الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الجباية تثقل كاهل المواطن

إلى متى يظل كبش فداء لفشل الحكومات ؟



اعداد : سميحة الهلالي

تفيد المؤشرات أن أكثر من 70 بالمائة من الضرائب متأتية من الأجراء ومحدودي الدخل أي من الموظفين على اختلاف أجورهم. ذلك ما جعل عددا كبيرا من الخبراء الجبائيين والاقتصاديين وكذلك مكونات المجتمع المدني يبرزون أن المواطن يعتبر الحلقة الأضعف التي تسلط عليه الدولة الضرائب من اجل تعبئة موارد الميزانية. ذلك أن موارد الجباية غير المباشرة المتأتية من الأداء على القيمة المضافة متأتية 100 بالمائة من المواطن (المستهلك)، في حين أن ما يفوق 70 بالمائة من موارد الجباية المباشرة هي ضرائب على الدخل ما يعني تسلطا على الموظفين.

من جهة أخرى اعتبرت عديد الأطراف أن الزيادة في الأداء على القيمة المضافة الذي تضمنه قانون المالية لسنة 2018 يعد اكبر مظلمة في حق المواطن وهي بمثابة الضربة القاضية لمقدرته الشرائية، ودعت عديد الأطراف إلى ضرورة التصدي للتهرب الضريبي بوضع حد للسوق الموازية ومكافحة الفساد في هذا المجال.

فهل فشلت الدولة في التصدي للتهرب الضريبي ليظل المواطن كبش فداء لعجزها عن حل هذه المعضلة ؟ وما هي الحلول الممكنة للحد من ثقل الضرائب على المواطن؟

إن إثقال كاهل المواطن بالضرائب ليست بالإشكالية الجديدة وليست ناتجة عن تداعيات الثورة باعتبار وأن معاناة المواطن من الجباية واعتباره الحلقة الأضعف التي عليها تحمل فشل السياسة الاقتصادية للحكومات، تعود بنا إلى تاريخ الثورة الشعبية العارمة التي اندلعت سنة 1864 ضد نظام محمد الصادق باي وقد سميت على اسم قائدها علي بن غذاهم وكان السبب المباشر لاندلاعها مضاعفة الدولة لضريبة الإعانة من 36 ريالا إلى 72 ريالا تونسيا ....حيث كان مصطفى خزندار صاحب أول مرسوم أو أمر عليّ ممضى من الباي وأقرّ الجباية آنذاك كحقّ من حقوق الحاكم على المحكوم مما أدى إلى اندلاع الثورة.

فكل مراحل تاريخ بلادنا تؤرخ لدفع الفقراء إلى خزينة الدولة أكثر مما يدفع الأثرياء والحقيقة أن تاريخ بلادنا مرتبط ارتباطا وثيقا بالتسلط الجبائي على الموظّف من طرف الدولة على الفقراء ومحدودي الدخل وهي شرائح اجتماعية تتغيّر طبيعة وظائفها ومصادر رزقها بتغيّر طبيعة المرحلة التاريخية التي تعرفها البلاد فعلى مدى عدة قرون خلت وخلال مرحلة حكم الحفصيين إلى مرحلة حكم عهد البايات التي انتهت مرحلة حكمهم مع دولة الاستقلال تعرّض المزارعون وصغار المربّين إلى تعسف جبائي ونهب لموارد رزقهم البسيطة مما دفع بالقبائل إلى الثورة على الحكام الذين كانوا يستعملون القوة في جمع الضرائب.

ففي تاريخ بلادنا بمختلف مراحله ظل المواطن البسيط ( الموظفين بمختلف شرائحهم.... ) هو من يدفع الضريبة وتكون مساهمته في إنعاش الميزانية أكثر بكثير من الأثرياء (رجال أعمال وأصحاب المؤسسات الكبرى وغيرهم من المنتصبين للحساب الخاص).

