما هي تداعياته على الفلاحة وما هي سبل الوقاية منه؟



إعداد: صبرة الطرابلسي

تشهد بلادنا في الفترة الأخيرة ارتفاعا غير مسبوق في درجات الحرارة صنفه تقرير أمريكي متخصص تم نشره في صحيفة «واشنطن بوست» مؤخرا بأنه الأعلى على المستوى الإفريقي فقد تجاوزت درجات الحرارة في بعض مناطق الجنوب التونسي 48 درجة في الظل وقد وصفها المعهد الوطني للرصد الجوي بأنها أرقام قياسية، حيث كانت لها بعض الانعكاسات السلبية من ذلك نفوق أعداد هامة من الأسماك ببعض السواحل التونسية وموت بعض المواشي لشدة ارتفاع درجات الحرارة بالجنوب التونسي وهي من تداعيات موجة الحرارة التي يفسرها علماء البيئة بأنها ناجمة عن التغييرات المناخية التي يشهدها العالم بأسره والتي يمكن أن تتسبب في عديد المضار سواء على صحة الإنسان ونمط عيشه أو على الحيوان والطبيعة بشكل عام.

فإلى أي حد يمكن أن يشكل ارتفاع درجات الحرارة خطرا على صحة الإنسان و محيطه وعلى المنتوج البحري و الفلاحي عموما؟

وما هي سبل الوقاية من موجة الحرارة للحد من تأثيراتها السلبية؟

ارتفاع درجات الحرارة التي تشهدها بلادنا مع كل صائفة والتي تزداد وتيرتها سنة تلو أخرى هي نتيجة متوقعة لما توصلت إليه الدراسات العلمية العالمية و الوطنية حول التغييرات المناخية و التي من بين مظاهرها كذلك تراجع نزول كميات الأمطار و تواتر الظواهر المناخية القصوى على غرار الجفاف طويل المدى و موجات الحر الشديدة و الفيضانات و ارتفاع مستوى البحر و غيرها ومن الظواهر المناخية إذ تؤكد الدراسات أن كلفة الأضرار البيئية والاقتصادية والاجتماعية المتوقّعة من التغيرات المناخية كبيرة فقد بينت عديد الدراسات التي تم إعدادها بتونس بالتعاون بالخصوص مع البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية أن كلفة أضرار التغيرات المناخية على القطاع الفلاحي ستتراوح بين 3 إلى 3.9 مليار دينار إلى حدود سنة 2030 مع انخفاض النمو الزراعي بنسبة تتراوح بين 0.3 و1.1 بالمائة سنويا إلى حدود سنة 2030.

و قد كان للارتفاع درجات الحرارة التي شهدتها بلادنا في الفترة الأخيرة خاصة في الجنوب التونسي تأثير على مظاهر الحياة اليومية للتونسيين نظرا للتأثير المباشر للحرارة على صحة الأشخاص و حتى النباتات و الحيوانات و الأسماك حيث تسببت الحرارة المرتفعة في موت بعض المواشي و نفوق الأسماك ببعض السواحل.

وقد قامت وزارة الصحة مؤخرا بإصدار بلاغ تحذر فيه المواطنين من مخاطر موجة الحرارة حيث دعت من خلال هذا البلاغ إلى ضرورة تجنب التعرض المباشر للشمس و شرب كميات هامة من الماء و اتخاذ جملة من الإجراءات الوقائية في فصل الصيف بهدف حماية صحتهم من أخطار صحية قد تطالهم ذلك أن ارتفاع درجات الحرارة من شأنه أن يؤدي إلى ظهور بعض المشاكل الصحية مثل ضربة الشمس والجفاف من الماء خصوصا لدى المسنين والأطفال والرضع والنساء الحوامل وحاملي الأمراض المزمنة.

