الأعداد السابقة
من نحن ؟ اتصلوا بنا بحث :
 

ملفات خاصة





خدمات

 

تحقيقات



الأطفال العالقون ببؤر التوتر

مصير مجهول و صمت حكومي مريب



إعداد :صبرة الطرابلسي

ما يقرب عن 93 طفلا تونسيا عالقون بمناطق النزاع أو ما تسمى ببؤر التوتر بكل من سوريا وليبيا والعراق تتراوح أعمارهم بين سنة و7 سنوات وهي أرقام تروي تفاصيل مآسي عشرات العائلات التونسية التي فقدت أبناءها في إطار موجة الهجرة الجهادية التي ظهرت بعد ثورة 2011. آلاف الشباب التونسي الذي كانوا يعيشون حياة طبيعية مثل أترابهم تحولوا فجأة بين ليلة وضحاها إلى دعاة للجهاد فقطعوا مع عاداتهم وحياتهم وتركوا عائلاتهم دون استئذان أو سابق إعلام لتتفاجأ كل عائلة عاشت تفاصيل هذه المأساة بالخبر الصاعقة والذي مفاده سفر ابنها أو ابنتها رفقة زوجها إلى سوريا أو ليبيا أو العراق من أجل الجهاد والتحاقهم بالجماعات الإرهابية والنتيجة إنجاب أطفال ضحايا لتوجهات آبائهم واستسلام أمهاتهم لهذا الوضع وبالتالي بقائهم بهذه المناطق وما يمكن أن يشكله ذلك عليهم من خطر نفسي وصحي واجتماعي خاصة أن السلطة التونسية لم تقم إلى حد اليوم باسترجاع أي طفل من هؤلاء الأطفال العالقين رغم المساعي والمطالب المتكررة لعائلات هؤلاء الأطفال بالوصول إلى أحفادها وإعادتهم الى تونس حتى يعيشوا وسط الأهل وينشأوا في بيئة سليمة ولا يدفعوا فاتورة توجهات أبائهم.

فلماذا بقي هذا الملف الحارق إلى اليوم مجمدا في رفوف وزارة الخارجية رغم إبداء أحد الأطراف الخارجية استعداده ترحيل هؤلاء الأطفال؟ وأي تأطير نفسي وإجتماعي يجب أن يتوفر لهؤلاء الأطفال الذين نشأوا وسط محيط داعشي؟

«الصحافة اليوم» حاولت من خلال هذا التحقيق الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.

بنبرة يكسوها الحزن وعينين دامعتين حدثتنا الأم نعمة القيزاني والدة الشاب «ن ق» عن تفاصيل التحاق إبنها ذي الـ22 ربيعا بصفوف الجماعات الإرهابية بعد رحيله الى سوريا عبر تركيا رفقة زوجته سنة 2015 حيث أكدت لنا أن إبنها لم يكن يوما ذا تفكير متشدد أو متطرف بل كان كسائر أقرانه شابا مقبلا على الحياة ومحبا لها فلم تتصور للحظة أنه سيتحول إلى عنصر من عناصر دولة الموت «داعش». وقد أخبرتنا محدثتنا أنها تقطن رفقة إبنها بأحد الأحياء الشعبية بالعاصمة حيث تكاثرت فيها بعد الثورة الحلقات الدعوية التي كانت تستقطب شباب الحي وتدعوهم إلى الإنصهار صلبها ومن ثمة الالتحاق بصفوف المجاهدين في سوريا مشيرة الى أن هذه الجماعات كانت تستعمل القوة والتهديد في بعض الأحيان لاستمالة شباب الحي لفكرها المتطرف وإدماجهم ضمن الجماعات التي تقوم بتسفير الشباب إلى سوريا مضيفة أنها فوجئت بابنها يتصل بها من تركيا ليخبرها أنه في طريقه الى سوريا رفقة زوجته مبينة أن أحد الأجوار أخبرها قبل أيام أن إبنها قد قام ببيع أدباشه وأثاث منزله ولم تتمكن من الإتصال به قصد الاستفسار فلم تستفق إلا على هول هذه الكارثة التي كانت سبب مقتل إبنها الوحيد بعد ذلك على يد الدواعش مؤكدة أن سفر إبنها إلى سوريا كان تحت التهديد والضغط من قبل الجماعات المتشددة التي هددته بقتل أفراد عائلته إذا لم يخضع للأوامر مشيرة حسب قولها الى أن إبنها حاول الهرب من قبضة الدواعش أكثر من مرة حيث أصيب برصاصة خضع على إثرها للعلاج لتتم بعدها تصفيته .

