الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



التلوث الصناعي

أهلك الثروة البحرية..وصحة المواطنين في خطر...



اعداد: سميحة الهلالي

تمثل عديد المناطق الصناعية خطرا كبيرا على حياة المواطنين خاصة بالجهات الداخلية للبلاد على غرار قابس وصفاقس وقفصة وغيرها من الجهات الاخرى حيث وصف البعض هذه المصانع بمصانع «الموت» نظرا لحجم التلوث الذي تلحقه بالجهات على غرار معمل السياب بصفاقس والمجمع الكيميائي بقابس ومصانع النسيج بالشريط الساحلي ....مصانع تمثل مصدرا لكوارث بيئية على جميع الاصعدة أتت على الاخضر واليابس وفتكت بالثروة البحرية وبالأراضي وبصحة المواطن وأدّت الى التسبب في مقتل عدد كبير من المواطنين على اختلاف اعمارهم (رضع وكهول وشيوخ) بسبب امراض السرطان وضيق التنفس ...رغم اقرار عديد الدراسات بخطورة هذه المصانع ورغم القرارات الصادرة عن الحكومات سواء بالغلق الفوري لوحدات التلوث او بنقلها خارج مناطق العمران الا ان هذه القرارات لم تنفذ وبقيت حبرا على ورق ومازالت صيحات الفزع والاستغاثة من قبل المتضررين متواصلة والاحتجاجات المندّدة بضرورة وقف نزيف التلوث متواصلة الا انه لا حياة لمن تنادي .ففي ما تتمثل المضار التي خلفتها المناطق الصناعية بعديد الجهات ؟ واي تفسير قد يقدم لصمت الحكومات امام معاناة آلاف العائلات من التلوث ؟ هل من استراتيجية ناجعة لوضع معادلة توافقية تحفظ حق المواطن في العيش في بيئة سليمة وفي الان ذاته تعدّل الكفة بحيث تحافظ على مواطن شغل العاملين بالمصانع محلّ الاشكال؟

الحق في التنمية والحق في التشغيل والحق في العيش في مناخ بيئي سليم هي حقوق تنصّ عليها جميع الاعراف والمواثيق و يكفلها الدستور لكن التلوث البيئي الكارثي بالمناطق التي توجد بها مجمعات كيميائية مثل قابس وصفاقس وقفصة او مصانع النسيج مثل المنستير بلغ مداه ممّا تسبّب في حالات من الاحتقان الاجتماعي بهذه المناطق بعد أن تعرّضت حياة مواطني تلك الجهات الى مخاطر حقيقية تتمثّل خاصّة في السموم التي تنفثها تلك المصانع والتي أضرّت بصحّتهم وجعلتهم فريسة لعدد كبير من الامراض الخطيرة على غرار السرطان والحساسية وضيق التنفس.

قابس تختنق.....

يوجد بمدينة قابس المجمع الكيميائي التونسي الذي مثّل كابوسا يؤرق حياة المواطنين حيث يقول السيد خير الدين دبية منسق عن حملة Stop pollution ان المجمع الكيميائي التونسي بقابس تم بعثه سنة 1972 في امتداد لنشاط شركة فسفاط قفصة وكانت بداية بعثه من اجل استخراج الحامض الفسفوري من مادة الفسفاط وتم تركيز هذا المجمع بمنطقة «الدبدابة» وهي منطقة محاذية لشط السلام وغنوش وبوشمة ثم بعد ذلك توسعت هذه المنطقة بعد احداث عديد المصانع الاخرى واصبحت منطقة صناعية كبرى تشمل اكثر من 20 شركة .وأفاد محدثنا ان ذلك ادى الى التسبب في التلوث البيئي حيث ان تكرير الفسفاط لاستخراج الحامض الفسفوري يفرز فضلات تسمى الفسفوجيبس يتم الالقاء بها في البحر يوميا بمعدل يقدر بـ16 الف طن ما يعادل 5 ملايين طن سنويا وتصنف مادة الفسفوجيبس كمادة مشعة نظرا لاحتوائها على نسبة عالية من المعادن الصلبة كـ«اليورانيوم» و«الكادميوم» و«الرادون» .القاء الفسفوجيبس بالبحر ادى الى تصحره على حد تعبير محدثنا من خلال انقراض الكائنات البحرية وتراجعت اصنافها بعد ان كان خليج قابس يحتوي اكثر من 370 صنف من الاسماك ويمثل محضنة الاسماك اصبح لا يحتوي الا على 7 اصناف فقط من الاسماك. ويضيف محدثنا ان الغازات المنبعثة من المجمع الكيميائي تسببت في انتشار عديد الامراض بالجهة على غرار مرض ضيق التنفس و السرطان وهشاشة العظام ثم ان الوضع الصحي للعائلات المجاورة للمنطقة الصناعية كارثي حيث ان اغلبية العائلات تعاني من الامراض التي تم ذكرها .وتبعاً للوضع البيئي الكارثي الذي خلفته المنطقة الصناعية فقد شهدت هذه الجهة عديد التحركات. إذ كان الحديث عن هذا الملف من المحرّمات في العهد السابق لكن هذا لم يمنع الاتحاد العام التونسي للشغل من تنظيم عديد الندوات والتحركات لعل ابرزها سنة 2010 تحت شعار «2010 سنة البيئة في قابس» ثم تتالت موجة الاحتجاجات المنددة بالوضع البيئي الكارثي الناجم عن مخلفات المناطق الصناعية الى حد يومنا هذا .ويضيف محدثنا انه رغم الاعتراف بان مادة الفسفوجيبس خطرة من قبل كل الاطراف المتدخلة إلا أنه لم تتم ترجمة ذلك في خطوات عملية .حيث تم سنة 2015 حصر مشكل التلوث في مسالة الفسفوجيبس فقط .ويذكر محدثنا ان اول مطالب جهة قابس بعد الثور ة كان ايقاف نزيف التلوث وبعدها تم ضبط 5 جوان كموعد قار من كل سنة للتظاهر من اجل انهاء معاناة الاهالي من التلوث تحت شعار «نحب نعيش ....كفى تلوثا». ولإيجاد حل لهذه المعضلة تم تكوين لجنة علمية سنة 2014 لاختيار موقع لتكديس الفسفوجيبس ووقع الاختيار على منطقة المخشرمة المحاذية لوذرف .وفي نهاية 2016 انطلقت التحركات في منطقة وذرف الرافضة لمشروع تكديس الفسفوجيبس . ويضيف محدثنا انه رغم التحركات المتواصلة والاخيرة منها تحرك اهالي الحامة رفضا لتحويل الوحدات الى حبيب .وذلك لان الحكومة لم تقدم ضمانات ملموسة للاهالي تضمن عدم تعرضهم لمخاطر التلوث الناجمة عن وحدات الحامض الفسفوري والكبريت.