الضريبة متأتية من المستهلك

وبما أن الضريبة هي المبالغ المالية التي تتقاضاها الدولة من الأشخاص والمؤسسات بهدف تمويل نفقات الصحة والتعليم والبنية التحتية وأجور الموظفين فإن النسبة الأهم في الموارد الجبائية ببلادنا متأتية من الأشخاص وليس من المؤسسات، فالمستهلك يوفّر ما يفوق 70 بالمائة من الجباية في شكل أداء على القيمة المضافة والأداء على القيمة المضافة تم إقراره سنة 1988 . وقد وقع العمل بالأداء على القيمة المضافة على مراحل ذلك انه تم تطبيقه في البداية على الواردات، والناتج الصناعي والخدمات ثم تم تطبيقه بعد ذلك على تجارة الجملة سنة 1989 وبعد ذلك على تجارة التفصيل سنة 1996 .

ويساهم الموظفون والعمال بأكثر من 70 بالمائة من الضرائب في بلادنا المتأتية من الأشخاص ذوي الدخل المحدود أو المتوسط في حين عرفت بلادنا نسبا كبرى للتهرب الضريبي والتي أسالت الكثير من الحبر بل وتسببت في ردود أفعال مختلفة من قبل مكونات المجتمع المدني والخبراء الاقتصاديين والمختصين في الجباية والسياسيين وكانت الحلول للحد من ظاهرة التهرب الجبائي ارتجالية ولم تكن ناجعة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة ويبدو أن كل الحلول لم تكن في صالح المواطن البسيط الذي كان مطالبا وفي جميع الحالات بدفع الضرائب مهما كانت وضعيته الاجتماعية ومستوى دخله.

وفي هذا الصدد يذكر المحامي اكرم البا روني الممثل القانوني لمنظمة الدفاع عن المستهلك أن المواطن يبقى دائما الحلقة الأضعف والأكثر التزاما بدفع الضرائب وأن الحكومة كلما كان الوضع الاقتصادي متأزما عوض البحث عن حلول حقيقية لمشكلة الجباية ومحاربة المتهربين من الجباية فإنها تجد أن الحل الأسهل يتمثل في مزيد الضغط على المستهلك ويرى محدثنا أن المسؤولية التاريخية الكبرى سيتحملها نواب الشعب الذين يتمثل دورهم في الدفاع عن المواطن لا تحميله المسؤولية في الخيبات التي عرفتها الحكومات المتعاقبة وحمل الحكومة المسؤولية في فشلها في إيجاد حلول تقطع مع التهرب الضريبي وتخفف العبء على المواطن لان السياسة الأخطر هي التعسف على المواطن وتحميله أكثر من طاقته وأكد الباروني أن منظمة الدفاع عن المستهلك نادت في كل المناسبات إلى ضرورة مراجعة السياسات الضريبية الموجهة ضد المواطن.

إرباك المؤسسات الاقتصادية...

وبعد استقلال البلاد سنة 1956 ظنّ الشعب أن عهد الاستبداد والتسلط الجبائي قد انتهى إلا أن هذا التعسف الجبائي على المواطنين من الأجراء ومحدودي الدخل بمختلف أصنافهم مازال متواصلا إلى حد يومنا هذا حيث يقول الخبير المالي ياسين إسماعيل أن قوانين الجباية منذ العهد النوفمبري إلى ما بعد ثورة 14 جانفي ومرحلة الانتقال الديمقراطي، لم تتغير ومازال المواطن من خلالها يعامل كرعية ومازال يتحمل اكبر ضغط جبائي ذلك أن 75 بالمائة من الجباية هي من الموارد الذاتية للدولة و25 بالمائة هي ديون عمومية وتصنف الموارد الذاتية إلى موارد جباية مباشرة وتمثل نسبتها 40 بالمائة يتم اقتطاعها من الأجور والدخل ويدفع المواطن 75 بالمائة من الجباية المباشرة والبقية تدفعها المؤسسات أما في ما يخص الجباية غير المباشرة والمتمثلة في الأداء على القيمة المضافة فتمثل نسبتها 60 بالمائة من الموارد الجبائية الذاتية للدولة ويتكفل بتحمل هذه الجباية المستهلك بنسبة 100 بالمائة وهو ما يبرز حجم معاناة المواطن واعتبر محدثنا ان اكبر جريمة قد ارتكبت في حق المواطن هي الزيادة بنسبة 1 بالمائة في الأداء على القيمة المضافة في قانون المالية 2018 لأنها اثرت بصفة مهولة على المقدرة الشرائية وهو ما انعكس سلبا على الاستهلاك وأدى إلى إرباك المؤسسات الاقتصادية والنتيجة تأزم الواقع الاقتصادي أكثر فأكثر .

