الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



اليوم إضراب في الوظيفة العمومية والقطاع العام

لماذا الإصرار وكلفة الزيادة أقل من كلفة الإضراب؟


اعداد: شكري بن منصور

تعيش تونس اليوم إضرابا عاما في الوظيفة العمومية في ظل تدهور المقدرة الشرائية وغلاء الأسعار واستهداف القطاع العام بالبيع الكلي أو الجزئي. ويصر الاتحاد العام التونسي للشغل على ضرورة الزيادة في أجور الموظفين بسبب تدهور المقدرة الشرائية خلال السنوات الأخيرة حيث لم تنجح الحكومات المتعاقبة في تونس في تجاوز الأزمة الاقتصادية جراء الاضطرابات التي عاشتها وتعيشها البلاد منذ ثورة 2011. كما تمارس الجهات الدائنة لتونس ضغوطا قوية عليها لخفض الإنفاق الحكومي وتجميد الأجور بهدف تقليص عجز الميزانية. ورغم المساعي لتفادي هذا الإضراب التي تواصلت إلى يوم أمس فشلت المفاوضات بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد والأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي وتم رفض المقترحات الحكومية في هذا الخصوص. وبالرغم من تدخل رئيس الجمهورية لتفادي الإضراب العام وحض الحكومة والاتحاد على مزيد التفاوض لم تمكن مفاوضات الساعات الأخيرة من تفادي الإضراب في الوظيفة العمومية الذي من المتوقع أن تكون له تداعيات سلبية وكلفة باهظة على الاقتصاد وإضرار بصورة تونس في الخارج.

فماهي تداعيات الإضراب العام في الوظيفة العمومية وهل يمكن القول أن تداعياته تتجاوز كلفة الزيادة في الأجور؟.

تشير التقديرات إلى أن الكلفة المالية المباشرة للإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية على المالية العمومية ستكون في حدود 400 مليون دينار تونسي. وضمن هذا الإطار اعتبر القيادي السابق في نداء تونس بوجمعة الرميلي أن رفض الحكومة زيادة الأجور في الوظيفة العمومية أي إسناد حوالي 400 مليون دينار للشغالين مطالب بها فقط للمحافظة على المقدرة الشرائية التي تهرّأت جرّاء سياسة الحكومة في حين أن تكلفة الإضراب العام مقدرة بـ400 مليون دينار أي أن قبول المطالب الاجتماعية المشروعة عملية وطنية مفيدة ومتوازنة تتمثل في إعطاء الأجراء مقابل ما قد يضيّعه الإضراب.

«تركيع» المنظمة الشغيلة

وفي ما عدا ذلك وبقطع النظر عن الموازين المالية وأسبابها ومسبباتها التي يتفنن من هبّ ودبّ في تقديم شتى أنواع التحاليل في شأنها فإن ما يفهم من التشدد في المفاوضات لا يخلو من خلفية «التركيع» للمنظمة الشغيلة وتقديم براهين «القربان» للقائمين بأمرنا من وراء البحار. وأكد بوجمعة الرميلي أن الحكومة تسعى لتكريس صورة سلبية عن اتحاد الشغل ليظهر في صورة المعيق لعملية الانتعاش الاقتصادي وهذا مجانب للوقائع. فالمقدرة الاقتصادية المتدهورة سببها التصرفات غير المسؤولة للحكومة التي أدت إلى تعفين المناخ الاجتماعي الوضع العام ككل. وبالنسبة إليه فإن كلفة المناخ الاجتماعي الفاسد الذي رسخته الحكومة الحالية أعلى كلفة بكثير من كلفة الزيادة في الأجور .

وفي نفس السياق أكد الخبير الاقتصادي عبد الجليل البدوي أن رفض الزيادة في الأجور يهدف إلى كسر شوكة الاتحاد ليس أكثر لأن الحكومة على علم بتدهور المقدرة الشرائية ورغم ذلك ترفض هذه الزيادة. كما أن الحكومة ملتزمة بشروط صندوق النقد الدولي الذي لا يريد زيادة كتلة الأجور في الوظيفة العمومية ووضع ذلك من بين الشروط المتأكدة لصرف القسط المقبل من القرض الذي أسنده لتونس والحكومة الحالية استغلت ذلك خلال التفاوض مع الاتحاد العام التونسي للشغل لفرض وجهة نظرها. وبخصوص التذرع بان الإضراب العام في الوظيفة العمومية سيتسبب في خسائر كبيرة للاقتصاد نفى محدثنا صحة ذلك معتبرا أن الاقتصاد لن يتضرر من الإضراب العام بقدر ما تضرر من التهريب والتهرب الضريبي وهجرة الكفاءات واندثار كل مقومات التنمية وتهريب الأموال وجميعها مشاكل لم تتمكن الحكومة من معالجتها.