وقالت محدثتنا أن زوجة إبنها اتّصلت بها مرات معدودات لتخبرها أنها تقيم في ظروف سيئة جدا مع ولديها اللذين يبلغان من العمر 2 و3 سنوات وهي لا تعرف إلى حد الآن تحديدا مكان إقامتهم وتطالب السلطة التونسية بإرجاع الطفلين إلى تونس حتى يتربيا في حضنها وبعيدا عن المحيط الملغوم المتواجدين فيه حاليا ,مؤكدة أنها استنفدت جميع المساعي أملا في تحقيق هذا المطلب لكن لا من مجيب.

رسالة إلى رئاسة الجمهورية

أم وأب متقدمان بالسن قدما من أقصى الجنوب التونسي الى العاصمة ولا طلب لهما سوى استعادة أحفادهما حيث يوجد اثنان منهم بسوريا والثلاثة الآخرون بليبيا.

حدثتنا الأم الثكلى والملتاعة لموت إبنيها اللذين تمت تصفيتهما من قبل الجماعات الإرهابية بلوعة شديدة لتسترجع تفاصيل سفر إبنها الأول مصطحبا زوجته إلى ليبيا بعد الثورة بهدف العمل ثم سرعان ما التحق بالجماعات الإرهابية حيث لقي حتفه مخلفا زوجة و4 أطفال يواجهون مصيرا مجهولا ويعيشون في ظروف سيئة .

وأضافت محدثتنا أن زوجة إبنها وأبناءها الثلاثة بقوا أسرى لدى تنظيم داعش بليبيا قبل أن تحررهم القوات الليبية وتودعهم سجن «معيتيقة» الذي تشرف عليه قوات الردع الليبية لذلك تطالب الجدة السلط التونسية بضرورة النظر في ملف أحفادها العالقين بليبيا وإعادتهم إلى تونس حتى ينشأوا وسط العائلة وفي ظروف جيدة ذلك أن المحيط الموجودين فيه حاليا يهدد سلامتهم النفسية والبدنية .

وفي سياق متّصل واصل الجد رواية المأساة التي عاش على وقعها المرير هو وأفراد عائلته والتي تخص رحيل إبنه الأصغر الذي سافر صحبة زوجته إلى سوريا بعد ثورة 2011 للالتحاق بالجماعات الإرهابية والتي قامت بقتله تاركة الزوجة وإبنيه اللذين يبلغان من العمر سنتان و3 سنوات يواجهان مصيرا مجهولا خاصة بعد أن قامت زوجة إبنه بنشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي تروي فيه تفاصيل ما حدث لها ولزوجها عندما إلتحقت بتنظيم الدولة الإسلامية المعروف بداعش مبينا أنه تم إعلامهم بأنه تمت تصفية الأم على إثرها ليبقى الولدان بمفردهما ولا يعلم عن مصيرهما شيئا .