ارتفاع الضغط الجبائي

نظـرا لارتفاع الضغط الجبائي بطريقة جنونيـة بالنسبة للأشخاص الذين يقومون بواجبهم الجبائي ونظرا للأضرار الجسيمة التي لحقت بالقدرات التنافسية للمؤسسات الاقتصادية المواطنة جراء تحميلها أداءات ومعاليم وإتاوات كبرى دون الحديث عن الصعوبات القاتلة التي تواجهها جراء تعفن محيط الاستثمار حتى النخاع ذلك ما عبر عنه السيد الأسعد الذوادي رئيس المعهد التونسي للمستشارين الجبائيين مضيفا ان ذلك ما تشهد به التقارير الدولية الصادرة عن معهد بازل للحوكمة وخلية معالجة المعلومات المالية ببلجيكا وبوابة النزاهة ومكافحة الفساد في مجال الأعمال والتصنيف السنوي لمنظمة الشفافية الدولية وكذلك التقرير الصادر أخيرا عن اللجنة التونسية للتحاليل المالية ونظرا للحصانة التي يتمتع بها الملايين من المتهربين من دفع الضريبة وبالأخص أولئك الذين ينشطون داخل السوق الموازية دون حسيب أو رقيب ونظرا لخطورة الأحكام الواردة بقانون المالية لسنة 2018 والتي من شانها مزيد الإضرار بالقدرات التنافسية للمؤسسات الاقتصادية المواطنة والشرائية للمواطن الذي يقوم بواجبه الجبائي، بات من المفروض وضع ميثاق جبائي لا تدفع الضريبة إلا على أساس المبادئ والقيم المضمنة صلبه. وهذا الميثاق يجب أن يكرس العدالة الجبائية وحق النفاذ إلى المعلومة والمساءلة والمحاسبة وتفادي تضارب المصالح وحسن التصرف في المال العام ومكافحة الفساد وبالأخص الجبائي بشراسة ووضع نظام جبائي منصف وعادل وشفاف وسجل وطني للمتهربين من دفع الضريبة ومساءلة أي مواطن بخصوص مصدر ثروته والتصريح بمكتسبات وأنشطة الموظفين العموميين وإيجاد الآلية الكفيلة بوضع حد للتهرب الجبائي من خلال اشتراط الانتفاع بالمرافق العمومية بالقيام بالواجب الجبائي وعدم سقوط حق الخزينة العامة بمرور الزمن تكريسا لمبدإ المساواة والتشهير بالمتهربين من دفع الضريبة عبر كل وسائط الإعلام وتوفير الإمكانيات اللازمة للقطب القضائي الاقتصادي والمالي والتنصيص على أن الواجب الجبائي شرط من شروط المواطنة وضبط قائمة شاملة وكاملة في الأشخاص المطالبين قانونا بدفع الضريبة وفتح ملف الفساد الجبائي الذي يكلف الخزينة العامة سنويا آلاف المليارات وتطهير التشريع الجبائي من الأحكام الجبائية الفاسدة التي مررها المناشدون والفاسدون بغاية ابتزاز المؤسسات وتخريب قدراتها التنافسية.