ودعت الوزارة، في جملة نصائح وجهتها للمواطنين إلى المكوث في الغرفة الأكثر برودة بمنازلهم مع الحرص على غلق النوافذ نهارا وتهوية البيت ليلا، مع الاستحمام بماء فاتر أو وضع منديل مبلل فوق الرأس أو رش الوجه والرقبة والأطراف بالماء البارد. و أوصت بالحرص على شرب الماء بكمية لا تقل عن اللتر والنصف يوميا حتى في غياب الشعور بالعطش مع تفادي المشروبات التي تحتوي على السكريات والمنبهات كالقهوة والشاي.

وأكدت على ضرورة حماية البشرة من الأشعة بالمراهم الواقية فضلا عن ارتداء النظارات الشمسية، موصية بمراجعة الطبيب في أقرب وقت عند الشعور بأي أعراض غير طبيعية (كالتقيؤ وأوجاع الرأس وارتفاع حرارة الجسم أوالتشنجات العضلية) خاصة لدى الأطفال والمسنين. و طلبت الوزارة من المواطنين أثناء تدخلهم لمساعدة أي من المصابين بوضعه في غرفة باردة ونزع ثيابه المضبوطة ورشه بالماء الدافئ ووضع مناديل مبللة على رأسه وكافة أطرافه وإعانته على شرب الماء، داعية إلى زيارة ومساعدة الأشخاص المسنين خاصة الذين يقيمون بمفردهم لإعانتهم في التوقي والعلاج من أي ضربة شمس قد تؤثر على صحتهم.

تسممات غذائية

من بين مخاطر ارتفاع الحرارة التي تهدد الصحة العامة للمواطنين هي تلوّث المأكولات سواء بالمطاعم أو المحلات المفتوحة للعموم أو في المناسبات العائلية و التي تؤدي إلى التسممات الغذائية، وفي هذا الإطار أوضح السيد محمد الرابحي (إدارة حفظ صحة الوسط و حماية المحيط) أن عدد حالات التسممات الغذائية هذه السنة قد عرفت ارتفاعا ملحوظا مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية فقد تم تسجيل 430 حالة تسمم غذائي خلال شهر جوان 2018في حين لم يتجاوز عدد حالات التسمم الغذائي خلال جوان 2017 ,33 حالة مبينا أن أغلب التسممات الغذائية التي تم تسجيلها هذه السنة كانت خلال مناسبات احتفالية عائلية نتيجة عدم توفر ظروف ملائمة لحفظ الأغذية و منها نظافة مكان إعداد الطعام و عدم احترام سلسلة التبريد مشيرا إلى أن المراقبة الصحية لا يمكن أن تتدخل بالأماكن الخاصة إلا بإذن من وكيل الجمهورية لذلك يجب توخي الحذر و توفير شروط النظافة و الحفظ اللازمة لحماية الأغذية من التلوّث, وأضاف الرابحي أن إدارة حفظ صحة الوسط وضعت برنامجا رقابيا خاصا خلال الصائفة يستهدف المحلات المفتوحة للعموم من مطاعم و محلات بيع المواد الغذائية خاصة منها المواد سريعة التعفن على غرار الحليب و مشتقاته و المثلجات و الأكلات السريعة فقد قامت فرق المراقبة الصحية خلال شهر رمضان بتسجيل 9500 مخالفة صحية تم على إثرها غلق 280 محل و إتلاف 57 طنا من المواد الغذائية و7 آلاف لتر من المشروبات موضحا أن الحصيلة الجديدة للمراقبة الصحية للشهر الحالي لم تكتمل بعد باعتبار أنه يتم تقييم العمل الرقابي كل شهر.

و أضاف الرابحي في سياق متصل أن ارتفاع درجات الحرارة يساهم كذلك في تكاثر الناموس باعتبار أن الدورة البيولوجية لتكاثره تكون أقصر بمفعول الحرارة و بالتالي فإن توالده يكون أسرع.