وحتى في صورة الزيادة في الأجور لن يكون ذلك ضامنا لوحده لتحسن المقدرة الشرائية بل يجب القيام بعديد الإجراءات المصاحبة للحفاظ على مستوى الأسعار. وبيّن أن هذا الالتزام للصندوق كان سببا في انسداد قنوات الحوار وتعطّل المفاوضات الاجتماعية بين الحكومة واتّحاد الشّغل بخصوص الزيادة في الأجور حيث اشترط صندوق النقد الدولي لمساعدته لتونس،تقيّدها بمعالجة ضغوط ميزانيتها وتحصيل إيرادات الضرائب والدفع نحو التقاعد الاختياري للموظفين وخاصة عدم الترفيع في الأجور. ودعا إلى ضرورة إيجاد حلول فورية لتقاسم التضحيات في ظروف صعبة لا سيما وأنّ الإضراب يثقل كاهل الدّولة المثقل بدوره بالتسميات العشوائية في الوظائف العمومية باسم التعويضات، وباسم الانتهازية السياسية وبالترضيات تحضيرا للانتخابات القادمة. واستعرض حلولا اقتصادية تمكّن الدولة والحكومة من الحفاظ على الناتج الخام على غرار التقليص في الموظفين السامين وتتبّع النموذج الفرنسي في ذلك على اعتبار أن فرنسا تشغل 4 موظفين سامين لكل 1000 موظف في حين تونس تشغل 15 موظفا ساميا لكل 1000 موظف، مشدّدا أن التبذير يكمن هنا ويثقل كاهل الدولة، مبيّنا ان المنح العينية التي يتمتع بها الموظفون السامون تثقل كاهل الدولة وتتسبب في خسارة مئات المليارات دون فائدة ناقدا سياسة الدولة ومطالبا إياها بمراجعة حساباتها في هذا الإطار.

رسالة سلبية

وفي المقابل يرى الخبير الاقتصادي ورئيس المرصد التونسي للرقي محمد الجراية أنه يجب احترام النشاط النقابي من حيث المبدإ لكن مع احترام واجب العمل كذلك. فالحديث عن أن كلفة الإضراب توازي او تفوق كلفة الزيادة في الأجور هو كلام حق أريد به باطل لان الحكومة ليس لها موارد في الوقت الحالي واللجوء إلى مزيد الاقتراض لا يعتبر الحل الأمثل في الوقت الراهن الذي تسجل فيه نسبة المديونية ارتفاعا كبيرا. فنسبة العجز في الميزانية تقارب ٪20 منها ٪15 قروضا.. وعلاوة على ذلك تساءل محدثنا حول أيهما أولى الزيادة في الأجور أم خلق مواطن شغل جديدة؟ فالمقدرة الشرائية متدهورة على الجميع والاتحاد لديه مئات آلاف المنخرطين من جملة 11 مليون تونسي. ويعتبر محمد الجراية أن مطالبة الحكومة بالزيادة في الأجور في ظل تواصل الإضرابات وتوقف إنتاج الفسفاط الذي تراجع إلى ٪20 من طاقة الإنتاج هو أمر سلبي وتوقيته غير مناسب.

كما أن الإضراب يوجه رسالة سلبية إلى المستثمرين في ظل ضعف نسبة النمو وغياب ثروة يمكن تقاسمها وعموما يمكن اعتبار الإضراب العام حالة كارثية على الاقتصاد حيث تتعطل المصالح في المطارات والموانئ وأمور المبادلات التجارية. كما أن التكلفة غير المباشرة للإضراب العام على المالية العمومية أعلى من التكلفة المباشرة لا سيما فيما يخص مناخ الاستثمار حيث سيترتب عن الإضراب في قطاع الوظيفة العمومية تأثير على صورة تونس ويخفض من نوايا الاستثمار.

وتجدر الإشارة إلى أن الإضراب سيشمل كافة العاملين بالوزارات والإدارات المركزية والجهوية والمحلية والمؤسسات الخاضعة لأحكام النظام العام والوظيفة العمومية، وكافة أعوان المنشآت والمؤسسات العمومية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات في مراكز العمل الحيوية والتي تحددها الجامعات العامة النقابية والاتحادات الجهوية كل حسب خصوصيته.

وأوضح الاتحاد أن الإضراب سيكون حضوريا بمقر العمل إلى حدود الساعة الـ10 صباحا دون إمضاء ورقة الحضور ويتم بعدها التوجه إلى ساحة محمد علي «المقر المركزي للمنظمة» لحضور التجمع العام الذي يلتئم بهذه المناسبة، بداية من الساعة الـ11 صباحا.