وبين محدثنا أن مثل هذه المبادرة تم تبنيها خلال سنة 2009 من قبل وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية بألمانيا في إطار «الميثاق الجبائي العالمي» وقد انضمت المفوضية الأوروبية لدعمها ماليا في شهر افريل 2017 إلى جانب هولندا، علما أن تلك المبادرة ترمي أساسا إلى تحسين استخلاص الموارد الجبائية داخل الدول الشريكة المنخرطة فيها وتشجيعها على وضع أنظمة جبائية عادلة وناجعة وشفافة وتضم المبادرة مجموعة متنوعة من الفاعلين تتكون من سياسيين وإداريين وخبراء في الجباية وجامعيين وممثلين عن المجتمع المدني والقطاع الخاص.

التهرب الضريبي

ويؤكد الذوادي ان الفساد المستشري اليوم ببلادنا يتم تمويله من قبل المؤسسة الاقتصادية المواطنة المنتجة (من خلال الضرائب المشطة الموظفة عليها) التي أثقل كاهلها بواسطة الأداءات المشطة والسوق الموازية والتوريد الوحشي والمكثف للمنتوجات القاتلة والمسرطنة والملوثة والتجاوزات المرتكبة في حقها من قبل الفاسدين صلب الإدارة والمنافسة غير الشرعية ومحيط الاستثمار المتعفن حتى النخاع وغياب الضمانات وانعدام السلامة القانونية والتطبيق الرجعي للأحكام الجبائية وتخريب المرفق العمومي. على منظمات الأجراء والمؤجرين والمجتمع المدني أن يضعوا حدا لتطبيق المثل الشعبي «اخدم يا تاعس على الراقد الناعس» خاصة إذا علمنا أن ملايين المتهربين من دفع الضريبة (بما فيهم أكثر من مليون شخص يعملون دون «باتيندة») يتمتعون بحصانة تامة ولا تشملهم الإجراءات والأحكام الجبائية التي يمارس من خلالها تخريب القدرات التنافسية للمؤسسات الاقتصادية المواطنة والقدرات الشرائية للمواطن الذي يقوم بواجبه الجبائي دون الحديث عن مئات آلاف الموظفين العموميين الذين لا يعملون أو الذين يستعملون صلاحيات السلطة العامة لملء جيوبهم وتنمية الفساد. فالذين يعملون دون «باتيندة» لا تشملهم الرقابة التي هي وسيلة لتكريس العدالة الجبائية في حين تتم هرسلة المؤسسات المواطنة وتسليط ضغط جبائي مشط عليها تطبيقا لنظرية «جلد البهيم المربوط». ويضيف محدثنا « لا ننسى أن نذكر بان العلامة ابن خلدون اكد ان الضغط الجبائي من شانه قتل المبادرة الاقتصادية جراء شعور الناس بالقهر والظلم والحيف وان فساد الجباية من فساد الحكم ».

المواطن يختنق

ومازالت المسألة الضريبية في بلادنا تطرح عديد الإشكاليات وتعتبر الأكثر إجحافا للمواطن فمنذ سنة 2011 إلى 2015 ارتفعت نسبة مساهمة الأجراء في الأداءات المباشرة المتمثلة في الضريبة على الدخل من 49 بالمائة إلى 64بالمائة وتمثل ضريبة الأجور والمرتبات 83 بالمائة من هذه الموارد حسب ما بينته عديد الأطراف المتدخلة في الشأن الجبائي ذلك انه خلال سنة 2016 كان هناك تمش في ما يخص العدالة الجبائية من خلال التعديل في الضارب الذي ينسحب على الدخل واعفاء طبقة الموظفين التي لها دخل اقل من 500 دينار وأصبح هناك عدد كبير من المواطنين ضعاف الحال لا يدفعون الضرائب وقد تمت مباركة هذا التمشي لكن يبدو ان قانون المالية لسنة 2018 مسّ مباشرة من المواطن وأثقل كاهله وافقده المكاسب التي تحصل عليها سنة 2016 ومازال المواطن إلى حد يومنا هذا يعاني من الضغط الجبائي المجحف والذي أدى إلى تدهور غير مسبوق في المقدرة الشرائية وتفشت حالة من التيه والحيرة وعدم الاطمئنان في صفوف المواطنين .