وقد أخبرنا محدثنا أنه تقدم بطلب لكل السلط ذات الصلة من وزارة الخارجية ووزارة الداخلية قصد استرجاع أحفاده الخمسة الذين يوجد جزء منهم بسوريا وجزء اخر بليبيا مشيرا أن الى إمكانية استرجاع أحفاده الثلاثة الموجودين حاليا بليبيا متوفرة باعتبار إعراب السلط الليبية عن استعدادها لتسليم الأطفال للدولة التونسية لكن للأسف هذه الأخيرة لم تقم إلى حد الان بخطوة إيجابية في هذا الإتجاه رغم الجهود التي بذلتها كل العائلات التي لها حالات مماثلة لكن لا من مجيب مبرزا أنهم قاموا مؤخرا بمعية جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج بتوجيه رسالة إلى رئيس الجمهورية بهدف إيصال صوتهم لأعلى هرم في السلطة قصد النظر في هذا الملف والعمل على حله وإعادة الأطفال العالقين.

تجاهل الحكومة لملف الأطفال العالقين

أوضح السيد محمد إقبال بالرجب رئيس جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج أن ملف طلب إعادة الأطفال التونسيين الموجودين ببؤر التوتر قد تم طرحه والتقدم به للسلط ذات العلاقة منذ ما يزيد عن السنة ولكن الغريب أن هذا الملف الحارق والحساس بقي مجمدا ولم يحرك للدولة ولأجهزتها المسؤولة ساكنا رغم كل الجهود والمساعي التي قامت بها الجمعية لإيجاد حل لهؤلاء الأطفال ولعائلاتهم بتونس التي تطالب باسترجاعهم خاصة أنهم يواجهون مخاطر كبيرة بالمناطق التي يتواجدون فيها سواء على المستوى النفسي أو الصحي.

وأبرز محدثنا أنه يستغرب ويستنكر التجاهل الحكومي التام لملف الأطفال العالقين خاصة أن وزارة الخارجية لم تبد أي استعداد أو نية للنظر في هذا الملف رغم أن الطرف الليبي ممثلا في مدير الأمن المركزي بليبيا قد أعرب في ندوة صحفية عن استعداد ليبيا تسليم هؤلاء الأطفال حتى أنه قال بالحرف الواحد «أترجّى الدولة التونسية» أن تتخذ الإجراءات اللازمة لذلك لكن للأسف لم يقم الطرف التونسي الى حد الآن بأي خطوة إيجابية لحل هذا الوضع العالق .

وبين السيد إقبال لـ«الصحافة اليوم» أنه تم إرسال وفد تونسي يتكون من 16 شخصا ممثلين عن 6 وزارات إلى ليبيا في منتصف سنة 2018 من أجل القيام بإجراءات استرجاع الأطفال الموجودين رفقة أمهاتهم وعددهم 22 طفلا و14 امرأة وفعلا تمت تهيئتهم للعودة إلى تونس بعد أن حملوا أدباشهم قابعين لساعات بالمطار الليبي لكن للأسف تم إلغاء كل ذلك بسبب تعنت الطرف التونسي الذي رفض الظهور الإعلامي وبجرة قلم أحبط آمال هؤلاء الأطفال العالقين وأمهاتهم وعائلاتهم التونسية التي تنتظر عودتهم بفارغ الصبر.

وأبرز محدثنا أنه بعد استنفاد كل المساعي التي تم انتهاجها من أجل إيجاد حل لهذا الملف الحارق وعدم التوصل الى منفذ أمام التجاهل الحكومي التام له,توجهت جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج مؤخرا برسالة خطية لرئيس الجمهورية تدعوه من خلالها إلى التدخل لإيجاد حل نهائي لهذه المعضلة التي تهم 93 طفلا مجهولي المصير ببؤر التوتر وإعادتهم إلى تونس.

لا جواب

تجدر الإشارة إلى أننا حاولنا الإتصال بمدير عام الشؤون القنصلية بوزارة الخارجية قصد التعرف على موقف الوزارة من هذا الملف لكن لم نتلق أي رد.

معاناة أهالي الأطفال وقلقهم إزاء مصير أحفادهم المجهول وسعي جمعية إنقاذ الأطفال العالقين بالخارج لحل هذا الملف الحارق لم يجد نفعا أمام صمت الحكومة المطبق الذي ما يزال قائما.