الفسفوجيبس بصفاقس

عرفت مدينة صفاقس بعد الثورة اعتصامات واحتجاجات متواصلة امام الولاية شاركت فيها ما يقارب 40 جمعية منخرطة في الدفاع عن البيئة إلى جانب بقية مكونات المجتمع المدني والمواطنين مطالبين بغلق مصنع «السياب» و ضرورة تمكين الجهة من حقها في التنمية و إنقاذها من التلوث البيئي، وقد انطلقت سلسلة الاحتجاجات منذ سنة 2016 ولكن حكومة الصيد آنذاك لم تحرك ساكنا. هـذه الاحتجاجات تذكر بحجم المعاناة التي تعيشها ولاية صفاقس والأضرار التي لحقت المواطنين والاراضي و خاصة المناطق الفلاحية فضلا عن التلوث الذي أضرّ بالشريط الساحلي. وتواصلت موجة الاحتجاجات سنة 2017 وفي هذا الإطار يقول زياد الملولي عضو التنسيقية البيئية والتنمية بصفاقس أن تحرك أهالي صفاقس كان نتيجة لما اعتبروه سياسة التسويف التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة التي لم تقدم سوى الوعود ولم تعط الملف أي اهمية كما أنه يأتي بعد المسيرة الكبرى التي عاشتها المدينة يوم 14 جانفي 2016 والتي شارك فيها أكثر من8 الاف شخص من أجل ذات المطلب الذي بقي دون تنفيذ إلى حد الان رغم تعهد حكومة الصيد بدراسته وتقديم الحلول ثم بعد ذلك اقرار حكومة الشاهد بإيقاف انشطة الوحدات الملوثة للبيئة ولقد تم ايقاف نشاط وحدتين لإنتاج الفسفاط سنة 2016 اما الوحدة الثالثة فمازالت تنشط وهي مختصة في انتاج ثلاثي الفسفاط الرفيع .و لم يتم غلق المعمل الى حد يومنا هذا. ويضيف محدثنا انه تم بعث هذا المعمل سنة 1952 أي ان مدة تواجده بالجهة تقدر بـ65 سنة وهي فترة كبيرة كانت كفيلة بالقضاء على كل أسباب الراحة بالجهة ذلك ان هذا المعمل ينتج الحامض الكبريتي و الحامض الفسفوري والفسفاط الثلاثي الرفيع وعملية الانتاج تفرز غازات سامة في الهواء وحسب الدراسات التي انجزت سنة 2008 يقول محدثنا أنها اثبتت أن كمية الغازات التي تفرزها عملية الانتاج تتجاوز في اغلب الحالات نسبة 40 بالمائة وهو ما لا يتماشى مع المقاييس الوطنية والدولية في المحافظة على البيئة. ويضيف محدّثنا أن عملية تحويل الفسفاط تنتج عنها بقايا مهولة من «الفسفوجيبس» يقع تجميعها قرب المعمل وهي مادة خطرة وكميتها تقدر بـ30 مليون طن تمتد على مساحة 80 هكتارا وهي مساحة تفوق 4 مرات مساحة المدينة العربي بصفاقس، وذلك على ارتفاع 8 أمتار وهي أعلى قمة في الولاية. ونظرا لتأثيرات المعمل الكارثية على البيئة تم اصدار قرار رئاسي بغلق المعمل سنة 2008 ومنذ ذلك الوقت اسقط المعمل من برنامج تمويلات الاصلاح البيئي التي ترصد للمؤسسات التابعة للمجمع الكيميائي ولم ترصد له بالتالي أي تمويلات للإصلاح . وبذلك فان التكنولوجيا المستعملة في هذا المعمل قديمة جدا. مضيفا أن ولاية صفاقس تعتبر من اكثر المناطق التي ينتشر بها ورم السرطان وذلك نتيجة التلوث الناتج عن انبعاث الغازات السامة من المعمل.

تضرر البحّارة بالمنستير

كما تضرر الشريط الساحلي بالمنستير(قصيبة المديوني .خنيس ,طبلبة,صيادة...) بسبب المياه الآسنة التي تلقي بها المصانع بالبحر و التي ادت الى انبعاث روائح كريهة تقلق المتساكنين وكذلك اثرت على العمل اليومي للبحارة وتسببت في هلاك الثروة البحرية .مما جعل اهالي قصيبة المديوني يحتجون مطالبين بضرورة وقف التلوث البيئي الذي يعتبر كارثيا وله انعكاسات سلبية على جميع الاصعدة .