تأثيرات مختلفة

و في سياق متصل أوضح الخبير البيئي السيد عادل الهنتاتي أن العالم بما في ذلك تونس شهد ارتفاعا في معدلات درجات الحرارة خلال العشرين سنة الأخيرة وفق ما أكدته الدراسات العلمية و يعتبر ذلك من مظاهر التغييرات المناخية التي من مظاهرها الأخرى ارتفاع معدل الرطوبة و شح الأمطار أو نزولها بشكل كبير إلى درجة تسببها في الفيضانات مضيفا أن تغييرات المناخ و منها ارتفاع درجات الحرارة له عديد التأثيرات السلبية لكن له كذلك بعض الجوانب الإيجابية, وبيّن محدثنا أن موجة الحرارة الأخيرة التي شهدتها تونس كانت لها تأثيرات سلبية على الحيوان من ذلك نفوق أعداد هامة من الأسماك بالسواحل التونسية بسبب تراجع نسبة الأكسيجين في مياه البحر و انتشار الطحالب البحرية التي تساهم في امتصاص الأكسيجين من الماء و بالتالي يؤدي ذلك إلى نفوق الأسماك و موتها مضيفا أن ارتفاع الحرارة يساهم في تراجع الإنتاجية الفلاحية خاصة بالنسبة الى الزراعات السقوية على غرار الأشجار المثمرة إلى جانب التأثيرات السلبية على الإنسان سواء على المستوى الصحي أو على ارتفاع تكلفة الطاقة نتيجة استعمال المكيفات .

و أبرز السيد الهنتاتي أن هناك بعض الجوانب الإيجابية لارتفاع درجات الحرارة من ذلك وفود أنواع كثيرة من الأسماك للبحر الأبيض المتوسط و هو ما ساهم في إثراء و تنوّع المنتوجات البحرية الوطنية و تثمين الأحياء البحرية .

إرشاد الفلاحين

و اعتبارا إلى تأثير ارتفاع درجات الحرارة على المحاصيل الزراعية و على الإنتاج الفلاحي أوضح السيد عز الدين شلغاف و هو مدير عام الإنتاج الفلاحي بوزارة الفلاحة و الموارد المائية أن شدة الحر من شأنها أن تؤثر على حجم الإنتاج النباتي على غرار الزراعات البعلية و الأشجار المثمرة و الزياتين و الزراعات السقوية مضيفا أن وزارة الفلاحة تعمل على توجيه و إرشاد الفلاحين من أجل حماية زراعاتهم من موجة الحر من خلال تحديد أوقات الري و الجني و نقل المنتوجات في ظروف جيّدة مشيرا أن أزمة المياه التي تعرفها البلاد والناجمة عن التغييرات المناخية قد أثرت سلبا على الزراعات السقوية لذلك تم وضع برنامج لحوكمة قطاع المياه و ترشيد استهلاكه, وأوضح في السياق ذاته أن لموجة الحر إيجابيات على بعض الزراعات من ذلك مقاومة بعض الآفات التي تصيب أشجار الزيتون فقد قامت وزارة الفلاحة بإيقاف الحملة الوطنية لمقاومة هذه الآفة الزياتين ذلك أن ارتفاع درجات الحرارة قد قام بالقضاء على هذه الآفة أو الحشرة التي تضر بشجرة الزيتون التي أدت دورها البيولوجي.

ولئن يؤثر ارتفاع الحرارة على نمط العيش اليومي للتونسي وقد يتسبب في أضرار صحية له و اقتصادية بالنسبة للمجموعة العامة فإن الأمر لا يخلو من بعض الجوانب الإيجابية التي أثبتتها الدراسات و الحال أن دراسات أخرى تؤكد تواصل ارتفاع معدلات الحرارة كل سنة نتيجة الاحتباس الحراري و التغيرات المناخية التي شملت العالم عامة و التي يجب أن يقع التكيف معها بوضع برامج وقائية إزاءها.